عاد قانون المسطرة المدنية الجديد بالمغرب إلى واجهة النقاش البرلماني، بعد إثارة صعوبات مرتبطة بتطبيق عدد من مقتضياته، رغم مرور ما يزيد على شهرين على دخوله حيز التنفيذ. ويأتي هذا الجدل في وقت تراهن فيه السلطات العمومية على تحديث المنظومة القضائية وتبسيط إجراءات التقاضي وتحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطنين.
وخلال جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس النواب، الاثنين 2 نونبر 2026، انتقدت النائبة البرلمانية آمنة ماء العينين، عن حزب العدالة والتنمية، عدداً من الأحكام الإجرائية الواردة في القانون الجديد. واعتبرت أن الممارسة أظهرت صعوبات تستدعي تدخلاً تشريعياً لمعالجتها.
غير أن أهمية هذا النقاش لا تنحصر في المواقف المتباينة بين الحكومة والمعارضة. فالقانون ينظم إجراءات أساسية تمس حقوق المواطنين والمقاولات، بدءاً من رفع الدعاوى وتبليغ الأطراف، وصولاً إلى الطعن في الأحكام وتنفيذ المقررات القضائية. ولذلك، فإن تقييمه يقتضي فحص مدى وضوح قواعده وقابليتها للتطبيق، وليس الاكتفاء بالأهداف المعلنة للإصلاح أو الانتقادات السياسية الموجهة إليه.
قانون جديد دخل حيز التنفيذ في غشت 2026
صدر القانون رقم 58.25 المتعلق بالمسطرة المدنية بموجب الظهير الشريف رقم 1.26.07 بتاريخ 11 فبراير 2026، ونُشر في الجريدة الرسمية عدد 7485 بتاريخ 23 فبراير من السنة نفسها، قبل دخوله حيز التنفيذ في 23 غشت 2026.
ويمثل القانون محطة مهمة في تحديث القواعد المنظمة للتقاضي المدني بالمغرب. فقد قدمه المشرع باعتباره إطاراً يهدف إلى معالجة تعقيد الإجراءات وبطء المساطر، وتعزيز دور القضاء في تدبير الخصومات، والاستفادة من الوسائل الرقمية في الخدمات القضائية.
كما يتضمن أحكاماً مرتبطة بالاختصاص القضائي والتبليغ والطعن والتنفيذ، وهي مجالات تؤثر بصورة مباشرة في الزمن القضائي والتكاليف التي يتحملها المتقاضون.
لكن صدور قانون جديد لا يعني بالضرورة أن جميع الصعوبات العملية قد زالت. ففعالية الإصلاح تتوقف أيضاً على وضوح النصوص، وتوحيد تفسيرها، وتوفير الموارد البشرية والتقنية اللازمة لتنفيذها.
اعتراضات برلمانية على مواد تتعلق بالتقاضي
أثارت النائبة آمنة ماء العينين، خلال مناقشة الموضوع بمجلس النواب، عدداً من المقتضيات التي اعتبرتها مصدراً لصعوبات عملية.
وشملت ملاحظاتها المادة 77 المتعلقة بالمقال الافتتاحي للدعوى، والمادة 216 المرتبطة بالمقال الاستئنافي، والمادة 234 المتعلقة بطلب الأمر. كما تناولت المادة 86 وما تطرحه، بحسب موقفها، من إشكالات في إجراءات التبليغ.
وقالت النائبة إن بعض الصعوبات دفعت رؤساء محاكم إلى إصدار توجيهات لمعالجة إشكالات تطبيقية، معتبرة أن الأمر يستدعي تدخلاً تشريعياً أكثر وضوحاً.
وأشارت كذلك إلى أن حزب العدالة والتنمية تقدم بمقترح قانون لمعالجة عدد من هذه المسائل.
وتظل هذه المعطيات، في جانبها المتعلق بحجم الاختلالات وآثارها، مواقف برلمانية تحتاج إلى مقابلة معطياتها بتجربة المحاكم والمهنيين والوزارة الوصية. كما أن الإعلان عن إيداع مقترح قانون لا يعني اعتماده أو دخوله حيز التنفيذ.
التبليغ القضائي.. ضمانة للحقوق أم مصدر لتعطيل الإجراءات؟
يحتل التبليغ موقعاً مركزياً في المسطرة المدنية، لأنه يرتبط بإخبار الأطراف بالإجراءات والأحكام والآجال القانونية. وقد يؤدي الإخلال بضماناته إلى نزاعات حول صحة الإجراءات أو إمكانية ممارسة حقوق الدفاع.
وفي هذا السياق، أثارت ماء العينين مسألة الربط بين بيانات التبليغ والمعلومات المرتبطة بالبطاقة الوطنية، متسائلة عن مدى توفر الوسائل العملية اللازمة لتنفيذ بعض المقتضيات.
ويفتح هذا الاعتراض سؤالاً يتجاوز الصياغة القانونية إلى جاهزية الإدارة القضائية. فنجاح التبليغ يتطلب بيانات دقيقة وآليات تحقق فعالة، إلى جانب ضمانات لحماية المعلومات الشخصية وحقوق الأطراف.
ومن الضروري هنا التمييز بين وجود مقتضى قانوني يهدف إلى تحسين الإجراءات وبين إثبات أنه تسبب فعلاً في تعطيل ملفات قضائية. فالحكم على أثره يحتاج إلى معطيات من المحاكم، تشمل عدد حالات التبليغ المتعذر وأسبابها ومدد التأخير المرتبطة بها.
الاستئناف والتنفيذ.. اختبار فعلي لنجاعة الإصلاح
لا تنتهي وظيفة العدالة بصدور الأحكام، بل تشمل تمكين الأطراف من ممارسة حقوق الطعن، ثم تنفيذ المقررات القضائية وفق القانون.
ومن هذا المنطلق، أثارت الانتقادات البرلمانية إشكالات مرتبطة بالمقال الاستئنافي وبالإنابة في التنفيذ والاختصاص المكاني.
وتستحق هذه المسائل معالجة دقيقة، لأنها تتصل بالتوازن بين تبسيط الإجراءات والحفاظ على الضمانات القانونية. فالتشدد في بعض الشروط الشكلية قد يثير صعوبات لدى المتقاضين، بينما قد يؤدي الغموض في الاختصاص أو إجراءات التنفيذ إلى اختلاف الممارسة بين المحاكم.
لكن لا يمكن الجزم بأن القانون الجديد تسبب في ارتفاع الطعون الشكلية أو تأخر تنفيذ الأحكام دون بيانات مقارنة من الجهات القضائية المختصة.
ولهذا، فإن التحقيق في آثار الإصلاح يستدعي الحصول على إحصاءات تتعلق بمدد البت والتنفيذ، وعدد الملفات المتأثرة بالإشكالات المسطرية، ومدى اختلاف الممارسة القضائية منذ دخول القانون حيز التنفيذ.
رقابة دستورية سبقت إصدار النص النهائي
عرف المسار التشريعي لقانون المسطرة المدنية نقاشاً دستورياً مهماً خلال سنة 2025.
فقد أصدرت المحكمة الدستورية قرارها رقم 255/25 بتاريخ 4 غشت 2025، وقضت بعدم مطابقة عدد من مقتضيات القانون رقم 02.23 للدستور.
وشملت المقتضيات المعنية مواد متعددة، وفق ما وثقته المؤسسة التشريعية في الملف الرسمي للقانون.
ويكتسب هذا المعطى أهمية في تقييم مسار الإصلاح، لأنه يبين أن المشروع خضع لرقابة دستورية ترتبت عليها مراجعات قبل صدور القانون النهائي رقم 58.25.
لكن يجب عدم الخلط بين المقتضيات التي اعتبرتها المحكمة غير دستورية في الصيغة السابقة وبين المواد التي تنتقدها المعارضة حالياً في القانون النافذ. فهما مستويان مختلفان من النقاش، ولا يجوز اعتبار الاعتراض السياسي الراهن حكماً بعدم الدستورية.
هل يحتاج القانون إلى تعديل جديد؟
يفتح الجدل الحالي احتمال مراجعة بعض الأحكام التشريعية، خصوصاً بعد إعلان حزب العدالة والتنمية تقدمه بمبادرة لمعالجة الإشكالات التي رصدها.
غير أن اتخاذ قرار بالتعديل يستلزم تحديد طبيعة المشكلات أولاً. فقد ترتبط بعض الصعوبات بغموض في النصوص، بينما قد تكون أخرى نتيجة نقص الوسائل التقنية أو تفاوت الممارسة أو الحاجة إلى التكوين والتنسيق.
ويختلف الحل تبعاً لذلك. فالمشكلة المرتبطة بصياغة قانونية قد تستدعي تعديلاً تشريعياً، بينما يمكن معالجة صعوبات تنظيمية أخرى بإجراءات إدارية أو تقنية، شريطة احترام استقلال القضاء وحدود الاختصاصات القانونية.
كما ينبغي أن يشمل النقاش تقييم الأثر المحتمل لأي تعديل على حقوق الدفاع واستقرار الإجراءات والأمن القانوني، حتى لا يؤدي علاج صعوبة معينة إلى خلق تعقيدات جديدة.
إصلاح العدالة بين النصوص وتجربة المتقاضين
يطرح الجدل بشأن المسطرة المدنية سؤالاً أوسع حول طريقة تقييم الإصلاحات القضائية في المغرب.
فالنصوص القانونية تمثل شرطاً أساسياً لتحديث منظومة العدالة، لكنها لا تكفي وحدها لضمان السرعة والإنصاف وسهولة الولوج إلى المحاكم. كما أن الانتقادات السياسية، مهما كانت أهميتها في إثارة النقاش، لا تغني عن القياس الموضوعي للنتائج.
ولهذا، فإن التقييم المستقل للقانون الجديد ينبغي أن يستند إلى معطيات حول الزمن القضائي وتكاليف التقاضي وصعوبات التبليغ والطعن والتنفيذ، مع الاستماع إلى القضاة والمحامين وموظفي المحاكم والمتقاضين.
ومن حق الحكومة الدفاع عن اختياراتها التشريعية وتقديم حصيلة أولية لتطبيقها، كما يحق للمعارضة مساءلتها واقتراح التعديلات. لكن معيار الحكم على الإصلاح يجب أن يظل مرتبطاً بمدى حماية الحقوق وتحسين أداء العدالة.
وبعد أكثر من شهرين على دخول قانون المسطرة المدنية حيز التنفيذ، لا تزال المدة قصيرة لإصدار حكم شامل على نتائجه. غير أن الإشكالات المثارة تستحق توثيقاً ومتابعة، خصوصاً إذا تبين أنها تؤثر بصورة متكررة في إجراءات التقاضي.
ويبقى التحدي الأساسي هو الانتقال من الجدل حول النصوص إلى تقييم آثارها الفعلية، حتى لا يتحول تحديث القوانين إلى غاية مستقلة عن الهدف الذي يفترض أن تخدمه: عدالة أكثر وضوحاً وفعالية وقرباً من المواطنين.
