لم تكن الدورة السابعة والعشرون للمهرجان الدولي للعود بتطوان، المنظمة بين 29 و31 أكتوبر 2026، مجرد موعد موسيقي جديد في أجندة المدينة. فقد رافقتها ملاحظات وانتقادات أعادت طرح أسئلة تتجاوز تفاصيل التنظيم إلى هوية التظاهرة، وطبيعة اختياراتها الفنية، ومستقبل الرصيد الثقافي الذي راكمته على امتداد سنوات.
وجاءت هذه الدورة تحت شعار «المتوسط.. الثقافات الثلاث»، بمشاركة فنانين مغاربة وأجانب، يتقدمهم الموسيقار اللبناني مارسيل خليفة. وقدمت الجهة المنظمة البرنامج باعتباره مناسبة للاحتفاء بالتنوع الموسيقي المتوسطي، وتعزيز مكانة تطوان فضاءً للحوار الثقافي.
غير أن نجاح المهرجانات لا يقاس فقط بأسماء المشاركين أو كثافة الحضور، بل أيضاً بجودة التنظيم، ووضوح الرؤية الفنية، واحترام الشركاء، والقدرة على تطوير المكتسبات التي صنعت هوية التظاهرة.
حفل الافتتاح.. نجاح جماهيري وأسئلة تنظيمية
استقطب حفل الافتتاح، الذي أحياه مارسيل خليفة بمسرح إسبانيول، اهتماماً جماهيرياً لافتاً. ووفق تقرير لوكالة رويترز، امتلأت القاعة، فيما تابع عشرات الأشخاص العرض من الخارج عبر شاشة كبيرة.
لكن هذا الإقبال أعاد إلى الواجهة مسألة تدبير الولوج إلى الفضاءات الثقافية، ولا سيما عندما تكون الطاقة الاستيعابية محدودة مقارنة بحجم الاهتمام الذي يثيره فنان من مكانة مارسيل خليفة.
وقد رافقت الحفل ملاحظات بشأن تنظيم الدخول وظروف استقبال الجمهور، وهي ملاحظات تستحق التوضيح من الجهات المسؤولة، خصوصاً ما يتعلق بطريقة توزيع الدعوات، ومعايير الولوج، والإجراءات المعتمدة لضمان سلامة الحاضرين.
ولا ينبغي أن يتحول الإقبال الجماهيري إلى مصدر ارتباك تنظيمي. فالمهرجان الذي يستقطب أسماء فنية كبيرة مطالب بأن يواكب هذا الحضور بترتيبات واضحة، تحترم الجمهور وتوفر الظروف الملائمة لمتابعة العروض.
الاختيارات الفنية بين التجديد والمحافظة على الهوية
لم تقتصر الملاحظات على الجانب التنظيمي، بل امتدت إلى طبيعة بعض الاختيارات الفنية وطريقة تقديم العروض.
فالمهرجان، بحكم تخصصه في آلة العود، لا يواجه فقط تحدي استضافة فنانين معروفين، وإنما أيضاً مسؤولية تقديم تجارب موسيقية تتيح للجمهور اكتشاف مدارس وأساليب جديدة، مع المحافظة على المستوى الفني الذي ارتبط باسمه.
وقد تضمن برنامج هذه الدورة مشاركات متنوعة، من بينها الفنان الفلسطيني نزار روحانا، إلى جانب تجارب مغربية ومتوسطية، فضلاً عن أوركسترا للعود تضم خمسين عازفاً وعازفة من مختلف جهات المملكة.
ويحسب لهذا التنوع أنه يفتح المجال أمام مقاربات موسيقية متعددة. غير أن تقييم نجاحه يتطلب النظر إلى الانسجام بين الفقرات، وجودة الإعداد الفني، والظروف التقنية والجمالية المصاحبة للعروض.
ومن هنا تبرز أهمية الإدارة الفنية المتخصصة، باعتبارها وظيفة تتجاوز إعداد قائمة المشاركين إلى بناء تصور متكامل يمنح كل دورة شخصيتها الخاصة.
سميرة القادري تعيد جائزة زرياب إلى النقاش
اتخذ الجدل بعداً آخر مع المواقف التي عبرت عنها الفنانة السوبرانو سميرة القادري، التي ارتبط اسمها بمراحل من تاريخ المهرجان وإدارته الفنية.
فقد أثارت القادري، في تصريحات تداولتها منابر إعلامية محلية، قضية جائزة زرياب للمهارات، التي ارتبطت بالمهرجان وبالتعاون مع المجلس الوطني للموسيقى.
واستحضرت في هذا السياق محطات سابقة، من بينها ما قالت إنه تعثر في تكريم الموسيقي السوري كنان العدناوي خلال دورة 2024، ومشكلات مرتبطة بالتواصل والتنسيق مع شركاء ثقافيين.
وتظل تفاصيل هذه الوقائع وأسبابها بحاجة إلى توضيح من الأطراف المعنية، ولا سيما بشأن الترتيبات التي كانت مقررة والالتزامات المتبادلة.
أما بالنسبة إلى دورة 2026، فقد تضمن البلاغ الرسمي للوزارة المنظمة إعلاناً عن منح جائزة زرياب للمهارات. وهو معطى يجعل السؤال المطروح أكثر تحديداً: هل نُفذت الفقرة المعلنة وفق البرنامج، أم طرأ عليها تغيير لم يُوضح للرأي العام؟
إن الإجابة عن هذا السؤال تتطلب الرجوع إلى الجهة المنظمة والمجلس المعني بالجائزة، بعيداً عن الخلط بين ما وقع في دورات سابقة وما كان مقرراً للدورة الأخيرة.
جائزة تتجاوز قيمتها التكريم الرمزي
لا تختزل أهمية جائزة زرياب في تسليم درع أو الإعلان عن اسم فنان مكرم. فقد ارتبطت، عبر سنوات، بتثمين تجارب موسيقية ساهمت في تطوير العزف على العود وإغناء المشهد الفني.
كما أن التكريم، عندما يقترن بلقاءات فنية وحوارات مع الجمهور، يتحول إلى مناسبة لنقل الخبرة وتوثيق التجارب وإتاحة المعرفة الموسيقية للأجيال الجديدة.
ومن هذا المنطلق، فإن أي اضطراب في تدبير الجائزة أو التواصل بشأنها يستحق النقاش، ليس باعتباره خلافاً شخصياً، وإنما بوصفه قضية تتعلق باستمرارية تقليد ثقافي وبالثقة بين المؤسسات.
فالبرامج الثقافية المتخصصة تحتاج إلى علاقات مستقرة مع شركائها، وإلى قواعد واضحة في الإعلان عن التكريمات وتنظيمها وتوثيقها.
الذاكرة الثقافية ليست ملكاً لإدارة واحدة
أثارت مواقف سميرة القادري تفاعلات في الأوساط الثقافية المحلية، وأعادت إلى الواجهة سؤال الاعتراف بالأشخاص الذين ساهموا في بناء المهرجان وتطويره.
فالتظاهرات الثقافية لا تبدأ من الصفر مع كل تغيير إداري. إنها تراكم جماعي يشارك فيه الفنانون والتقنيون والموظفون والباحثون والشركاء والجمهور.
ولا يعني الاعتراف بهذا التراكم رفض التجديد أو المطالبة ببقاء الأشخاص أنفسهم في مواقع المسؤولية. بل يتعلق الأمر بالحفاظ على المعرفة والخبرة والعلاقات المهنية التي تشكل جزءاً من الرأسمال الثقافي للمؤسسة.
وقد يكون تغيير أساليب الإدارة ضرورياً لتطوير المهرجان، لكن نجاحه يرتبط بقدرته على الاستفادة من التجارب السابقة، لا بمجرد استبدال فريق بآخر.
التدبير الإداري والرؤية الفنية.. تكامل لا تعارض
من بين الأسئلة التي يثيرها النقاش طبيعة العلاقة بين الإدارة التنظيمية والإشراف الفني.
فالتدبير الإداري ضروري لضبط الميزانية والعقود واللوجستيك واستقبال المشاركين. غير أن المهرجان الموسيقي المتخصص يحتاج أيضاً إلى رؤية فنية قادرة على اختيار الأعمال، وتنسيق العروض، وتطوير العلاقات مع الموسيقيين والمؤسسات الثقافية.
ولا يوجد تعارض حتمي بين الوظيفتين. بل إن نجاح التظاهرات الكبرى يرتبط غالباً بوضوح المسؤوليات وتكامل الخبرات.
ولهذا، فإن النقاش حول إدارة مهرجان العود ينبغي أن يتجه إلى المعايير المعتمدة في إعداد البرنامج وتقييم النتائج، ومدى إشراك الكفاءات المتخصصة، بدلاً من اختزاله في مقابلة بين الموظف الإداري والفنان.
الميزانية والاختيارات.. الحاجة إلى شفافية أكبر
أثارت التصريحات المتعلقة بصعوبات تمويل بعض التكريمات أسئلة بشأن ترتيب الأولويات المالية داخل المهرجان.
غير أن تقييم هذه المسألة لا يمكن أن يقوم على الانطباعات أو المقارنات غير الموثقة بين تكاليف المشاركات الفنية.
فالمطلوب هو معرفة الاعتمادات المخصصة للدورة، وطبيعة الشراكات، وكيفية توزيع النفقات بين العروض والتجهيزات والاستقبال والتكريمات والأنشطة الموازية، في الحدود التي تسمح بها قواعد الشفافية والوثائق المتاحة.
ومن شأن تقديم حصيلة تنظيمية ومالية وفنية أن يساعد على تقييم اختيارات المهرجان بصورة أكثر موضوعية، وأن يتيح للمهتمين مناقشة الأولويات بناءً على معطيات واضحة.
كيف تحافظ تطوان على إشعاع مهرجانها؟
لا يمكن فصل مهرجان العود عن المكانة الثقافية التي راكمتها مدينة تطوان، ولا عن مساهمة أجيال من الفنانين والفاعلين في ترسيخ صورتها فضاءً للموسيقى والفنون.
وقد منحت الدورة الأخيرة فرصة جديدة للاحتفاء بهذا الإرث، لكنها فتحت أيضاً نقاشاً مشروعاً حول سبل المحافظة عليه وتطويره.
ويقتضي ذلك رؤية تتجاوز تنظيم السهرات السنوية إلى توثيق الذاكرة الفنية، وتوسيع المشاركة الثقافية، والاهتمام بالتكوين، وبناء شراكات مؤسساتية قائمة على الوضوح والاستمرارية.
كما يستدعي الإنصات إلى الانتقادات الجادة، والتحقق من الوقائع التي تستند إليها، وتمكين الجهات المعنية من تقديم توضيحاتها.
إن النقد الثقافي لا يستهدف التقليل من قيمة المهرجان أو جهود القائمين عليه، بل يسعى إلى مساءلة الاختيارات التي تحدد مستقبله.
ولذلك، فإن السؤال الأساسي لا يتعلق فقط بنجاح دورة أو تعثر فقرة من برنامجها، وإنما بقدرة المؤسسات الثقافية على تحويل التجارب المتراكمة إلى مشروع مستدام، يحفظ الذاكرة ويتيح التجديد.
فتطوان لا تحتاج إلى مهرجان يتكرر كل سنة فحسب، بل إلى تظاهرة تتطور مع الزمن، وتظل وفية لروحها الفنية، ومنفتحة على النقد، وقادرة على صيانة الثقة بين الفنانين والجمهور والشركاء.
