يواجه مشروع قانون المالية المغربي لسنة 2027 اختباراً اجتماعياً واقتصادياً مبكراً، بعدما كشفت أحدث بيانات المندوبية السامية للتخطيط عن ارتفاع البطالة وتراجع عدد المشتغلين خلال الفصل الثالث من السنة الجارية. وتأتي هذه المؤشرات في وقت تقدم فيه الحكومة القدرة الشرائية والتشغيل وتقليص الفوارق الاجتماعية باعتبارها أولويات أساسية في مشروع الميزانية الجديدة.
ولا يتعلق الأمر بمجرد مقارنة بين أرقام اقتصادية ووعود سياسية. فالمسألة ترتبط بقدرة السياسات العمومية على تحويل النمو والاستثمار والاعتمادات المالية إلى فرص عمل ودخل مستقر وخدمات يستفيد منها المواطنون. كما تطرح سؤالاً حول مدى انسجام الاختيارات الاقتصادية مع الحاجيات الاجتماعية، خصوصاً لدى الشباب والنساء وسكان المناطق التي تعاني ضعف فرص التشغيل.
البطالة ترتفع رغم استمرار توقعات النمو
أعلنت المندوبية السامية للتخطيط، الثلاثاء 3 نونبر 2026، أن معدل البطالة بالمفهوم الضيق بلغ 10.5 في المائة خلال الفصل الثالث من السنة الجارية، بزيادة قدرها 0.9 نقطة مئوية مقارنة بالفصل السابق.
وأظهرت نتائج البحث حول القوى العاملة أن عدد العاطلين بلغ مليوناً و224 ألف شخص، بعدما ارتفع بنحو 103 آلاف شخص خلال ثلاثة أشهر. وفي المقابل، تراجع عدد الأشخاص المشتغلين مقابل دخل إلى 10.5 ملايين، بانخفاض صافٍ بلغ 173 ألف شخص مقارنة بالفصل الثاني.
وتكتسب هذه الأرقام أهمية خاصة لأنها تصدر عن بحث جديد للقوى العاملة، حل محل البحث الوطني حول التشغيل. ولذلك، تقتضي المقارنات التاريخية مراعاة الاختلافات المنهجية المحتملة بين أدوات القياس، وعدم التعامل مع جميع السلاسل الإحصائية باعتبارها متطابقة بالضرورة.
ومع ذلك، فإن ارتفاع البطالة وتراجع التشغيل بين فصلين متتاليين يبرزان صعوبة تحويل النشاط الاقتصادي إلى فرص عمل كافية، حتى مع استمرار توقعات النمو الإيجابية.
الشباب والنساء أمام اختلالات أكثر حدة
تكشف التفاصيل الإحصائية أن البطالة لا تتوزع بالتساوي بين مختلف الفئات الاجتماعية. فقد بلغ معدلها 30.5 في المائة لدى الشباب المتراوحة أعمارهم بين 15 و24 سنة، مقابل 16.7 في المائة لدى النساء.
كما سجل معدل البطالة 12.5 في المائة بالوسط الحضري، مقابل 6.9 في المائة بالوسط القروي. غير أن انخفاض المعدل في بعض المناطق لا يعني بالضرورة توفر وظائف مستقرة أو جيدة، إذ يتعين النظر أيضاً إلى المشاركة الاقتصادية والاستخدام غير الكامل وطبيعة الأنشطة المهنية.
وتشير المندوبية إلى أن المعدل المركب للاستخدام غير الكامل للقوى العاملة بلغ 19.6 في المائة، وهو مؤشر يوسع مجال التحليل إلى ما يتجاوز الأشخاص المصنفين عاطلين وفق التعريف الإحصائي الضيق.
وهنا تظهر حدود الاقتصار على معدل البطالة وحده عند تقييم السياسات العمومية. فالحصول على عمل لا يكفي للحكم على جودة الإدماج الاقتصادي، إذا كان الدخل غير كافٍ أو كانت ساعات العمل أقل من الحاجة أو افتقر النشاط إلى الاستقرار والحماية الاجتماعية.
مالية 2027.. إنفاق اجتماعي وتخفيف ضريبي
في المقابل، تراهن الحكومة على مجموعة من التدابير الاقتصادية والاجتماعية ضمن مشروع قانون المالية لسنة 2027، الذي قدمته إلى البرلمان في 23 أكتوبر الماضي.
وبحسب المعطيات التي عرضها وزير الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية، فوزي لقجع، تعتزم الحكومة تخصيص نحو 62 مليار درهم لتدابير مرتبطة بتحسين الخدمات الاجتماعية ودعم القدرة الشرائية وتقليص الفوارق.
وتشمل الإجراءات المعلنة إعفاء الأجور التي تقل عن عشرة آلاف درهم شهرياً من الضريبة على الدخل، إلى جانب تدابير مرتبطة بمعاشات التقاعد ودعم الأسر ذات الدخل المحدود وتكاليف الكهرباء.
كما يتضمن المشروع رفع ميزانية الصحة إلى 45.5 مليار درهم، وزيادة الاعتمادات المخصصة للتعليم إلى 121 مليار درهم، وفق الأرقام التي قدمتها الحكومة عند عرض المشروع.
غير أن هذه الإجراءات تظل، في هذه المرحلة، جزءاً من مشروع قانون يخضع للمناقشة البرلمانية. ولا يجوز تقديم جميع مقتضياته باعتبارها قرارات نهائية نافذة قبل استكمال المسطرة التشريعية وصدور النصوص اللازمة للتنفيذ.
هل يكفي التخفيف الضريبي لتحسين القدرة الشرائية؟
يمثل الإعفاء الضريبي المقترح إحدى أبرز التدابير التي تقدمها الحكومة لتحسين الدخل المتاح للأجراء. فمن حيث المبدأ، يمكن لتخفيض الضريبة على الدخل أن يرفع الأجر الصافي لبعض المستفيدين، بحسب وضعيتهم الضريبية ومقتضيات النص النهائي.
لكن أثر هذا الإجراء لن يكون متساوياً بين جميع الأسر المغربية. فالأشخاص الذين لا يؤدون أصلاً ضريبة على الدخل لن يستفيدوا مباشرة من تخفيضها، كما أن العاطلين والعاملين خارج منظومة الأجور المصرح بها يحتاجون إلى آليات أخرى لتحسين أوضاعهم.
ويبرز هنا سؤال يتعلق بتوزيع منافع الإصلاح بين الأجراء والأسر ذات الدخل المحدود والفئات التي تعاني هشاشة مهنية. كما يتطلب تقييم الإجراء تحديد تكلفته على الموارد الجبائية، ومدى تعويضها بمداخيل أخرى أو بتحسين التحصيل.
أما القدرة الشرائية فلا تتحدد بالدخل وحده. فهي تتأثر أيضاً بأسعار الغذاء والسكن والنقل والطاقة والخدمات الأساسية. ولذلك، فإن أي تقييم جدي ينبغي أن يقارن تطور الدخل الصافي بتغير تكاليف المعيشة، لا أن يكتفي بالإعلان عن زيادة اسمية في الموارد المتاحة لبعض الأسر.
النمو الاقتصادي لا يعني تلقائياً خلق وظائف كافية
تتوقع الحكومة نمو الاقتصاد المغربي بنسبة 3.7 في المائة خلال سنة 2027، مقابل توقع بلوغ 4.7 في المائة سنة 2026، وفق المعطيات المقدمة عند عرض مشروع الميزانية.
وتعكس هذه التوقعات رهاناً على استمرار النشاط الاقتصادي، لكنها لا تشكل ضمانة مسبقة لتحسن سوق العمل. فمعدل النمو الإجمالي لا يحدد وحده عدد الوظائف المحدثة أو توزيعها الجغرافي والقطاعي.
وقد تحقق بعض الأنشطة الاقتصادية نمواً مرتفعاً مع قدرة محدودة على استيعاب اليد العاملة، بينما تظل قطاعات أخرى أكثر ارتباطاً بالتشغيل لكنها معرضة لتقلبات الإنتاج والطلب.
ولهذا، فإن السؤال المركزي لا يتعلق فقط بنسبة النمو المستهدفة، بل بتركيبته ومدى مساهمة القطاعات المنتجة في خلق فرص عمل مستقرة، خصوصاً للشباب والنساء وحاملي الشهادات.
ويحتاج هذا التقييم إلى بيانات تفصيلية عن التشغيل حسب القطاعات والجهات، وعن عدد الوظائف المحدثة فعلياً مقارنة بالأهداف الحكومية المعلنة.
الفوارق المجالية.. وجه آخر لأزمة التشغيل
تؤكد بيانات المندوبية السامية للتخطيط استمرار تفاوتات واضحة بين الجهات المغربية. فقد بلغ معدل البطالة 17.2 في المائة بجهة كلميم واد نون، و14.7 في المائة بجهة درعة تافيلالت، و13.7 في المائة بجهة الشرق.
وفي المقابل، سجلت جهة الداخلة وادي الذهب معدل بطالة بلغ 4.6 في المائة، بينما بلغ 6.8 في المائة بجهة طنجة تطوان الحسيمة.
ولا تعكس هذه الفوارق بالضرورة اختلافاً بسيطاً في أداء السياسات المحلية. فالمؤشرات تتأثر بالتركيبة السكانية ومعدلات المشاركة في سوق العمل وطبيعة الأنشطة الاقتصادية والهجرة الداخلية ومستويات الاستثمار.
لكن استمرار التفاوت يطرح سؤالاً حول قدرة السياسة الاستثمارية على تقليص الاختلالات الترابية. فإعلان اعتمادات للاستثمار لا يكفي لإثبات أثرها التنموي، ما لم تقترن بمشروعات منجزة ووظائف فعلية وتحسن في الخدمات والبنيات الأساسية.
ومن ثم، يصبح توزيع الاستثمارات العمومية بين الجهات، ومعدلات تنفيذها، ومدى ارتباطها بالحاجيات المحلية، من المؤشرات الضرورية للحكم على النتائج.
بين الوعود والنتائج.. ما الذي ينبغي قياسه؟
تقدم الحكومة مشروع مالية 2027 باعتباره أداة لتعزيز الحماية الاجتماعية وتحسين القدرة الشرائية والتشغيل. وهذه أهداف يمكن تقييمها من خلال مؤشرات قابلة للقياس، وليس فقط من خلال حجم المبالغ المرصودة.
ففي التشغيل، ينبغي تتبع صافي الوظائف المحدثة ومعدلات البطالة والاستخدام غير الكامل. وفي القدرة الشرائية، يتعين قياس تطور الدخول الحقيقية للأسر بعد احتساب الأسعار. أما في الخدمات العمومية، فيجب فحص أثر الإنفاق على جودة التعليم والعلاج وإمكانية الولوج إليهما.
ومن الضروري أيضاً التمييز بين ثلاثة مستويات: الالتزامات الحكومية المعلنة، والاعتمادات التي يعتمدها البرلمان، والنفقات التي تنفذها المؤسسات فعلياً. فالفجوة بين هذه المستويات لا يمكن افتراضها مسبقاً، بل يجب إثباتها من خلال وثائق الميزانية وتقارير التنفيذ والتقييم.
كما أن تحميل مشروع مالية 2027 مسؤولية مؤشرات سجلت خلال الفصل الثالث من 2026 سيكون استنتاجاً غير سليم زمنياً. فهذه الأرقام تصف وضعية سابقة لتطبيق المشروع، لكنها تقدم خط أساس مهماً لتقييم السياسات المستقبلية.
امتحان النتائج يبدأ بعد إقرار الميزانية
تكشف أحدث مؤشرات سوق الشغل أن تحسين الأوضاع الاجتماعية سيظل من التحديات الرئيسية أمام الحكومة، مهما كانت التوقعات الاقتصادية المعلنة.
فارتفاع البطالة بين الشباب والنساء، واستمرار الفوارق المجالية، واتساع الاستخدام غير الكامل، كلها معطيات تستدعي سياسات لا تقتصر على التحفيز المالي، بل تشمل جودة الاستثمار والتكوين وربط التعليم بسوق العمل وتحسين شروط النشاط الاقتصادي.
وفي المقابل، لا يمكن الحكم مسبقاً بفشل الإجراءات المقترحة أو نجاحها. فذلك يتطلب انتظار الصيغة النهائية لقانون المالية، ومتابعة تنفيذ مقتضياته، ثم قياس النتائج الاجتماعية والاقتصادية بصورة مستقلة.
وبين الأرقام التي تكشفها المندوبية السامية للتخطيط والاعتمادات التي تقترحها الحكومة، يبرز السؤال الذي ينبغي أن يرافق النقاش البرلماني: ما مقدار التحسن الذي سيشعر به المواطن فعلياً في دخله وفرص عمله وخدماته الأساسية؟
إن الإجابة عن هذا السؤال لن تقدمها الوعود وحدها، بل المؤشرات القابلة للتحقق خلال سنة 2027 وما بعدها.
