تشهد الولايات المتحدة، الثلاثاء 3 نونبر 2026، انتخابات التجديد النصفي للكونغرس وسط مشاركة مبكرة مرتفعة، وتدقيق متزايد في إجراءات التصويت وفرز الأصوات. وبينما أدلى أكثر من 59 مليون أمريكي بأصواتهم قبل يوم الاقتراع، سجلت بعض الولايات أعطالاً تقنية استدعت تدخلاً من المسؤولين الانتخابيين لضمان استمرار العملية.
وتكتسب هذه الانتخابات أهمية سياسية خاصة، لأنها ستحدد الحزب الذي يسيطر على مجلسي النواب والشيوخ خلال العامين المتبقيين من ولاية الرئيس دونالد ترامب. غير أن الاهتمام بنتائج المنافسة الحزبية يتزامن مع سؤال مؤسساتي لا يقل أهمية: كيف تتعامل السلطات الانتخابية مع الأعطال المحلية، وما الضمانات التي تكفل احتساب أصوات الناخبين؟
التصويت المبكر.. مشاركة واسعة قبل فتح صناديق الثلاثاء
وفق بيانات مختبر الانتخابات بجامعة فلوريدا، التي نقلتها شبكة CBS News يوم الثلاثاء، تجاوز عدد الأمريكيين الذين أدلوا بأصواتهم مبكراً 59 مليون ناخب. ويشمل هذا الرقم التصويت الحضوري المبكر والاقتراع عبر البريد، وفق الأنظمة المعمول بها في الولايات المختلفة.
وكانت وكالة رويترز قد أفادت بأن أكثر من 57 مليون شخص صوتوا حتى يوم الاثنين 2 نونبر، مقارنة بنحو 46 مليوناً شاركوا مبكراً في انتخابات التجديد النصفي لعام 2022.
ويشير هذا الارتفاع إلى اتساع استخدام وسائل التصويت المبكر، لكنه لا يكفي وحده للحكم على حجم المشاركة النهائية أو تحديد الحزب المستفيد منها. فبعض الناخبين الذين يصوتون قبل يوم الاقتراع كانوا سيشاركون أصلاً يوم الثلاثاء، كما تختلف قواعد التصويت وتسجيل الانتماء الحزبي بين الولايات.
لذلك، يتطلب تفسير المشاركة الانتخابية انتظار الأرقام النهائية، ومقارنتها بعدد المسجلين وتوزيع الأصوات بحسب الولايات والفئات الانتخابية، دون تحويل المؤشرات الأولية إلى توقعات حاسمة.
نيويورك.. أعطال في قراءة بطاقات التصويت
شهدت مقاطعة ويستشستر بولاية نيويورك مشكلات تقنية في أجهزة قراءة بطاقات الاقتراع الورقية، ما تسبب في اضطراب إجراءات التصويت داخل عدد من المراكز.
وأكد مجلس الانتخابات المحلي أن السلطات تعمل مع الجهات المختصة لمعالجة المشكلة، وأن البطاقات التي تعذر مسحها إلكترونياً ستُحفظ وفق إجراءات محددة قبل احتسابها لاحقاً.
وتكتسب الواقعة أهمية إضافية لأن المقاطعة تضم جزءاً من الدائرة الانتخابية السابعة عشرة، التي تشهد منافسة بين الجمهوري مايك لولر والديمقراطية كايت كونلي على مقعد في مجلس النواب.
وقد دعا مسؤولون من الحزبين الناخبين إلى مواصلة التصويت وعدم مغادرة المراكز بسبب الأعطال. كما أكدت السلطات الانتخابية أن الأصوات المستوفية للشروط القانونية ستُحتسب.
لكن السبب التقني النهائي للمشكلة لم يكن قد حُسم عند صدور التقارير الأولى. ومن ثم، لا تسمح المعلومات المتاحة باعتبار العطل دليلاً على تلاعب انتخابي أو على تغيير متعمد في نتائج الاقتراع.
جورجيا.. إعادة مسح بطاقات بعد مشكلات في المعدات
في مقاطعة فولتون بولاية جورجيا، أعلنت السلطات الانتخابية إجراءات لإعادة مسح أكثر من ألف بطاقة اقتراع مبكر، بعدما واجه جهازان مشكلات تقنية خلال شهر أكتوبر.
وبحسب المعلومات التي نقلتها وسائل إعلام محلية عن مسؤولي الانتخابات، تأثرت 361 بطاقة بانقطاع الكهرباء عن أحد الأجهزة يوم 21 أكتوبر، فيما ارتبطت 708 بطاقات بمشكلة في جهاز آخر يوم 26 أكتوبر.
وأوضح المسؤولون أن إعادة احتساب البطاقات ستتم بعد إغلاق مراكز الاقتراع، وبإجراءات تتيح المتابعة العلنية للعملية.
ولا تعني إعادة مسح البطاقات إلغاء الأصوات أو إثبات حدوث تلاعب. بل تمثل إجراءً إدارياً يهدف إلى معالجة مشكلة تقنية والتحقق من احتساب الأصوات المتأثرة بصورة صحيحة.
ومع ذلك، تظل هناك أسئلة مشروعة بشأن جاهزية الأجهزة، وفعالية الاختبارات السابقة للاقتراع، ومدى قدرة السلطات المحلية على معالجة الأعطال دون التأثير في ثقة الناخبين.
القضاء يدخل على خط الخلافات الانتخابية
بالتوازي مع المشكلات التقنية، شهدت الأيام السابقة للاقتراع مواجهات قضائية بشأن حدود صلاحيات الإدارة الفيدرالية في التدخل بإجراءات الانتخابات التي تديرها الولايات.
وأفادت رويترز يوم الثلاثاء بأن محاكم فيدرالية أصدرت قرارات تحد من بعض الإجراءات التي اتخذتها إدارة ترامب بشأن قوائم أشخاص يُشتبه في عدم أهليتهم للتصويت بسبب وضعهم القانوني المتعلق بالجنسية.
وتتمسك الإدارة بضرورة تطبيق شروط أهلية الناخبين، بينما أثارت الإجراءات اعتراضات قانونية تتعلق بدقة البيانات واحتمال المساس بحقوق مواطنين مؤهلين للتصويت.
ويعكس هذا الخلاف طبيعة النظام الانتخابي الأمريكي، الذي يمنح الولايات دوراً رئيسياً في تنظيم الاقتراع، مع وجود قواعد دستورية وقوانين فيدرالية تحكم حماية الحقوق الانتخابية.
ولا يمكن اعتبار وجود نزاع قضائي دليلاً على وقوع تزوير. كما أن ادعاء وجود ناخبين غير مؤهلين يحتاج إلى إثبات فردي وقانوني، ولا يكفي الاستناد إلى قوائم أولية أو اتهامات سياسية.
تكساس وميشيغن.. أهمية سياسية تتجاوز السباقات المحلية
تتجه الأنظار أيضاً إلى تكساس وميشيغن، باعتبارهما من الولايات التي تشهد منافسات مهمة على مقاعد مجلس الشيوخ.
وتكتسب تكساس أهمية خاصة بسبب حجمها السكاني وثقلها الاقتصادي، بينما تجمع ميشيغن بين القضايا الصناعية والاقتصادية والخلافات المتعلقة بالسياسات الفيدرالية.
ولا تقتصر أهمية النتائج على هوية المرشحين الفائزين. فكل مقعد يمكن أن يؤثر في التوازن الحزبي داخل مجلس الشيوخ، وبالتالي في قدرة الإدارة على تمرير بعض التشريعات والتعيينات، وفي صلاحيات المعارضة البرلمانية.
لكن أي استنتاج بشأن انتقال السيطرة على الكونغرس يبقى سابقاً لأوانه ما دامت عمليات التصويت والفرز لم تكتمل، خصوصاً في السباقات التي قد تتطلب وقتاً إضافياً لحسم نتائجها.
هل تهدد الأعطال التقنية نزاهة الانتخابات؟
يستدعي هذا السؤال التمييز بين ثلاثة مستويات مختلفة: حدوث مشكلة تقنية، وتأثيرها الفعلي في عملية التصويت، ووجود دليل على مخالفة انتخابية متعمدة.
فالعطل في جهاز قراءة البطاقات واقعة يمكن توثيقها. أما أثره على احتساب الأصوات فيتطلب فحص الإجراءات المتخذة لمعالجته. وفي المقابل، لا يمكن إثبات التزوير أو نفي احتمال وقوع مخالفة محددة اعتماداً على الانطباعات أو التصريحات الحزبية وحدها.
وتبرز أهمية الرقابة المستقلة والشفافية الإدارية في مثل هذه الحالات. فالإعلان عن المشكلات وتوثيق طرق معالجتها وإتاحة مراقبة الفرز يساعد على تقييم سلامة الإجراءات، بعيداً عن التهويل أو التقليل من شأن الاعتراضات المشروعة.
كما ينبغي ألا تُستخدم الأعطال المحلية لتعميم أحكام على الانتخابات الأمريكية بأكملها، ما لم تظهر أدلة موثوقة على وجود مشكلات أوسع نطاقاً.
انتخابات تتجاوز حسابات الفوز والخسارة
تضع انتخابات 2026 الولايات المتحدة أمام اختبار سياسي ومؤسساتي مزدوج. فمن جهة، سيحدد الناخبون التوازن الجديد داخل الكونغرس، وما يترتب عليه من آثار في التشريع والرقابة على السلطة التنفيذية. ومن جهة أخرى، ستخضع كفاءة الإدارة الانتخابية وقدرتها على معالجة المشكلات لاختبار عملي أمام الرأي العام.
وتشير المشاركة المبكرة المرتفعة إلى أهمية الاقتراع لدى قطاعات واسعة من الناخبين، لكنها لا تكشف مسبقاً عن النتائج. كما أن الأعطال المسجلة في بعض المناطق تستحق التغطية والمساءلة، دون تحويلها إلى اتهامات غير مثبتة.
وبين هذين المعطيين، تبقى المهمة الأساسية للصحافة تقديم الوقائع كما تثبتها الوثائق والجهات المختصة، ومتابعة ما لم يُحسم بعد، واحترام حق الناخبين في أن تُحتسب أصواتهم وفق القانون.
أما الحكم على نتائج الانتخابات وتأثيرها السياسي، فينبغي أن يستند إلى الأرقام المعلنة بعد الفرز، لا إلى توقعات الحملات الانتخابية أو الجدل الذي يرافق يوم الاقتراع.
