تسعى الصين إلى تعزيز حضورها الدبلوماسي في الشرق الأوسط، مستفيدة من علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع أطراف إقليمية متنافسة. ويأتي تحركها الجديد في ظل استمرار التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، وتعثر جهود التوصل إلى تسوية تضمن استقرار المنطقة وحركة الملاحة الدولية.
وشهدت بكين، الاثنين 2 نونبر 2026، سلسلة اتصالات رفيعة المستوى شملت إيران والسعودية وسلطنة عُمان. ودعت القيادة الصينية إلى تغليب الحوار على المواجهة العسكرية، مؤكدة أهمية حماية إمدادات الطاقة والممرات البحرية.
لكن هذه المبادرات تثير سؤالاً يتجاوز التصريحات الدبلوماسية: هل تستطيع الصين تحويل نفوذها الاقتصادي إلى قدرة فعلية على الوساطة، أم أن تحركها يستهدف أساساً حماية مصالحها الاستراتيجية؟
بكين تجمع خيوط التواصل مع أطراف متنافسة
التقى وزير الخارجية الصيني وانغ يي، الاثنين، علي باقري كني، نائب أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني. وأكد خلال اللقاء أن الحوار والتفاوض يمثلان الطريق لمعالجة النزاعات الإقليمية، مع تجديد دعم بلاده لسيادة إيران وأمنها.
وفي اليوم نفسه، أجرى وانغ يي محادثات منفصلة مع مساعد بن محمد العيبان، مستشار الأمن الوطني السعودي. وركزت المباحثات على ضرورة وقف الأعمال العدائية وحماية أمن الطاقة والملاحة البحرية. كما نقل المسؤول السعودي رسالة من ولي العهد الأمير محمد بن سلمان إلى الرئيس الصيني شي جين بينغ.
ويكتسب تزامن اللقاءين أهمية سياسية خاصة. فالصين تحتفظ بعلاقات واسعة مع طهران والرياض، رغم اختلاف مصالحهما ومواقفهما الأمنية. وتتيح هذه العلاقات لبكين التواصل مع الطرفين دون الارتباط بتحالف عسكري إقليمي مماثل للتحالفات التي تقودها واشنطن.
ومع ذلك، لا توجد معلومات مؤكدة تفيد بأن المسؤولين الإيراني والسعودي عقدا اجتماعاً مباشراً في بكين. ولذلك، لا يصح تقديم اللقاءات المنفصلة باعتبارها مفاوضات ثلاثية أو اتفاقاً جديداً برعاية صينية.
سلطنة عُمان في قلب الحسابات الدبلوماسية
بالتوازي مع هذه الاتصالات، استقبل الرئيس شي جين بينغ سلطان عُمان هيثم بن طارق في زيارة رسمية إلى الصين. ودعا الرئيس الصيني إلى تجنيب الشرق الأوسط والخليج صراعات القوى الكبرى، بينما رحبت مسقط بدور صيني أوسع في دعم الاستقرار الإقليمي.
وتكتسب عُمان أهمية خاصة في هذه المرحلة بسبب موقعها الجغرافي وخبرتها في الوساطة. فهي تطل على مضيق هرمز، وتحتفظ بقنوات اتصال مع إيران والولايات المتحدة ودول الخليج. كما أن بعض موانئها تقع خارج المضيق، ما يمنحها أهمية لوجستية في ظروف اضطراب الملاحة.
وشهدت الزيارة توقيع وثائق تعاون شملت الطاقة الخضراء وسلاسل الإمداد والذكاء الاصطناعي، إلى جانب اتفاق لمبادلة العملات. ودعا بيان مشترك إلى استئناف الملاحة الآمنة عبر هرمز والعودة إلى الحوار الأمريكي الإيراني.
ومن هذا المنظور، لا تبدو عُمان مجرد شريك اقتصادي للصين. بل يمكن أن تشكل حلقة اتصال مهمة بين المصالح الصينية ومسارات التفاوض الإقليمية. غير أن ذلك يظل احتمالاً سياسياً، وليس دليلاً على وجود وساطة صينية عمانية مشتركة مكتملة المعالم.
مضيق هرمز.. حيث تلتقي الدبلوماسية بأمن الطاقة
يشكل أمن الطاقة أحد أهم الدوافع التي تفسر اهتمام الصين باستقرار الخليج. فالاقتصاد الصيني يعتمد على واردات ضخمة من النفط والغاز، وترتبط أجزاء مهمة من هذه الإمدادات بالموانئ والممرات البحرية في الشرق الأوسط.
وقد أظهرت اضطرابات مضيق هرمز خلال عام 2026 حجم المخاطر التي تواجه الدول المستوردة للطاقة. فتعطل حركة الناقلات لا يهدد وصول الشحنات وحده، بل يرفع تكاليف التأمين والنقل ويزيد تقلب الأسعار العالمية.
وتنعكس هذه التطورات على الاقتصاد الصيني من خلال تكاليف الإنتاج والنقل والصناعة. كما تمتد آثارها إلى الأسواق الآسيوية والأوروبية والدول النامية التي تعتمد على استيراد الوقود.
لذلك، لا يمكن فصل الدعوات الصينية إلى التهدئة عن المصالح الاقتصادية المباشرة لبكين. لكن اختزال دبلوماسيتها في النفط وحده سيكون تفسيراً ناقصاً، لأن الصين تسعى أيضاً إلى حماية التجارة البحرية والاستثمارات وسلاسل الإمداد.
هل تستعيد الصين تجربة التقارب السعودي الإيراني؟
سبق للصين أن لعبت دوراً دبلوماسياً بارزاً في استئناف العلاقات بين السعودية وإيران عام 2023. وقد منحها ذلك الاتفاق فرصة لتقديم نفسها طرفاً قادراً على تسهيل الحوار بين قوى إقليمية متنافسة.
غير أن الظروف الحالية أكثر تعقيداً. فالتوتر لا يقتصر على العلاقات السعودية الإيرانية، بل يشمل المواجهة الأمريكية الإيرانية وأمن الخليج والملاحة الدولية. كما تتداخل فيه حسابات عسكرية ونووية واقتصادية يصعب فصلها عن الدور الأمريكي.
وتستطيع الصين استخدام علاقاتها التجارية والسياسية لتشجيع الأطراف على التفاوض. لكنها لا تملك بالضرورة أدوات الضغط أو الضمانات الأمنية اللازمة لتنفيذ أي اتفاق.
وهنا يظهر الفرق بين تسهيل الحوار وضمان نجاح التسوية. فاستضافة المسؤولين وتبادل المقترحات يمكن أن يفتحا مساراً تفاوضياً، لكن إنهاء المواجهة يحتاج إلى تنازلات متبادلة وآليات تنفيذ واضحة.
الولايات المتحدة والصين.. تنافس أم تقاطع مصالح؟
يضع التحرك الصيني واشنطن أمام واقع دبلوماسي يتسم بتعدد الأطراف المؤثرة. فالولايات المتحدة تحتفظ بنفوذ عسكري وأمني واسع في المنطقة، بينما تستند الصين إلى التجارة والاستثمار والعلاقات السياسية.
ولا يعني ذلك أن البلدين يتبنيان مواقف متطابقة. فبينهما خلافات استراتيجية عميقة، تشمل العلاقات مع إيران والنفوذ الإقليمي وترتيبات الأمن الدولي.
ومع ذلك، توجد مصلحة مشتركة في منع اضطراب طويل الأمد لإمدادات الطاقة والتجارة العالمية. ويمكن لهذا التقاطع أن يفتح مجالاً لدعم جهود التهدئة، حتى في ظل استمرار التنافس بين القوتين.
لكن نجاح أي وساطة سيظل مرتبطاً بمواقف الأطراف المباشرة للنزاع. فالصين لا تستطيع أن تحل محل واشنطن في التفاوض بشأن العقوبات الأمريكية، كما لا تستطيع أن تفرض على طهران قبول الترتيبات الأمنية المطروحة.
المبعوث الصيني واختبار الانتقال من التصريحات إلى النتائج
أعلنت وزارة الخارجية الصينية أن مبعوثها الخاص لشؤون الشرق الأوسط، تشاي جون، سيزور إيران وعُمان والسعودية خلال النصف الأول من نونبر. وتهدف الجولة، وفق بكين، إلى تشجيع محادثات السلام وتخفيف التوترات.
كما أعلنت الصين تحركات دبلوماسية موازية تشمل القرن الإفريقي والبحر الأحمر. ويعكس ذلك إدراكاً للترابط بين أمن الخليج والممرات البحرية الممتدة نحو البحر الأحمر وقناة السويس.
وتشكل هذه الجولة اختباراً عملياً للقدرة الصينية على الانتقال من إعلان المبادئ إلى تحقيق تقدم ملموس. ويمكن قياس نتائجها بمدى نجاحها في تقريب المواقف ودعم استمرار الاتصالات بين الأطراف.
أما الإعلان عن زيارات جديدة، فلا يكفي وحده لإثبات نجاح الوساطة. ومن المبكر الحديث عن اتفاق صيني جديد ما لم تظهر تفاهمات محددة أو التزامات معلنة.
حدود النفوذ الصيني ومستقبل الوساطة
تملك الصين عناصر قوة مهمة في الشرق الأوسط، أبرزها وزنها الاقتصادي وعلاقاتها مع دول الخليج وإيران. كما تستفيد من رغبة بعض القوى الإقليمية في تنويع شراكاتها الدولية.
في المقابل، تواجه بكين قيوداً واضحة. فهي لا توفر المظلة الأمنية الرئيسية لدول الخليج، ولا تتحكم في القرارات العسكرية الأمريكية أو الإيرانية. كما أن علاقاتها الوثيقة بطهران قد تثير تساؤلات لدى أطراف أخرى بشأن مدى توازن مواقفها.
وتشير هذه المعطيات إلى أن الدور الصيني الأكثر واقعية يتمثل في دعم قنوات التفاوض، وتشجيع التهدئة، وتوفير حوافز اقتصادية للاستقرار. أما بناء نظام أمني إقليمي جديد، فيحتاج إلى توافقات أوسع من قدرة دولة واحدة.
في المحصلة، يكشف التحرك الصيني عن تحول تدريجي في دبلوماسية بكين تجاه الشرق الأوسط. فالصين لم تعد تكتفي بحماية مصالحها التجارية من بعيد، بل تحاول المشاركة في إدارة الأزمات التي تهدد تلك المصالح.
غير أن الاختبار الحقيقي لن يكون في عدد اللقاءات أو البيانات المشتركة. بل في قدرة الدبلوماسية على خفض التصعيد، واستعادة الملاحة الآمنة، وتوفير شروط تسوية قابلة للاستمرار.
وبين طموح الوساطة وضرورات أمن الطاقة، تتحرك الصين في مساحة سياسية حساسة. وقد تمنحها الأزمة فرصة لتعزيز مكانتها الدولية، لكنها قد تكشف أيضاً حدود نفوذها عندما تتجاوز النزاعات قدرة الدبلوماسية الاقتصادية على احتوائها.
