احتضن البرلمان المغربي، الاثنين 2 نونبر 2026، جلسة مشتركة لمجلسي النواب والمستشارين، خُصصت لمناقشة التطورات الأخيرة لقضية الصحراء، عقب انتهاء ولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية «المينورسو»، دون اعتماد مجلس الأمن قراراً جديداً لتمديدها.
وشكلت الجلسة مناسبة لعرض مواقف الفرق والمجموعات البرلمانية بشأن المرحلة المقبلة، في ظل تحول مؤسساتي يتمثل في بدء إجراءات تصفية البعثة الأممية، واستمرار الخلافات السياسية والدبلوماسية حول مستقبل النزاع.
وأظهرت المداخلات المنشورة تقارباً بين ممثلي الأغلبية والمعارضة في دعم الموقف الرسمي المغربي، مع طرح مقترحات تتعلق بتطوير العمل الدبلوماسي والبرلماني، وتعزيز التنمية بالأقاليم الجنوبية.
غير أن هذا التقارب السياسي لا يعني بالضرورة اعتماد قرارات مشتركة ملزمة، إذ لم يتأكد صدور محضر ختامي يتضمن إجراءات تنفيذية محددة.
رئاسة مجلس النواب تدعو إلى تعزيز العمل المؤسساتي
أكد أحمد التويزي، خلال الجلسة المشتركة، أهمية التطورات التي شهدها ملف الصحراء عقب عدم تجديد ولاية المينورسو.
وشدد على ضرورة مواصلة التعبئة المؤسساتية، وتطوير مساهمة البرلمان في الدفاع عن الموقف المغربي، من خلال التشريع والرقابة والدبلوماسية البرلمانية.
كما أبرز أهمية التنمية الاقتصادية والاجتماعية بالأقاليم الجنوبية، باعتبارها أحد المجالات التي يتعين أن تواكب التحولات السياسية والدبلوماسية.
وتطرح هذه التوجهات سؤالاً بشأن طبيعة المبادرات التي يمكن للمؤسسة التشريعية اتخاذها خلال المرحلة المقبلة، ومدى قدرتها على تحويل المواقف المعلنة إلى برامج قابلة للتنفيذ والتقييم.
دعوات إلى مراجعة المقاربة الدبلوماسية
برز خلال الجلسة اتجاه يدعو إلى إعادة تقييم بعض أدوات التعاطي الدبلوماسي مع قضية الصحراء.
وفي هذا السياق، دعا محمد صباري، باسم فريق الأصالة والمعاصرة، إلى إنهاء الوجود الميداني لبعثة المينورسو، كما طرح مطلب سحب قضية الصحراء من جدول أعمال مجلس الأمن.
وتقاطع هذا الطرح مع مواقف أخرى، من بينها دعوة حسن الدرهم، عن فريق التقدم والاشتراكية، إلى إعادة النظر في استمرار تداول الملف داخل المجلس.
وفي المقابل، شدد شاوي بلعسال، عن الفريق الدستوري الديمقراطي الاجتماعي، على أهمية اليقظة الدبلوماسية وتكييف المقاربة المغربية مع التحولات الدولية.
وتبقى هذه التصريحات مواقف سياسية صادرة عن فرق برلمانية، ولا تعني صدور قرار أممي بسحب الملف من جدول أعمال مجلس الأمن.
كما أن تعديل طريقة تعامل الأمم المتحدة مع النزاع يخضع لإجراءات واختصاصات دولية، ولا يمكن أن ينتج عن إعلان برلماني مغربي وحده.
انتهاء مهمة المينورسو لا يعني انتهاء المسار السياسي
تأتي الجلسة بعد فشل مجلس الأمن، يوم 30 أكتوبر 2026، في اعتماد مشروعين متنافسين بشأن تمديد ولاية المينورسو.
فقد استخدمت روسيا حق النقض ضد مشروع قرار أمريكي، بينما لم يحصل مشروع القرار الروسي على الأصوات اللازمة لاعتماده.
وانتهى بذلك التفويض السابق للبعثة يوم 31 أكتوبر، قبل أن تعلن الأمم المتحدة بدء مرحلة تصفيتها الإدارية واللوجستية اعتباراً من فاتح نونبر.
لكن هذا التطور لا يعني انتهاء النزاع أو صدور تسوية سياسية نهائية.
فقد أكدت الأمم المتحدة استمرار استعدادها لدعم الجهود الرامية إلى التوصل إلى حل سياسي، في وقت لا تزال فيه مواقف المغرب وجبهة البوليساريو والجزائر متباينة بشأن أسس التسوية.
ويستدعي هذا الوضع التمييز بين ثلاثة مستويات: انتهاء ولاية بعثة حفظ السلام، وترتيبات إغلاقها الميداني، ومستقبل العملية السياسية التي تشرف عليها الأمم المتحدة.
التنمية بالأقاليم الجنوبية أمام اختبار النتائج
حضرت التنمية الاقتصادية والاجتماعية للأقاليم الجنوبية ضمن المواقف البرلمانية التي ربطت بين التحولات الدبلوماسية وتعزيز الحضور المؤسساتي للدولة.
غير أن تقييم السياسات العمومية في هذه المناطق يتطلب الانتقال من الإعلانات العامة إلى مؤشرات قابلة للقياس.
وتشمل هذه المؤشرات تطور فرص الشغل، وجودة الخدمات الصحية والتعليمية، وحجم الاستثمارات المنجزة فعلياً، ومدى استفادة السكان والمقاولات المحلية من المشاريع الكبرى.
كما يقتضي التقييم التمييز بين الاعتمادات المعلنة والمشاريع التي دخلت مرحلة التشغيل، وبين الوظائف المتوقعة وفرص العمل التي أُحدثت بالفعل.
فالدفاع عن أي اختيار تنموي لا يعفي المؤسسات المعنية من تقديم حصيلة دقيقة حول نتائجه الاقتصادية والاجتماعية.
ما الذي يستطيع البرلمان القيام به؟
يفتح النقاش البرلماني بشأن مرحلة ما بعد المينورسو مجالاً لعدة أدوات مؤسساتية.
فبإمكان مجلسي البرلمان تكثيف العمل الدبلوماسي مع البرلمانات والمنظمات الإقليمية والدولية، ومساءلة الحكومة بشأن تنفيذ البرامج التنموية، ومراقبة الاعتمادات المخصصة للمشاريع العمومية.
كما يمكن للجان المختصة دراسة آثار التطورات الدولية على السياسات الوطنية، وتقييم مستوى التنسيق بين القطاعات الحكومية المعنية.
لكن فعالية هذه الأدوات ترتبط بوجود أهداف محددة وجداول زمنية ومؤشرات للإنجاز، وليس بمجرد تكرار المواقف السياسية.
ومن ثم، فإن السؤال الذي تطرحه الجلسة لا يتعلق فقط بمضمون الخطابات، بل أيضاً بالإجراءات التي ستتبعها، والجهات المكلفة بتنفيذها، وآليات تقييم نتائجها.
بين التقارب السياسي ومتطلبات المرحلة المقبلة
أظهرت الجلسة المشتركة وجود تقارب واسع بين المواقف البرلمانية المنشورة بشأن دعم الطرح المغربي في قضية الصحراء.
غير أن هذا التقارب لا يلغي الحاجة إلى نقاش مؤسساتي حول الخيارات الدبلوماسية والاقتصادية والاجتماعية المطروحة.
كما أن اختلاف مواقف الأطراف الدولية بشأن النزاع يجعل من الضروري الفصل بين ما تحقق على مستوى القرارات الأممية، وما تعبر عنه الأطراف من تطلعات سياسية.
وتبقى المرحلة المقبلة مرتبطة بمسألتين متوازيتين: كيفية تدبير الأمم المتحدة لمرحلة ما بعد المينورسو، ومدى قدرة المؤسسات المغربية على ترجمة المواقف المعلنة إلى مبادرات ملموسة.
وبينما بدأت إجراءات تصفية البعثة الأممية، لم تتضح بعد جميع الترتيبات الدولية اللاحقة. كما لم يثبت صدور قرار ختامي ملزم عن الجلسة البرلمانية.
لذلك، فإن القيمة السياسية لهذه الجلسة لن تقاس فقط بما شهدته من توافق في الخطابات، بل بما قد ينتج عنها من مبادرات قابلة للتحقق والمساءلة.
