تتجه الولايات المتحدة، الثلاثاء 3 نونبر 2026، إلى انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، في اقتراع تتجاوز أهميته توزيع المقاعد بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي. فالنتائج ستحدد طبيعة العلاقة بين الرئيس دونالد ترامب والسلطة التشريعية خلال العامين المتبقيين من ولايته. كما ستؤثر في قدرته على تمرير القوانين والميزانيات وتنفيذ أولوياته الداخلية.
وتأتي الانتخابات وسط نقاش واسع حول تكاليف المعيشة والهجرة والحرب مع إيران. وتكشف استطلاعات الرأي عن تراجع التأييد الشعبي للرئيس، بينما يسعى الجمهوريون إلى الحفاظ على أغلبيتهم في مجلسي الكونغرس. في المقابل، يعمل الديمقراطيون على توسيع تمثيلهم واستعادة أدوات التأثير في التشريع والرقابة البرلمانية.
غير أن السباق لا يُحسم بالمزاج السياسي العام وحده. فالنظام الانتخابي الأمريكي يقوم على منافسات محلية تختلف فيها التركيبة الاجتماعية والمرشحون والقضايا المطروحة. ولذلك، قد تعكس النتائج تفاعلاً معقداً بين المواقف من ترامب والاعتبارات الخاصة بكل ولاية ودائرة انتخابية.
الكونغرس بين الأغلبية الجمهورية واحتمالات الانقسام
تشمل انتخابات الثلاثاء تجديد جميع مقاعد مجلس النواب البالغ عددها 435 مقعداً، إلى جانب التنافس على 35 مقعداً في مجلس الشيوخ. ويدافع الجمهوريون عن أغلبيتهم في المجلسين، بينما يحتاج الديمقراطيون إلى مكاسب صافية بأربعة مقاعد في كل مجلس لتغيير موازين السيطرة.
ويحتفظ الجمهوريون حالياً بأغلبية 53 مقابل 47 مقعداً في مجلس الشيوخ، مع احتساب المستقلين المتحالفين مع الديمقراطيين ضمن المعسكر الديمقراطي. أما مجلس النواب، فتتميز أغلبيته الجمهورية بضيق هامشها، ما يجعل عدداً محدوداً من الدوائر قادراً على تغيير التوازن التشريعي.
وتكمن أهمية هذه المعادلة في أن السيطرة على الكونغرس لا تمنح الرئيس حرية مطلقة، لكنها تؤثر بصورة مباشرة في مسار التشريع. فالأغلبية المتحالفة مع البيت الأبيض تسهل إقرار أجزاء من برنامجه، بينما تفرض الأغلبية المعارضة مفاوضات أكثر تعقيداً.
ومع ذلك، لا تعني سيطرة الديمقراطيين على أحد المجلسين توقف جميع سياسات ترامب. فالرئيس يحتفظ بصلاحيات تنفيذية ودبلوماسية واسعة، وإن كانت تخضع لقيود قانونية وقضائية ورقابية تختلف بحسب الملف.
المشاركة المبكرة.. مؤشر تعبئة لا نتيجة انتخابية
شهدت الانتخابات الحالية ارتفاعاً ملحوظاً في التصويت المبكر، سواء عبر الحضور الشخصي أو الاقتراع البريدي. وأظهر تحليل لوكالة أسوشيتد برس أن أكثر من 43 مليون أمريكي أدلوا بأصواتهم قبل خمسة أيام من موعد الانتخابات، بزيادة تقارب عشرة ملايين صوت مقارنة بالفترة المماثلة عام 2022.
وسجلت الولايات التي تشهد منافسات مهمة على مجلس الشيوخ ارتفاعات بارزة. فقد زادت المشاركة المبكرة في تكساس بنسبة 50%، وفي ميشيغن بنسبة 32%، وفق المقارنة التي نشرتها الوكالة.
لكن ارتفاع الإقبال لا يسمح بتحديد الحزب المستفيد منه بصورة قاطعة. فبعض الولايات تسجل الانتماء الحزبي للناخبين، دون الكشف عن المرشحين الذين اختاروهم. كما أن التوسع في التصويت المبكر قد يعكس انتقال ناخبين من يوم الاقتراع إلى أيام سابقة، وليس بالضرورة زيادة نهائية مماثلة في إجمالي المشاركة.
ولهذا، ينبغي التعامل مع هذه المؤشرات باعتبارها دليلاً على مستوى التعبئة الانتخابية، لا بوصفها نتائج أولية أو توقعات مؤكدة للفائزين.
تكساس.. منافسة تتجاوز حدود الولاية
تكتسب تكساس أهمية خاصة في انتخابات 2026، نظراً إلى حجمها السكاني ومكانتها الاقتصادية وتاريخ التصويت فيها. ولم يفز أي ديمقراطي بمنصب منتخب على مستوى الولاية منذ عام 1994، لكن المنافسة الحالية على مجلس الشيوخ استقطبت اهتماماً وطنياً واسعاً.
ويواجه الجمهوري كين باكستون، المدعي العام للولاية، الديمقراطي جيمس تالاريكو، عضو مجلس نواب تكساس. وقد تحولت المواجهة إلى اختبار لقدرة الحزبين على تعبئة الناخبين في ولاية صوتت لترامب بفارق كبير خلال انتخابات 2024.
ويركز الجمهوريون على الهجرة والسياسات المحافظة والعلاقة مع الإدارة الفيدرالية. في المقابل، يسعى الديمقراطيون إلى إبراز تكاليف المعيشة والخدمات العامة ومواقفهم من إدارة السلطة.
كما تلعب الموارد المالية دوراً مهماً في الحملة. فقد شهد السباق إنفاقاً سياسياً كبيراً من لجان ومجموعات داعمة للمرشحين، الأمر الذي يثير نقاشاً حول تأثير التمويل الانتخابي في المنافسة الديمقراطية.
غير أن كثافة الإنفاق لا تكفي وحدها لتفسير خيارات الناخبين. فنتيجة تكساس ستتأثر أيضاً بالمشاركة في المدن والضواحي والمناطق الريفية، وبقدرة المرشحين على التواصل مع ناخبين لا يرتبطون بصورة ثابتة بأي من الحزبين.
ميشيغن.. الانقسام داخل الأحزاب يدخل المعركة الانتخابية
تقدم ميشيغن نموذجاً مختلفاً للمنافسة، إذ تجمع بين أهمية القضايا الاقتصادية والخلافات الداخلية بشأن التوجهات السياسية للمرشحين.
ويتنافس الديمقراطي عبد السيد والجمهوري مايك روجرز على مقعد في مجلس الشيوخ. وقد أثارت المنافسة نقاشاً داخل الأوساط الديمقراطية حول العلاقة بين الجناح التقدمي والتيار الأكثر اعتدالاً، ومدى قدرة الحزب على توحيد أنصاره بعد الانتخابات التمهيدية.
وتكتسب الولاية أهمية إضافية بسبب ارتباط اقتصادها بصناعة السيارات والتحولات الصناعية. ولذلك، تحضر قضايا الوظائف والتجارة والرسوم الجمركية وتكاليف الإنتاج في النقاش الانتخابي، إلى جانب ملفات السياسة الخارجية.
ولا يمكن فصل هذه القضايا عن التركيبة الاجتماعية والسياسية للولاية. فقد أظهرت الانتخابات السابقة أهمية مشاركة الناخبين في المدن الكبرى والضواحي، وكذلك دور المجموعات التي تختلف مواقفها من القضايا الاقتصادية والدولية.
ومن ثم، تمثل ميشيغن اختباراً لقدرة الأحزاب على الجمع بين قواعدها التقليدية وشرائح انتخابية تحمل أولويات مختلفة، دون افتراض أن الناخبين يتحركون باعتبارهم كتلاً سياسية متجانسة.
الاقتصاد وتكاليف المعيشة في قلب المنافسة
تحتل القدرة الشرائية موقعاً بارزاً في الحملة الانتخابية. فقد أظهر استطلاع لرويترز وإبسوس أن نصف الناخبين المسجلين الذين شملهم الاستطلاع اعتبروا تكاليف المعيشة العامل الأهم في تحديد تصويتهم.
ويشمل القلق الاقتصادي أسعار المواد الغذائية والسكن والرعاية الصحية والوقود. كما ترتبط هذه القضايا بالنقاش حول الرسوم الجمركية والسياسات الضريبية والإنفاق العام.
ويدافع الجمهوريون عن إجراءات الإدارة الاقتصادية، ويربطون بعض خياراتهم بتعزيز الإنتاج والاستثمار وحماية الوظائف الأمريكية. أما الديمقراطيون، فينتقدون آثار عدد من السياسات على الأسر، ويطرحون إجراءات تستهدف خفض التكاليف وتوسيع الحماية الاجتماعية.
غير أن تقييم هذه المواقف يتطلب الفصل بين الوعود الانتخابية والنتائج الاقتصادية الفعلية. فالتغير في الأسعار أو فرص العمل لا يرتبط بقرار سياسي واحد، بل يتأثر أيضاً بأسواق الطاقة وأسعار الفائدة والظروف الدولية.
ولهذا، لا يكفي قياس أثر الانتخابات على الاقتصاد من خلال ردود فعل الأسواق في اليوم التالي. بل ينبغي متابعة السياسات التي سيتمكن الكونغرس الجديد من إقرارها أو تعديلها خلال ولايته.
الهجرة.. خلاف حول الأمن والحقوق والسلطة الفيدرالية
تظل الهجرة من أكثر الملفات إثارة للخلاف بين الجمهوريين والديمقراطيين. وتدافع إدارة ترامب عن تشديد الرقابة على الحدود وتوسيع إجراءات إنفاذ قوانين الهجرة، بينما يوجه معارضوها انتقادات إلى بعض الممارسات وآثارها القانونية والإنسانية.
ولا تنحصر الخلافات في حجم الهجرة أو شروط الدخول والإقامة. بل تمتد إلى صلاحيات السلطات الفيدرالية، والرقابة القضائية، وتمويل أجهزة إنفاذ القانون، والعلاقة بين واشنطن وحكومات الولايات.
وفي حال تغيرت الأغلبية في أحد المجلسين، يمكن أن تتوسع التحقيقات البرلمانية بشأن تنفيذ السياسات. كما قد تتعقد المفاوضات حول الاعتمادات المالية والتشريعات المرتبطة بالهجرة.
لكن الكونغرس لا يتحكم منفرداً في جميع الإجراءات التنفيذية. ولذلك، فإن أثر النتائج سيعتمد على طبيعة القرارات المطروحة، وعلى مواقف المحاكم والإدارة الفيدرالية.
السياسة الخارجية.. من إيران إلى العلاقات التجارية
لا تقتصر أهمية الانتخابات على الداخل الأمريكي. فقد تحولت الحرب مع إيران إلى قضية انتخابية، بالتزامن مع الجدل بشأن تكلفتها وتداعياتها على أسعار الطاقة والأمن الإقليمي.
وتختلف مواقف المرشحين بشأن إدارة المواجهة وحدود استخدام القوة العسكرية ودور الكونغرس في الرقابة على القرارات المتعلقة بالحرب. كما يثير الملف تساؤلات حول أولويات الإنفاق الأمريكي والعلاقات مع الحلفاء.
وفي هذا السياق، يمكن لتغير الأغلبية البرلمانية أن يؤثر في تمويل بعض البرامج، وفي جلسات الاستماع والتحقيق، وفي مشروعات القوانين المرتبطة بالسياسة الخارجية.
أما في العلاقات التجارية، فقد تفتح نتائج الانتخابات نقاشاً جديداً بشأن الرسوم الجمركية وسلاسل الإمداد والعلاقات الاقتصادية مع الصين وشركاء الولايات المتحدة.
ومع ذلك، لا يجوز افتراض أن أي تغيير في الأغلبية سيؤدي تلقائياً إلى تحول جذري في السياسة الخارجية. فصلاحيات الرئيس في هذا المجال واسعة، كما أن بعض المواقف الدولية تحظى بدعم أعضاء من الحزبين.
ماذا يحدث إذا تغيرت الأغلبية؟
يمكن تصور ثلاثة أوضاع مؤسساتية مختلفة بعد الانتخابات، دون اعتبار أي منها نتيجة محسومة قبل فرز الأصوات.
إذا احتفظ الجمهوريون بالسيطرة على المجلسين، فستبقى أمام الإدارة فرصة لمواصلة طرح أولوياتها التشريعية عبر أغلبيتها الحزبية. غير أن ذلك لا يلغي الخلافات بين أعضاء الحزب أو القيود الإجرائية، خصوصاً داخل مجلس الشيوخ.
أما إذا سيطر الديمقراطيون على مجلس النواب وحده، فسيصبح تمرير التشريعات الكبرى أكثر اعتماداً على التفاوض بين الحزبين. وقد تتوسع أيضاً الرقابة البرلمانية والتحقيقات المتعلقة بأداء الإدارة.
وفي حال سيطر الديمقراطيون على المجلسين، ستتغير موازين التشريع والرقابة بصورة أوسع. لكن الرئيس سيحتفظ بحق النقض على القوانين، ما لم تتوفر الأغلبية اللازمة لتجاوزه، فضلاً عن استمرار صلاحياته التنفيذية ضمن الحدود القانونية.
وتكشف هذه الاحتمالات أن نتائج الانتخابات ستؤثر في أدوات ممارسة السلطة، لكنها لن تحدد وحدها جميع القرارات السياسية خلال العامين المقبلين.
اختبار للمؤسسات وليس للرئيس وحده
تكتسب انتخابات 2026 أهمية تتجاوز تقييم شعبية ترامب أو أداء الحزب الجمهوري. فهي اختبار لطبيعة التوازن بين المؤسسات الأمريكية، وقدرة الكونغرس على ممارسة وظائفه التشريعية والرقابية في ظل استقطاب حزبي حاد.
كما ستوفر النتائج معطيات جديدة بشأن أولويات الناخبين، ومدى تأثير القضايا الاقتصادية والخارجية في اختياراتهم. غير أن تفسير هذه المعطيات يحتاج إلى تحليل المشاركة الفعلية وتوزيع الأصوات، لا الاكتفاء بمقارنة عدد المقاعد.
وفي النهاية، لن يكون السؤال فقط عن الحزب الذي سيسيطر على الكونغرس، بل عن كيفية استخدام تلك السيطرة. فالأغلبية البرلمانية تمنح أدوات سياسية ومؤسساتية، لكنها لا تضمن نجاح السياسات أو توافقها مع مطالب المجتمع.
وعشية الاقتراع، يبقى القرار بيد الناخبين الأمريكيين. أما اختبار قدرة ترامب على تنفيذ برنامجه، فستتضح شروطه السياسية والمؤسساتية بعد إعلان النتائج الرسمية وتشكيل الكونغرس الجديد.
