أعادت الحكومة المغربية ملف الأسعار والقدرة الشرائية إلى واجهة أولوياتها، بإعلان إحداث لجنة بين وزارية تتولى متابعة تقلبات الأسعار واتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية المستهلكين. ويأتي القرار في سياق استمرار الضغوط المعيشية على الأسر، رغم تراجع معدلات التضخم مقارنة بالارتفاعات المسجلة خلال السنوات السابقة.
غير أن إحداث لجنة حكومية جديدة يطرح سؤالاً يتجاوز أهمية التنسيق بين القطاعات الوزارية: ما الذي سيتغير فعلياً في الأسواق، ومتى ستلمس الأسر نتائج الإجراءات المعلنة؟
فالمواطن لا يقيس نجاح السياسات الاقتصادية بعدد اللجان المحدثة، بل بقدرته على توفير حاجياته الأساسية دون استنزاف دخله أو اللجوء المتكرر إلى الاقتراض والمدخرات.
من الإعلان الحكومي إلى امتحان النتائج
ترأست رئيسة الحكومة، فاطمة الزهراء المنصوري، اجتماعاً بالرباط يوم 3 نوفمبر 2026، خُصص لتدارس الوضع الاقتصادي الوطني وتطورات القدرة الشرائية وانعكاسات تقلب الأسعار على الحياة اليومية.
وأعلنت رئاسة الحكومة، في بلاغ نشرته في اليوم الموالي، إحداث لجنة بين وزارية تضم القطاعات المعنية بالداخلية والمالية والفلاحة والتجارة والنقل وغيرها.
وستعقد اللجنة اجتماعات دورية لتتبع تطورات الأسعار، مع إيلاء اهتمام خاص للمواد التي يرتفع الطلب عليها خلال شهر رمضان.
ويعكس القرار اعترافاً حكومياً باستمرار الضغوط التي تتحملها الأسر، خصوصاً ذات الدخل المحدود والمتوسط.
لكن البلاغ لم يحدد، بصورة مفصلة، لائحة التدابير التي ستنفذها اللجنة، ولا آجال تنفيذها أو المعايير التي ستعتمد لتقييم فعاليتها.
وهنا يبدأ الاختبار الحقيقي: الانتقال من إعلان النوايا إلى قرارات قابلة للتنفيذ والمساءلة.
تراجع التضخم لا يعني عودة الأسعار إلى مستوياتها السابقة
من أبرز الإشكالات التي تواجه النقاش العمومي حول الغلاء الخلط بين انخفاض معدل التضخم وانخفاض الأسعار نفسها.
فحين يتراجع التضخم، فهذا يعني عموماً أن وتيرة ارتفاع الأسعار أصبحت أبطأ، وليس أن المواد الاستهلاكية عادت بالضرورة إلى أسعارها السابقة.
وقد سجل المغرب موجة تضخمية قوية خلال سنتي 2022 و2023، عندما ارتفع الرقم الاستدلالي للأثمان عند الاستهلاك بنسبتي 6.6 و6.1 في المائة على التوالي.
ثم تباطأ التضخم خلال السنتين اللاحقتين، لكن الأثر التراكمي للزيادات السابقة ظل حاضراً في ميزانيات الأسر.
وتوضح هذه المفارقة لماذا قد تشير المؤشرات الاقتصادية إلى تحسن نسبي، بينما يستمر الشعور بارتفاع تكاليف المعيشة.
فالأسرة التي ارتفعت نفقاتها على الغذاء والسكن والنقل لا تستعيد تلقائياً قدرتها الشرائية لمجرد تراجع وتيرة التضخم.
ويصبح التحسن ملموساً عندما ترتفع المداخيل الحقيقية أو تنخفض تكاليف السلع والخدمات، أو يجتمع العاملان معاً.
أسعار الغذاء.. الضغط الأكبر على الميزانيات المحدودة
تكتسي المواد الغذائية أهمية خاصة في قياس أثر الغلاء، لأنها تستحوذ على جزء كبير من إنفاق الأسر محدودة الدخل.
وتشير معطيات المندوبية السامية للتخطيط إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية بنسبة 1.6 في المائة خلال سبتمبر 2026 مقارنة بأغسطس، مع تسجيل زيادات شهرية في بعض المنتجات، من بينها اللحوم والخضر.
غير أن هذه التغيرات لا تتوزع بالتساوي بين جميع السلع أو المناطق.
فأسعار المنتجات الفلاحية تتأثر بالمواسم الزراعية والظروف المناخية وتكاليف الإنتاج والنقل والتخزين، إلى جانب عوامل العرض والطلب.
ولهذا، فإن مراقبة السعر النهائي وحده قد لا تكفي لفهم أسباب ارتفاعه.
وتحتاج السلطات إلى تتبع مسار المنتجات من مناطق الإنتاج إلى أسواق الجملة والتقسيط، مع التمييز بين الزيادات المرتبطة بتكاليف فعلية وتلك التي قد تنتج عن ممارسات تجارية مخالفة للقانون.
كما أن أي اتهام بالمضاربة أو الاحتكار ينبغي أن يستند إلى تحقيقات وأدلة، لا إلى افتراض أن كل ارتفاع في الأسعار ناتج عن سلوك غير مشروع.
ماذا تستطيع اللجنة الوزارية أن تفعل؟
يمكن للتنسيق بين القطاعات الحكومية أن يساعد على جمع المعلومات بسرعة أكبر، وتحديد اختلالات التموين، وتوجيه عمليات المراقبة عند الضرورة.
لكن نجاح هذه الآلية يتوقف على وضوح اختصاصاتها وقدرتها على تحويل المعلومات إلى قرارات.
وتبرز هنا عدة مجالات تستحق المتابعة.
أولها انتظام تزويد الأسواق بالمواد الأساسية، لأن اضطرابات العرض قد تؤدي إلى ارتفاعات سريعة في الأسعار.
وثانيها مراقبة الممارسات التجارية المخالفة للقانون، مع نشر نتائج عمليات التفتيش والعقوبات الصادرة عنها.
وثالثها تتبع تكاليف النقل والتوزيع والوساطة التجارية، لفهم الفارق بين سعر المنتج وسعر البيع للمستهلك.
أما المجال الرابع، فيرتبط بالتنسيق مع السياسات الاجتماعية والضريبية، عندما يتبين أن ارتفاع تكاليف المعيشة يتجاوز قدرة بعض الأسر على التكيف.
ولا يعني ذلك أن اللجنة تستطيع تحديد أسعار جميع المنتجات أو إلغاء أثر التقلبات الدولية. فحدود تدخلها ترتبط بالقوانين المنظمة للأسواق وطبيعة كل قطاع.
القدرة الشرائية ليست مسألة أسعار فقط
يظل التركيز على مراقبة الأسواق ضرورياً، لكنه لا يقدم وحده معالجة شاملة لمشكلة القدرة الشرائية.
فقد تستقر أسعار بعض المواد بينما يستمر الضغط على الأسر بسبب ضعف المداخيل أو البطالة أو ارتفاع تكاليف السكن والخدمات.
كما تختلف قدرة الأسر على مواجهة الغلاء بحسب مستوى الدخل وحجم الأسرة وطبيعة النفقات الضرورية.
ولهذا، فإن تقييم القدرة الشرائية يتطلب النظر إلى العلاقة بين المداخيل والأسعار، وليس إلى حركة الأسعار وحدها.
وتزداد أهمية هذا التمييز عندما يتعلق الأمر بالأسر التي تخصص معظم مواردها للاستهلاك الأساسي، ولا تملك هامشاً مالياً لمواجهة النفقات غير المتوقعة.
ومن ثم، فإن أي سياسة ناجحة تحتاج إلى الجمع بين استقرار التموين، وحماية المنافسة، وتحسين المداخيل وفرص العمل، وتوجيه الدعم الاجتماعي إلى مستحقيه.
رمضان.. هل تتحول المراقبة إلى إجراء موسمي؟
أشار البلاغ الحكومي إلى اهتمام خاص بالمواد التي يرتفع الطلب عليها خلال شهر رمضان.
ويكتسي هذا التوجه أهمية بالنظر إلى تغير أنماط الاستهلاك خلال هذه الفترة، وما قد يصاحبها من ضغوط على بعض الأسواق.
لكن حماية القدرة الشرائية ينبغي ألا تظل مرتبطة بالمناسبات الموسمية.
فالأسر تتحمل تكاليف الغذاء والنقل والسكن والعلاج والتعليم على امتداد السنة.
ولهذا، فإن الحاجة قائمة إلى نظام مستمر لرصد الأسعار وتفسير تغيراتها ونشر البيانات المتعلقة بها.
كما أن توفير معلومات واضحة حول الأسعار المرجعية وتطور تكاليف التوزيع قد يساعد على تعزيز شفافية الأسواق.
خمسة مؤشرات للحكم على نجاح اللجنة
حتى لا يتحول القرار الحكومي إلى إعلان يصعب تقييمه، يمكن متابعة عمل اللجنة عبر مؤشرات محددة:
- تطور أسعار سلة معلنة من المواد الغذائية الأساسية في أسواق الجملة والتقسيط.
- انتظام التموين وتسجيل حالات النقص أو الاضطراب في التوزيع.
- عدد عمليات المراقبة والمخالفات المثبتة والإجراءات المتخذة.
- الفوارق السعرية بين مناطق الإنتاج وأسواق الاستهلاك، مع تفسير أسبابها.
- تطور القدرة الشرائية الفعلية للأسر، مع مراعاة مستويات الدخل والفئات الاجتماعية.
ومن شأن نشر هذه المؤشرات دورياً أن يسمح للمواطنين والباحثين ووسائل الإعلام بتقييم الإجراءات على أساس نتائج قابلة للتحقق.
أما الاكتفاء بالإعلان عن الاجتماعات، فلن يكون كافياً لإثبات أن اللجنة نجحت في تخفيف أعباء المعيشة.
بين الالتزام الحكومي وانتظارات الأسر
لا يمكن الحكم مسبقاً على فشل اللجنة الوزارية أو نجاحها، لأنها ما تزال في بداية عملها.
لكن التجربة تفرض التمييز بين اتخاذ قرار تنظيمي وتحقيق أثر اقتصادي واجتماعي ملموس.
فالحكومة مطالبة بتوضيح التدابير التي ستعتمدها، والآجال المرتبطة بها، وطريقة تقييم نتائجها.
وفي المقابل، تحتاج الأسر إلى معلومات دقيقة حول تطور الأسعار، وإلى سياسات تعالج الضغوط التي تواجه مداخيلها.
إن حماية القدرة الشرائية ليست شعاراً ظرفياً، بل مسؤولية اقتصادية واجتماعية مستمرة.
وبين إنشاء اللجنة وانعكاس عملها على الأسواق، توجد مسافة لا تختصرها البلاغات الرسمية. وحدها النتائج القابلة للقياس ستحدد ما إذا كان القرار بداية تحول فعلي في تدبير الأسعار، أم مجرد إضافة تنظيمية إلى آليات قائمة.
