تدخل الولايات المتحدة الأسبوع الأخير من الحملة الانتخابية للتجديد النصفي للكونغرس، في مناخ سياسي تطغى عليه المخاوف الاقتصادية وتداعيات السياسة الخارجية. فالرئيس دونالد ترامب، الذي جعل تحسين القدرة الشرائية واستعادة القوة الاقتصادية الأمريكية من أبرز وعوده، يجد نفسه أمام اختبار انتخابي لا يتعلق فقط بما أعلنته إدارته من قرارات، بل بما تحقق فعلياً في حياة المواطنين.
وتزداد أهمية هذا الاختبار مع تداعيات المواجهة العسكرية مع إيران على أسواق الطاقة والتجارة الدولية. فكل ارتفاع في تكاليف الوقود والنقل والإنتاج يثير تساؤلات بشأن قدرة الإدارة على حماية الاقتصاد من الاضطرابات الخارجية، خصوصاً عندما تتزامن هذه التطورات مع حملة انتخابية يتنافس فيها الحزبان الجمهوري والديمقراطي على السيطرة على الكونغرس.
ولا تعني هذه الضغوط بالضرورة أن الجمهوريين يتجهون إلى الهزيمة، لكنها تكشف عن تحول في طبيعة النقاش الانتخابي. فبعد أن كان ترامب يطالب الناخبين بالحكم على إخفاقات خصومه، أصبح مطالباً بالدفاع عن نتائج سياساته هو، ومدى انسجامها مع الوعود التي أعادته إلى البيت الأبيض.
من وعود خفض الأسعار إلى امتحان القدرة الشرائية
احتل الاقتصاد موقعاً مركزياً في خطاب ترامب الانتخابي. فقد تعهد بخفض تكاليف المعيشة، ودعم الإنتاج الأمريكي، وحماية الوظائف، والاعتماد على الرسوم الجمركية لتعزيز الصناعة المحلية. وقدمت هذه الوعود باعتبارها بديلاً عن السياسات الاقتصادية التي اتهم الجمهوريون الإدارة الديمقراطية السابقة بالفشل في تدبيرها.
غير أن الحكم على هذه التعهدات يقتضي الانتقال من الخطاب السياسي إلى المؤشرات الاقتصادية الفعلية. فلا يكفي إعلان إجراءات حمائية أو تخفيضات ضريبية للحكم على نجاح السياسة الاقتصادية. بل ينبغي قياس تأثيرها على الأسعار والأجور الحقيقية والاستثمار والتوظيف، ومدى استفادة الأسر ذات الدخل المحدود والمتوسط منها.
وتشير نتائج استطلاع رويترز وإبسوس، المنشور في 26 أكتوبر، إلى استمرار الاستياء من تكاليف المعيشة. فقد اعتبر نحو 73 في المائة من المشاركين أن الأمور تسير في الاتجاه الخاطئ في هذا المجال، وفق النتائج المتداولة للاستطلاع.
وتبرز هنا مفارقة سياسية أساسية: فقد يستطيع الاقتصاد تسجيل نمو في بعض مؤشراته الكلية، بينما لا يشعر جزء من المواطنين بتحسن مماثل في مستوى معيشتهم. لذلك، فإن الحديث عن نجاح اقتصادي لا يكتمل دون النظر إلى توزيع مكاسب النمو وتطور القدرة الشرائية.
الحرب مع إيران.. عندما تتحول السياسة الخارجية إلى فاتورة داخلية
تتجاوز تداعيات المواجهة مع إيران المجال العسكري والدبلوماسي، لتطرح أسئلة اقتصادية تتعلق بأسعار الطاقة واستقرار التجارة الدولية.
فمنطقة الخليج تمثل أحد المراكز الرئيسية لإنتاج النفط ونقله. وأي اضطراب كبير في الإمدادات أو طرق الملاحة قد يدفع الأسواق إلى إعادة تقييم مخاطر التوريد، بما ينعكس على أسعار النفط والمنتجات المرتبطة به.
لكن ارتفاع أسعار الطاقة لا يمكن نسبته بصورة آلية إلى قرار سياسي واحد. فالأسعار تتأثر أيضاً بمستويات الإنتاج والمخزونات والطلب العالمي وتوقعات المستثمرين. ولذلك ينبغي التمييز بين التأثير المباشر للأحداث العسكرية وبين العوامل الاقتصادية الأخرى.
ومع ذلك، فإن الناخب الأمريكي قد لا يفصل بين هذه العوامل عند تقييم أداء الإدارة. فعندما ترتفع تكلفة الوقود أو النقل، يصبح السؤال بالنسبة إليه أقل ارتباطاً بتفاصيل الأسواق الدولية، وأكثر ارتباطاً بقدرة الحكومة على الحد من الأعباء اليومية.
وهنا تواجه إدارة ترامب تحدياً سياسياً واضحاً: كيف تدافع عن خياراتها الأمنية والخارجية، إذا كانت تداعياتها الاقتصادية المحتملة تزيد الضغوط على الأسر التي وعدت بتحسين أوضاعها؟
الرسوم الجمركية بين حماية الصناعة وارتفاع التكاليف
تحتل السياسة التجارية موقعاً مهماً في المشروع الاقتصادي لترامب. فقد دافع عن الرسوم الجمركية باعتبارها وسيلة لحماية الشركات الأمريكية، وتشجيع التصنيع المحلي، وتقليص الاعتماد على الواردات.
لكن هذه السياسة تثير نقاشاً اقتصادياً واسعاً. فالرسوم قد تمنح بعض المنتجين المحليين حماية من المنافسة الأجنبية، لكنها قد ترفع أيضاً تكلفة السلع المستوردة والمواد الأولية التي تعتمد عليها الشركات الأمريكية.
ولا تتحمل الأطراف الأجنبية بالضرورة كامل تكلفة الرسوم. فقد ينتقل جزء منها إلى المستوردين والشركات والمستهلكين، بحسب طبيعة الأسواق ومدى قدرة الموردين على تعديل أسعارهم.
ومن ثم، فإن تقييم هذه السياسة يحتاج إلى مقارنة المكاسب الصناعية والوظائف التي قد تدعمها، بالتكاليف الإضافية التي قد تتحملها الأسر والقطاعات الإنتاجية.
وتزداد أهمية هذه المقارنة عندما يكون خفض الأسعار أحد الوعود المركزية للإدارة. فحماية الإنتاج المحلي هدف اقتصادي يمكن الدفاع عنه، لكن تحقيقه بأدوات ترفع بعض التكاليف يفرض على الحكومة توضيح من يتحمل الأعباء، ومن يستفيد من المكاسب.
استطلاعات الرأي.. الغضب الاقتصادي يتجاوز الانقسام الحزبي
تكشف استطلاعات أكتوبر أن الاستياء من الأسعار لم يعد مقتصراً على الناخبين الديمقراطيين. فقد أظهر استطلاع رويترز وإبسوس، المنشور في التاسع من أكتوبر، أن 78 في المائة من الأمريكيين يحملون سياسات ترامب جزءاً على الأقل من مسؤولية ارتفاع تكاليف المعيشة.
وشملت هذه النسبة 64 في المائة من الجمهوريين و76 في المائة من المستقلين. كما أفاد 57 في المائة من الجمهوريين بأن تكاليف المعيشة ترتفع بوتيرة أسرع من أجورهم.
وتكتسب هذه النتائج أهمية خاصة لأنها تشير إلى أن المشكلة لا تتعلق فقط بالمواجهة التقليدية بين الحزبين. فحتى داخل القاعدة الجمهورية، تظهر مخاوف اقتصادية قد تؤثر في الحماس للمشاركة أو في اختيارات بعض الناخبين المستقلين.
أما استطلاع رويترز وإبسوس الذي انتهى في 26 أكتوبر، فقد وضع نسبة الرضا العام عن أداء ترامب عند 32 في المائة، مقابل تقدم الديمقراطيين بتسع نقاط مئوية بعد احتساب ميول الناخبين المترددين.
لكن هذه المؤشرات لا تكفي وحدها للتنبؤ بنتائج الاقتراع. فالفوز بالأغلبية يتوقف على توزيع الأصوات بين الدوائر والولايات، وليس على التقدم الوطني في استطلاعات الرأي فقط.
أسعار الوقود.. المؤشر الأكثر حضوراً في الحياة اليومية
تظهر أسعار الوقود بوصفها إحدى النتائج الاقتصادية الأكثر وضوحاً للمواجهة مع إيران. فبحسب تقرير لوكالة أسوشيتد برس نشر في 27 أكتوبر، ارتفع متوسط سعر البنزين من نحو 2.98 دولار للغالون قبل اندلاع الحرب في 28 فبراير إلى نحو 4.29 دولارات في 26 أكتوبر.
كما ارتفع سعر الديزل من 3.76 إلى 6.35 دولارات للغالون خلال الفترة نفسها. وتؤثر هذه الزيادات في تكاليف النقل والإنتاج الزراعي وتوزيع البضائع، بما يتجاوز ما يدفعه السائقون عند محطات الوقود.
وقد دافعت الإدارة الأمريكية عن بعض خياراتها باعتبارها ضرورية للأمن القومي، كما أشارت إلى إجراءات للتخفيف من الأعباء الاقتصادية. غير أن التحدي الانتخابي يتمثل في الفجوة بين التبريرات الاستراتيجية والنتائج الملموسة التي يشعر بها المواطن.
الناخبون يطالبون بخفض الأسعار وإنهاء الحرب
أظهر استطلاع أجرته أسوشيتد برس ومركز NORC، ونُشر في 22 أكتوبر، أن نحو 80 في المائة من الناخبين المسجلين يعتبرون خفض تكاليف المعيشة أولوية للكونغرس المقبل، بينما يرى نحو 70 في المائة أن إنهاء الحرب مع إيران يجب أن يكون من أولوياته.
وتعكس هذه النتائج تقاطعاً بين مطلبين: تخفيف الأعباء الاقتصادية والحد من تداعيات المواجهة الخارجية. كما توضح أن الناخبين لا ينظرون بالضرورة إلى الاقتصاد والسياسة الخارجية باعتبارهما ملفين منفصلين.
وبالنسبة إلى الديمقراطيين، تتيح هذه المعطيات فرصة لانتقاد حصيلة الإدارة. لكنها تفرض عليهم أيضاً تقديم بدائل قابلة للتنفيذ، لأن الاعتراض على سياسات ترامب لا يشكل في حد ذاته برنامجاً اقتصادياً متكاملاً.
هل يخسر الجمهوريون أغلبيتهم في الكونغرس؟
تُجرى الانتخابات في الثالث من نوفمبر، وتشمل جميع مقاعد مجلس النواب البالغ عددها 435 مقعداً، إلى جانب 33 مقعداً عادياً في مجلس الشيوخ وانتخابين خاصين.
ويحتاج الديمقراطيون إلى تحقيق مكاسب في الدوائر المتنافس عليها لاستعادة مجلس النواب، بينما تبدو مهمتهم أصعب في مجلس الشيوخ، حيث يحتاجون إلى مكاسب صافية بأربعة مقاعد.
وإذا خسر الجمهوريون السيطرة على أحد المجلسين، فقد تواجه إدارة ترامب رقابة تشريعية أشد وصعوبات أكبر في تمرير بعض مشاريعها. أما احتفاظهم بالأغلبية فسيمنح الرئيس مساحة أوسع لمواصلة برنامجه.
ومع ذلك، لا تعني خسارة الكونغرس نهاية رئاسة ترامب، مثلما لا يعني احتفاظ الجمهوريين بالأغلبية أن المخاوف الاقتصادية التي تعبر عنها الاستطلاعات قد انتهت.
تكساس.. اختبار محلي لتداعيات السياسات الوطنية
في ولاية تكساس، حيث ترتبط قطاعات اقتصادية واسعة بالطاقة والنقل والتجارة، تحمل التطورات المتعلقة بأسعار النفط والوقود أبعاداً متعددة.
فارتفاع أسعار النفط قد يعزز إيرادات بعض الشركات المنتجة، لكنه قد يزيد في الوقت نفسه تكاليف النقل والزراعة والأنشطة التي تعتمد على الوقود. ولذلك لا يمكن افتراض أن جميع سكان الولاية يستفيدون من ارتفاع الأسعار أو يتضررون منه بالدرجة نفسها.
وتبرز أهمية تكساس أيضاً باعتبارها معقلاً جمهورياً تقليدياً، ما يجعل نتائجها مؤشراً يستحق المتابعة لفهم مدى قدرة الحزب على الحفاظ على قاعدته الانتخابية في ظل الضغوط الاقتصادية.
لكن قياس تأثير هذه الضغوط على نتائج الولاية يتطلب دراسة استطلاعاتها المحلية، ومستويات المشاركة، وخصوصيات الدوائر الانتخابية، بدلاً من إسقاط نتائج الاستطلاعات الوطنية عليها بصورة مباشرة.
بين الوعود والنتائج.. امتحان سياسي مفتوح
تضع انتخابات التجديد النصفي إدارة ترامب أمام مفارقة يصعب تجاوزها بالخطاب السياسي وحده. فقد عادت إلى السلطة وهي تعد بخفض الأسعار وتجنب الحروب الخارجية المكلفة، لكنها تواجه اليوم انتقادات تتعلق بارتفاع تكاليف المعيشة وتداعيات المواجهة مع إيران.
ومع ذلك، فإن تحميل الإدارة المسؤولية السياسية عن هذه التطورات لا يعفي التحليل من ضرورة التمييز بين القرارات الحكومية والعوامل الاقتصادية الدولية. كما أن تقييم البديل الديمقراطي يستدعي مساءلة برامجه، وليس الاكتفاء برصد أخطاء الجمهوريين.
وتبقى صناديق الاقتراع وحدها قادرة على تحديد ما إذا كان الاستياء الاقتصادي سيتحول إلى تغيير في الأغلبية التشريعية.
فالاختبار الحقيقي في الثالث من نوفمبر لن يكون فقط مدى قدرة ترامب على الاحتفاظ بدعم الكونغرس، بل مدى اقتناع الأمريكيين بأن السياسات التي وعدت بتحسين معيشتهم استطاعت بالفعل تحقيق ذلك.
