f x ig yt
الإثنين، 2 نوفمبر 2026
جديد الإختيار

الحكومة لا تُقاس بوعودها بل بما يتغير في حياة المغاربة

بين طموحات البرنامج الحكومي الجديد والانتظارات الاجتماعية المتراكمة، تظل المصداقية السياسية رهينة النتائج القابلة للقياس، لا قوة الخطاب ولا كثافة التعهدات.

آراء 📅 1 نوفمبر 2026 ⏱ 4 دقائق

ليس أصعب على حكومة جديدة من أن تبدأ عملها وسط انتظارات اجتماعية مرتفعة، ولا أسهل عليها من أن تقدم برنامجاً حافلاً بالأرقام والوعود. وبين الصعوبة والسهولة تتحدد قيمة السياسة: هل تستطيع السلطة التنفيذية أن تحول ما تقوله إلى ما يلمسه المواطن في حياته اليومية؟

لقد حصل برنامج حكومة فاطمة الزهراء المنصوري على ثقة مجلس النواب في أكتوبر 2026، لتبدأ مرحلة جديدة من المسؤولية السياسية. غير أن التصويت البرلماني، مهما كانت أهميته الدستورية، لا يمثل شهادة مسبقة على نجاح السياسات العمومية. إنه يمنح الحكومة فرصة التنفيذ، ويضعها في الوقت نفسه تحت رقابة المؤسسات والمجتمع.

فالمواطن الذي ينتظر موعداً طبياً، أو يبحث عن فرصة عمل، أو يواجه ارتفاع تكاليف المعيشة، لا يختبر السياسة من خلال البلاغات الحكومية. إنه يقيسها بما يتغير في مستوى الخدمات والدخل والأمان الاجتماعي.

من شرعية الأغلبية إلى شرعية الإنجاز

تمنح الانتخابات والأغلبية البرلمانية الحكومة حق ممارسة السلطة وفق القواعد الدستورية. لكن استمرار الثقة السياسية يتطلب قدرة على الاستجابة للمشكلات التي تواجه المجتمع.

وهنا ينبغي التمييز بين شرعية الوصول إلى الحكم ومصداقية تدبير الشأن العام. فالأولى تحددها المؤسسات والانتخابات، أما الثانية فتتكون تدريجياً من خلال النتائج والشفافية والمحاسبة.

ولا يجوز للحكومة أن تتعامل مع الأغلبية البرلمانية باعتبارها تفويضاً مفتوحاً لتأجيل الأسئلة الصعبة. كما لا يكفي أن ترفض المعارضة كل المبادرات حتى تثبت اختلافها. فكلا الطرفين مطالب بتقديم حساب واضح عن مواقفه.

إن النقاش الديمقراطي الجاد يبدأ عندما تتحول الوعود إلى التزامات قابلة للتقييم، ويصبح من الممكن تحديد ما تحقق وما تعثر وأسباب ذلك.

الأرقام لا تتحدث عن نفسها

يمكن للحكومة أن تعلن رفع ميزانية الصحة أو التعليم، أو زيادة الاستثمار العمومي، أو تحسين معدل النمو الاقتصادي. وهذه مؤشرات مهمة، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات تحسن الأداء.

فارتفاع ميزانية مستشفى لا يعني تلقائياً تقليص مواعيد الانتظار. وزيادة اعتمادات التعليم لا تضمن وحدها تحسن التعلمات. كما أن ارتفاع الناتج الداخلي الإجمالي لا يعني بالضرورة حصول الشباب على وظائف مستقرة.

لهذا، تحتاج السياسة العمومية إلى مؤشرات تتجاوز حجم الإنفاق، نحو جودة الخدمات والنتائج الاجتماعية.

والسؤال الذي ينبغي طرحه ليس فقط كم أنفقت الحكومة، بل ماذا تحقق بهذا الإنفاق، ومن استفاد منه، وهل تراجعت الفوارق أم اتسعت؟

الوقت الاجتماعي ليس هو الوقت الحكومي

تشتغل الحكومات وفق برامج متعددة السنوات، بينما يعيش المواطن مشكلاته بصورة يومية. وهذه الفجوة الزمنية ليست تفصيلاً ثانوياً.

فالأسر التي تعاني صعوبة الوصول إلى العلاج لا تستطيع تعليق حاجياتها إلى نهاية الولاية الحكومية. والشباب الباحث عن العمل لا يجد في الوعود بعيدة المدى بديلاً عن فرص الإدماج الاقتصادي.

ولا يعني ذلك أن الإصلاحات الكبرى يمكن إنجازها فوراً. فإصلاح التعليم والصحة والإدارة يحتاج إلى الوقت والموارد. لكن من حق المجتمع أن يرى خطوات مرحلية واضحة، وأن يعرف ما الذي سيتغير خلال الأشهر المقبلة، وما الذي يتطلب سنوات.

وهنا تكمن أهمية ترتيب الأولويات، بدلاً من توزيع الوعود على جميع القطاعات دون تحديد دقيق للآجال والمسؤوليات.

لا حصانة للحكومة ولا براءة تلقائية للمعارضة

لا تقوم الصحافة المستقلة بدور الدفاع عن الحكومة أو تعبئة الرأي العام ضدها. وظيفتها أن تراقب القرارات، وتتحقق من النتائج، وتكشف التناقضات حين تظهر.

وبالمعيار نفسه، لا ينبغي إعفاء المعارضة من مساءلة برامجها وبدائلها. فمن ينتقد سياسة اقتصادية عليه أن يوضح كيف يمكن تمويل البديل الذي يقترحه، وما النتائج المتوقعة منه.

إن اختزال الحياة السياسية في مواجهة بين خطاب حكومي متفائل وخطاب معارض متشائم لا يساعد المواطنين على فهم الخيارات المطروحة.

وما يحتاجه المغرب هو نقاش عمومي يقوم على الأدلة، لا على الولاءات والانطباعات.

المصداقية تُبنى بالنتائج

تملك الحكومة فرصة لتحويل برنامجها إلى إنجازات ملموسة، لكنها لا تملك حق مطالبة المواطنين بالثقة دون مساءلة.

فالاختبار الحقيقي سيظهر في تطور الخدمات العمومية، وفرص العمل، والقدرة الشرائية، وعدالة توزيع الاستثمارات بين الجهات.

وحين تصبح النتائج قابلة للقياس، تتراجع الحاجة إلى المبالغة في الخطاب السياسي. أما حين تغيب، فإن كثرة التصريحات لا تعوض ضعف الإنجاز.

لهذا، لا ينبغي أن يكون السؤال المركزي خلال السنوات المقبلة: ماذا وعدت الحكومة؟ بل ماذا تغير فعلاً في حياة المغاربة؟

شارك المقال فيسبوك إكس تيليغرام

اقرأ أيضاً

اترك تعليقاً