تدخل فرنسا أسبوعاً جديداً من التوتر الاجتماعي بعد خروج مئات الآلاف من المتظاهرين إلى الشوارع يوم السبت 24 أكتوبر 2026، في موجة احتجاجات تجاوزت المطالب المرتبطة بالقدرة الشرائية لتشمل أوضاع التعليم والخدمات العمومية وحرية التظاهر. وتأتي هذه التعبئة في وقت تواجه فيه السلطة التنفيذية صعوبات مالية وسياسية تحد من قدرتها على تقديم تنازلات واسعة، بينما تتزايد الضغوط على الرئيس إيمانويل ماكرون وحكومة سيباستيان لوكورنو لإيجاد مخرج لأزمة تتداخل فيها المطالب الاجتماعية مع أزمة الثقة في المؤسسات.
وقدرت وزارة الداخلية الفرنسية عدد المشاركين في مظاهرات السبت بنحو 410 آلاف شخص، بينهم 110 آلاف في باريس، بينما أعلنت الكونفدرالية العامة للشغل أن المشاركة بلغت نحو 800 ألف متظاهر على المستوى الوطني. ويعكس الفارق بين التقديرين اختلاف منهجيات الإحصاء، لكنه لا يغير حقيقة اتساع التعبئة التي شملت العاصمة ومدناً أخرى، بينها مرسيليا وليون ورين ونانت وستراسبورغ.
ولا يمكن اختزال هذه الاحتجاجات في مشاهد المواجهة التي شهدتها بعض المدن، مثلما لا يصح تجاهل الاعتداءات على الممتلكات أو المخاطر التي تعرض لها مدنيون وعناصر من قوات الأمن. فالمسألة الأساسية تتعلق بأسباب استمرار الغضب الاجتماعي، وبقدرة الحكومة على التعامل مع المطالب المشروعة دون أن يتحول الحفاظ على النظام العام إلى تقييد غير متناسب لحرية الاحتجاج.
من مطالب التلاميذ إلى أزمة اجتماعية أوسع
بدأت موجة التعبئة الحالية على خلفية احتجاجات مرتبطة بأوضاع المؤسسات التعليمية، قبل أن تتسع لتشمل فئات مهنية ونقابية واجتماعية متعددة. وقد عبر تلاميذ وأطراف من الأسرة التعليمية عن اعتراضهم على نقص الموارد البشرية وتدهور بعض المرافق والإصلاحات المرتبطة بمسارات الدراسة، بينما رفعت النقابات مطالب تتعلق بالأجور والخدمات العمومية والقدرة الشرائية.
ويكشف هذا الانتقال من قضية قطاعية إلى حركة احتجاجية واسعة عن تراكم مظاهر الاستياء، وليس بالضرورة عن وجود قيادة موحدة أو برنامج سياسي مشترك بين جميع المشاركين. فبعض المحتجين يطالبون بتحسين ظروف العمل والدراسة، بينما يركز آخرون على ارتفاع الأسعار أو على طريقة تعامل السلطات مع المظاهرات.
ويفسر هذا التنوع قدرة الحركة على استقطاب فئات مختلفة، لكنه يجعل التفاوض أكثر تعقيداً. فالحكومة لا تواجه مطلباً واحداً يمكن الاستجابة إليه بقرار إداري محدود، بل مجموعة من القضايا التي ترتبط بتوزيع الموارد العمومية والأجور والعدالة الاجتماعية وأولويات الميزانية.
كما أن مشاركة النقابات تمنح الاحتجاجات إطاراً تنظيمياً واضحاً في بعض المدن، دون أن يعني ذلك قدرتها على التحكم في جميع التجمعات أو في سلوك المجموعات التي تشارك خارج المسارات المعلنة.
القدرة الشرائية.. الفجوة بين المؤشرات والحياة اليومية
تحتل القدرة الشرائية موقعاً مركزياً في الاحتجاجات، بعدما أصبحت تكاليف السكن والطاقة والنقل والغذاء والخدمات الأساسية مصدراً متزايداً للقلق لدى قطاعات من الأسر الفرنسية.
وتشير بيانات المعهد الوطني الفرنسي للإحصاء والدراسات الاقتصادية إلى بلوغ التضخم السنوي 2.4 في المائة خلال أغسطس 2026، وسط توقعات سابقة بارتفاعه خلال الأشهر التالية. لكن قراءة هذه المؤشرات تحتاج إلى التمييز بين تباطؤ ارتفاع الأسعار وانخفاضها الفعلي، لأن تراجع معدل التضخم لا يعني عودة الأسعار إلى مستوياتها السابقة.
وقد يشعر المواطن باستمرار الضغط المالي حتى عندما تتحسن بعض المؤشرات الاقتصادية العامة، خصوصاً إذا كانت زيادة الأجور أقل من ارتفاع المصاريف الضرورية. كما تختلف آثار التضخم بحسب مستوى الدخل ونوع السكن والاعتماد على وسائل النقل والطاقة.
ومن هنا، فإن نجاح السياسات الاقتصادية لا ينبغي أن يقاس فقط بمعدل النمو أو التضخم، بل أيضاً بمدى تحسن الدخل الحقيقي للأسر وقدرتها على تحمل تكاليف الحياة اليومية.
وتواجه الحكومة في هذا السياق سؤالاً مباشراً يتعلق بمدى كفاية التدابير المتخذة لحماية الفئات الأكثر تأثراً، وبكيفية توزيع أعباء الضبط المالي بين المواطنين والمؤسسات الاقتصادية.
الخدمات العمومية في قلب الغضب
لا تنفصل مطالب الأجور عن أوضاع الخدمات العمومية، خصوصاً في التعليم والصحة والإدارة المحلية. فقد ربطت منظمات نقابية بين تراجع جودة بعض الخدمات ونقص الموارد البشرية والضغط على العاملين.
وتعكس احتجاجات التلاميذ والمدرسين جانباً من هذا الإشكال، إذ لا تقتصر جودة التعليم على المناهج والنتائج الدراسية، بل تشمل توفر الأساتذة وظروف الدراسة وسلامة المباني والتجهيزات.
وفي القطاع الصحي، تثير ظروف العمل والتمويل والقدرة على الوصول إلى الخدمات نقاشاً مماثلاً حول حدود الإصلاحات التي لا ترافقها موارد كافية.
ولا تعني هذه المطالب أن كل مؤسسة عمومية تواجه الوضع نفسه، أو أن جميع المشكلات يمكن حلها بمجرد زيادة الإنفاق. غير أن استمرار الاحتجاجات يفرض على الحكومة تقديم تقييم واضح للفوارق بين المناطق والقطاعات، وتحديد الاختلالات التي تحتاج إلى تدخل عاجل.
كما ينبغي أن تخضع الوعود المتعلقة بتحسين الخدمات لمؤشرات قابلة للقياس، حتى لا يتحول النقاش السياسي إلى تبادل اتهامات بين الحكومة والنقابات دون معرفة ما تحقق فعلاً.
مظاهرات واسعة وخلاف حول الأرقام
شهد يوم السبت 24 أكتوبر تعبئة كبيرة في عدد من المدن الفرنسية، رغم الأمطار والإجراءات الأمنية المشددة. وأعلنت وزارة الداخلية مشاركة نحو 410 آلاف شخص، بينما قدرت الكونفدرالية العامة للشغل العدد بنحو 800 ألف.
وفي باريس وحدها، أحصت السلطات 110 آلاف مشارك، مقابل تقدير نقابي بلغ 250 ألفاً. كما شهدت مرسيليا تبايناً كبيراً بين الأرقام الرسمية والنقابية، وهو ما يعكس استمرار الخلاف التقليدي حول حجم التعبئة.
وتكمن أهمية هذه الأرقام في إظهار اتساع الحركة، لكنها لا تكفي وحدها لتحديد مدى تمثيلها لجميع المواطنين الفرنسيين أو لقياس التأييد الشعبي لكل مطلب من مطالبها.
فالمشاركة في الاحتجاجات تتأثر بعوامل متعددة، منها التنظيم النقابي والظروف الجوية والقيود الأمنية والقدرة على التنقل. كما أن عدم المشاركة لا يعني بالضرورة رفض المطالب، مثلما لا تعني المشاركة تبني جميع الشعارات التي ترفعها المجموعات المختلفة.
ولهذا، فإن القراءة المهنية للاحتجاجات تقتضي عرض التقديرات المتعارضة بوضوح، دون انتقاء الرقم الذي يخدم موقفاً سياسياً مسبقاً.
الأمن وحرية التظاهر.. معادلة أكثر تعقيداً
دفعت أعمال التخريب التي رافقت بعض مظاهرات 17 أكتوبر السلطات الفرنسية إلى تشديد الإجراءات الأمنية خلال التعبئة التالية. وقد أعلنت الحكومة نشر نحو 70 ألف عنصر من قوات الأمن، إلى جانب فرض قيود على التجمعات في مناطق محددة.
وساهم الانتشار الأمني في الحد من تكرار الاضطرابات الواسعة التي شهدتها بعض المدن خلال الأسبوع السابق، لكن مواجهات محدودة وقعت في نهاية عدد من المسيرات، خصوصاً في باريس ومرسيليا ونانت ورين.
وأفادت تقارير صحفية بوقوع 1314 عملية توقيف على المستوى الوطني وفق حصيلة لاحقة، بينما تحدثت السلطات عن إصابات في صفوف قوات الأمن، كما وردت تقارير عن إصابات بين المتظاهرين.
ولا ينبغي أن تؤدي هذه الوقائع إلى الخلط بين المتظاهرين السلميين والأشخاص الذين يرتكبون أعمال عنف أو تخريب. فحماية الممتلكات والأشخاص واجب على السلطات، لكنها لا تبرر افتراض المسؤولية الجماعية أو فرض قيود غير متناسبة على الحق في التجمع السلمي.
كما أن احترام القانون يقتضي التحقيق في التجاوزات المنسوبة إلى جميع الأطراف، بما فيها أي استخدام غير مبرر للقوة من جانب عناصر الأمن.
مشروع قانون يثير مخاوف على الحريات
زاد مشروع قانون أطلق عليه منتقدوه تسمية «المخرب يدفع» من حدة الجدل السياسي والقانوني في فرنسا. ويهدف النص المقترح إلى تشديد المسؤولية عن الأضرار التي تقع خلال المظاهرات، مع توسيع بعض وسائل المراقبة الأمنية.
وبحسب تقارير منشورة يوم 25 أكتوبر، قد يتيح المشروع فرض غرامات تصل إلى عشرة آلاف يورو في ظروف معينة تتعلق بأعمال تخريب يرتكبها أشخاص آخرون ضمن المجموعة أو في محيطها، كما يتضمن توسيع استخدام الطائرات المسيّرة في مراقبة الاحتجاجات.
وترى الحكومة ومؤيدو تشديد الإجراءات أن حماية الممتلكات العامة والخاصة ومحاسبة المسؤولين عن التخريب ضروريان لمنع تكرار الاضطرابات.
في المقابل، تحذر نقابات ومنظمات حقوقية من أن توسيع المسؤولية عن أفعال الغير قد يدفع المواطنين إلى تجنب المشاركة في المظاهرات السلمية خوفاً من العقوبات.
ويثير هذا الخلاف مسألة قانونية أساسية تتعلق بحدود المسؤولية الفردية والتناسب بين العقوبة والفعل المرتكب. فمحاسبة مرتكب التخريب تختلف عن معاقبة شخص لمجرد وجوده بالقرب من الواقعة.
ولا يزال النص في إطار المشروع والمناقشة السياسية، ولذلك لا يجوز تقديم أحكامه المقترحة باعتبارها قانوناً نافذاً أو عقوبات مطبقة بالفعل.
ماكرون بين ضيق الميزانية وتراجع هامش المناورة
تواجه السلطة التنفيذية الفرنسية صعوبة في الاستجابة السريعة للمطالب الاجتماعية بسبب الضغوط على المالية العامة والخلافات السياسية بشأن أولويات الإنفاق.
وقد تقلص هامش المناورة الحكومية مع غياب أغلبية برلمانية مستقرة داعمة للرئيس، بينما يقترب موعد الانتخابات الرئاسية المقبلة في ربيع 2027.
ويجعل هذا الوضع أي قرار مالي كبير موضوعاً لخلاف بين الأطراف السياسية والنقابية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالأجور أو تمويل الخدمات العمومية أو الإجراءات الضريبية.
لكن القيود المالية لا تعفي الحكومة من واجب شرح خياراتها، ولا تكفي وحدها لتبرير تأجيل المطالب الاجتماعية دون جدول زمني واضح.
فالمواطنون يحتاجون إلى معرفة الموارد المتاحة وكيفية توزيعها، والأسباب التي تجعل بعض النفقات أولوية على حساب غيرها. كما تحتاج النقابات إلى تقديم مطالب محددة وتقديرات واقعية لتكاليفها، حتى يصبح التفاوض قائماً على معطيات قابلة للتحقق.
ويكشف استمرار الاحتجاجات أن المشكلة لم تعد مرتبطة فقط بحجم الإنفاق، بل أيضاً بمستوى الثقة في قدرة الحكومة على الاستماع والاستجابة.
المعارضة واليمين المتطرف أمام امتحان المسؤولية
تمنح الأزمة الاجتماعية الأحزاب المعارضة فرصة لتوجيه انتقادات إلى الحكومة، لكنها تضعها أيضاً أمام مسؤولية تقديم بدائل قابلة للتنفيذ.
فالأحزاب اليسارية والنقابات تركز على الأجور والعدالة الاجتماعية وحماية الخدمات العمومية، بينما تسعى قوى اليمين إلى إبراز ملف الأمن والنظام العام.
وقد أبدت مارين لوبان تأييداً للتشديد القانوني في مواجهة أعمال التخريب، في سياق الاستعداد للمنافسة السياسية المرتبطة بالانتخابات الرئاسية المقبلة.
غير أن استثمار الأزمة انتخابياً لا يقدم بالضرورة حلولاً لمشكلاتها الاقتصادية والاجتماعية. فالحديث عن استعادة النظام يحتاج إلى ضمانات لاحترام الحريات، مثلما أن المطالبة بزيادة الإنفاق تستلزم توضيح مصادر التمويل وأولويات الإصلاح.
ولهذا، فإن تقييم مواقف المعارضة ينبغي أن يستند إلى البرامج والتدابير المقترحة، وليس إلى قدرتها على توظيف الغضب الشعبي ضد الرئيس وحكومته.
هل تستعيد حركة «السترات الصفراء» حضورها؟
أعادت التطورات الأخيرة إلى الواجهة مجموعات مرتبطة بحركة «السترات الصفراء»، التي شكلت منذ أواخر سنة 2018 إحدى أبرز موجات الاحتجاج الاجتماعي في فرنسا.
ويكشف حضور هذه المجموعات استمرار بعض القضايا التي ساهمت في نشأة الحركة، وعلى رأسها تكاليف المعيشة والشعور بعدم الإنصاف الاقتصادي والتفاوت بين المناطق.
لكن الاحتجاجات الحالية لا تمثل نسخة مطابقة لتلك الحركة، لأنها بدأت في سياق مختلف وتشمل مطالب تعليمية ونقابية وخدمية متعددة.
كما أن وجود مجموعات من «السترات الصفراء» ضمن التعبئة لا يعني أنها تقود جميع الاحتجاجات أو أنها تملك برنامجاً موحداً مع التنظيمات النقابية.
وتبرز أهمية هذه المقارنة في فهم الأسباب البنيوية التي تجعل الغضب الاجتماعي يتجدد، حتى عندما تتغير الحكومات أو تتبدل الظروف الاقتصادية.
نحو إضرابات جديدة في نوفمبر
لم تؤد مظاهرات 24 أكتوبر إلى إنهاء التعبئة، إذ دعت مجموعات احتجاجية ونقابية إلى تحركات إضافية يوم 31 أكتوبر، وإلى إضراب وطني في الخامس من نوفمبر.
وتشير هذه الدعوات إلى أن الحركة تسعى إلى الحفاظ على الضغط السياسي والاجتماعي خلال الأسابيع المقبلة، في انتظار استجابة حكومية أكثر وضوحاً.
لكن حجم المشاركة في التحركات المقبلة ونتائجها يظلان غير محسومين، لأن الدعوة إلى الإضراب لا تعني بالضرورة نجاحه أو مشاركة جميع القطاعات فيه.
كما أن المفاوضات المحتملة بين الحكومة والنقابات قد تؤثر في مسار الاحتجاجات، سواء عبر التوصل إلى تفاهمات جزئية أو عبر استمرار الخلاف حول المطالب الأساسية.
وسيكون على الحكومة أن توازن بين معالجة التوتر الأمني والاستجابة للمطالب الاجتماعية، لأن نجاحها في الحد من أعمال التخريب لا يكفي وحده لإنهاء أسباب الاحتجاج.
أزمة تتجاوز الشارع إلى سؤال العدالة الاجتماعية
تكشف الاحتجاجات الفرنسية عن أزمة مركبة تجمع بين الضغوط الاقتصادية ومطالب الخدمات العمومية وتراجع الثقة السياسية والجدل حول حدود التدخل الأمني.
ولا يمكن إنكار مسؤولية السلطات عن حماية الأشخاص والممتلكات، كما لا يمكن تبرير أعمال العنف باسم المطالب الاجتماعية. لكن تحويل الأزمة إلى قضية أمنية خالصة قد يحجب الأسباب التي دفعت أعداداً كبيرة من المواطنين إلى التظاهر.
وفي المقابل، فإن قوة التعبئة الشعبية لا تعفي التنظيمات المشاركة من مسؤولية احترام الحق في الاحتجاج السلمي، وتقديم مطالب واضحة تسمح بتقييم استجابة الحكومة.
وستتحدد قدرة فرنسا على تجاوز هذه المرحلة بمدى نجاح المؤسسات في إعادة بناء الثقة، من خلال إجراءات اجتماعية قابلة للقياس وحوار جدي يحترم الحقوق والحريات.
فالاختبار الحقيقي لا يتعلق فقط بمن يسيطر على الشارع خلال المظاهرات المقبلة، بل بما إذا كانت الحكومة والقوى السياسية والاجتماعية قادرة على تحويل الغضب إلى إصلاحات تعالج الفجوة بين الوعود الاقتصادية والحياة اليومية للمواطنين.
