ثماني سنوات مرت منذ أن تحولت السترة الصفراء، التي كانت قطعة إلزامية في سيارات الفرنسيين، إلى واحد من أشهر رموز الاحتجاج الاجتماعي في أوروبا. واليوم يعود اللون نفسه إلى شبكات التواصل الاجتماعي، وتظهر معه دعوات تحدد السبت 17 أكتوبر موعداً للنزول إلى الشارع احتجاجاً على أسعار الوقود والقدرة الشرائية، في وقت تشهد فيه فرنسا أصلاً توتراً اجتماعياً وتحركات واسعة داخل المدارس والجامعات.
المشهد يعيد إلى الأذهان خريف 2018، لكن التشابه في الشعارات والأسباب لا يكفي حتى الآن للقول إن «السترات الصفراء» عادت بالفعل.
فتحقيقات صحفية فرنسية تتبعت مصدر الدعوات المتداولة على TikTok ومنصات أخرى لم تعثر على تنظيم وطني معروف يقف وراء موعد 17 أكتوبر، كما لم يظهر أن شخصيات الحركة التاريخية هي التي أطلقت الدعوة. بعض الحسابات التي روجت للموعد حديثة الإنشاء، كما استُخدمت صور وملصقات مولدة بالذكاء الاصطناعي للترويج لما وُصف في بعض المنشورات بأنه «تعبئة وطنية».
لكن القصة لا تنتهي هنا. فحتى إذا كان أصل الموعد غامضاً، فإن البيئة الاجتماعية التي سمحت له بالانتشار حقيقية، وفي مقدمتها عودة أسعار الوقود إلى إثارة غضب جزء من الفرنسيين.
17 أكتوبر.. موعد بدأ من الشبكات
ظهرت خلال شتنبر منشورات ومقاطع فيديو تدعو الفرنسيين إلى ارتداء السترات الصفراء مجدداً والتجمع يوم 17 أكتوبر في عدد من المدن.
وتتبع تحقيق لصحيفة «لوموند» مسار انتشار الدعوة، ووجد أن مقطعاً على TikTok لشاب عبّر عن غضبه من ارتفاع أسعار الوقود كان من المصادر الأولى التي دفعت بتاريخ 17 أكتوبر إلى الواجهة. وانتشر المقطع على نطاق واسع قبل أن تظهر حسابات ومنشورات أخرى تقدم التاريخ وكأنه موعد رسمي للحركة.
غير أن الصحيفة لم تجد ما يثبت وجود إعلان «رسمي» صادر عن تنظيم وطني للسترات الصفراء، كما أن بعض الشخصيات المرتبطة بالحركة الأصلية قالت إنها لا تعرف الجهة التي تقف وراء الموعد.
هذا الغموض يجعل الحذر ضرورياً، لأن الانتشار الرقمي لا يساوي بالضرورة تعبئة فعلية في الشوارع، ولا يمكن قياس حجم المشاركة المنتظرة من عدد المشاهدات والتفاعلات وحدها.
ومع ذلك، بدأت الدعوة تتجاوز العالم الافتراضي. فقد أعلنت تنسيقية حركة مناخية خرجت في 26 شتنبر دعمها لتحركات 17 أكتوبر، وقالت إنها ستدعو المشاركين في احتجاجاتها إلى الانضمام إليها. وهكذا أصبح الموعد الذي بدأ بصورة غير واضحة على الشبكات يجد دعماً من مجموعات اجتماعية موجودة فعلياً على الأرض.
الوقود يعيد ذاكرة 2018
يصعب فصل هذه الدعوات عن الارتفاع الحالي في أسعار الوقود، لأن هذه القضية كانت أيضاً الشرارة الأولى التي ساهمت في ولادة حركة السترات الصفراء سنة 2018.
بدأت الحركة آنذاك باعتراض على أسعار الوقود والضرائب المرتبطة به، قبل أن تتوسع سريعاً لتشمل القدرة الشرائية والعدالة الضريبية والخدمات العامة وعلاقة المواطنين بالمؤسسات.
وفي 17 نوفمبر 2018، شارك مئات الآلاف في أول يوم تعبئة وطني، وانتشرت التجمعات ونقاط الاحتجاج في مناطق مختلفة من فرنسا. ولم يكن وراء الحركة في بدايتها حزب سياسي أو نقابة مركزية؛ فقد تشكلت إلى حد بعيد من شبكات اجتماعية ومواطنين لم يكن كثير منهم منخرطاً سابقاً في العمل السياسي أو النقابي التقليدي.
وهذا بالتحديد ما يجعل دعوات 2026 موضع اهتمام رغم غياب تنظيم واضح وراءها. فالتجربة السابقة أظهرت أن حركة اجتماعية يمكن أن تبدأ من رسائل متناثرة على الإنترنت قبل أن تتحول إلى ظاهرة وطنية.
لكن التاريخ لا يعيد نفسه بالضرورة بالطريقة ذاتها، وفرنسا 2026 ليست فرنسا 2018.
وفي الشارع.. جيل آخر يحتج بالفعل
بينما لا يزال موعد 17 أكتوبر ينتظر الاختبار الحقيقي، تعرف فرنسا في الأول من أكتوبر احتجاجاً من نوع آخر تقوده فئات من التلاميذ والطلبة.
وأفادت المعطيات المنشورة اليوم بتسجيل مئات التحركات أمام المدارس الثانوية وعشرات عمليات الإغلاق، بينما انضمت جامعات في باريس وستراسبورغ ومرسيليا وليون وريمس وبواتييه ونانت ومدن أخرى إلى الاحتجاجات.
وتتمحور مطالب هذه الحركة أساساً حول ظروف التعليم، وتوفير المدرسين والإمكانات، إضافة إلى مطالب اجتماعية أوسع لدى بعض المشاركين.
هذا التحرك لا يمثل امتداداً تنظيمياً للسترات الصفراء، ولا ينبغي الخلط بين الحركتين. لكنه يكشف عن مناخ اجتماعي فرنسي تتقاطع داخله مصادر متعددة للاستياء، من التعليم والخدمات العامة إلى تكاليف المعيشة والطاقة.
وهذا السياق هو الذي يمنح دعوات 17 أكتوبر وزناً أكبر مما كان يمكن أن تحمله مجرد حملة مجهولة على شبكات التواصل الاجتماعي.
الذكاء الاصطناعي يدخل على خط التعبئة
هناك عنصر جديد لم يكن موجوداً بهذه الصورة في 2018: الذكاء الاصطناعي.
فقد رصد تحقيق «لوموند» عشرات الملصقات والصور المولدة بالذكاء الاصطناعي التي تروج لموعد 17 أكتوبر، إضافة إلى حسابات حديثة النشأة نشرت محتويات مكثفة مرتبطة بالسترات الصفراء.
ولم تجد الجهات الفرنسية المختصة، وفق المعلومات المنشورة، دليلاً جدياً حتى الآن على أن حملة أجنبية تقف وراء انتشار هذه الدعوات. وتشير المعطيات المتاحة إلى أن بعض الحسابات ربما سعت أساساً إلى استغلال الموضوع لجذب المتابعين وتحقيق انتشار رقمي.
وتضيف هذه الظاهرة مشكلة جديدة إلى أي حركة احتجاجية تنشأ في عصر المنصات: كيف يمكن التمييز بين دعوة اجتماعية حقيقية، وحملة تسعى إلى الاستفادة من الغضب، ومحتوى آلي قادر على خلق انطباع بأن حركة كبيرة موجودة بالفعل؟
بين الغضب الرقمي والشارع
حتى الأول من أكتوبر، توجد دعوات حقيقية إلى الاحتجاج في 17 أكتوبر، ويوجد غضب مرتبط بأسعار الوقود والقدرة الشرائية، كما بدأت مجموعات اجتماعية أخرى تعلن دعمها للموعد. لكن لا توجد معطيات كافية للقول إن فرنسا أمام نسخة جديدة مكتملة من حركة السترات الصفراء.
الاختبار سيكون في قدرة هذه الدعوات على الانتقال من ملايين المشاهدات والمنشورات إلى تعبئة فعلية ومنظمة على الأرض.
وحتى ذلك الحين، فإن الخبر ليس «عودة السترات الصفراء» بقدر ما هو عودة الظروف والشعارات والرموز التي صنعت الحركة قبل ثماني سنوات إلى قلب النقاش الفرنسي.
وقد يكون 17 أكتوبر مجرد موعد عابر صنعته الشبكات، وقد يتحول إلى محطة اجتماعية أكبر. ما يمكن تأكيده الآن هو أن السترة الصفراء عادت إلى الظهور في الفضاء الرقمي الفرنسي، بينما الشارع نفسه يعيش بالفعل موجة احتجاج اجتماعي جديدة.
