f x ig yt
الأربعاء، 28 أكتوبر 2026
جديد الإختيار

«أحجار على رقعة الشطرنج».. كيف تتحول قراءة التاريخ إلى نظرية مؤامرة شاملة؟

قراءة نقدية في كتاب ويليام غاي كار، الذي يقدم الحروب والثورات والتحولات السياسية باعتبارها نتاج مخطط سري واحد، ويفتح النقاش حول الحدود الفاصلة بين نقد السلطة وتفسير التاريخ بالمؤامرة.

قراءات الإختيار 📅 27 أكتوبر 2026 ⏱ 8 دقائق
تصميم تعبيري لكتاب أحجار على رقعة الشطرنج مع قطع شطرنج وخرائط تاريخية، ضمن سلسلة قراءات الاختيار.

هناك كتب لا تكتسب شهرتها من قوة الأدلة التي تقدمها بقدر ما تكتسبها من قدرتها على توفير تفسير شامل لعالم شديد التعقيد. ومن بين هذه المؤلفات كتاب «أحجار على رقعة الشطرنج» للكاتب الكندي ويليام غاي كار، المعروف بعنوانه الإنجليزي Pawns in the Game، والذي صدر في منتصف القرن العشرين، ثم وجد طريقه إلى قراء عرب عبر الترجمات والتداول الإلكتروني.

يقوم الكتاب على فرضية مركزية مفادها أن أحداثاً تاريخية كبرى، من الثورات الأوروبية إلى الحروب العالمية والتحولات السياسية الحديثة، لم تكن مجرد نتائج لصراعات اجتماعية واقتصادية وجيوسياسية متشابكة، وإنما كانت حلقات ضمن مخطط طويل الأمد تديره قوى خفية.

تكمن جاذبية هذا التصور في بساطته الظاهرية. فبدلاً من البحث في تعدد الأسباب والفاعلين والمصالح، يقدم الكتاب مفتاحاً واحداً لتفسير التاريخ. لكن هذه البساطة تثير سؤالاً منهجياً أساسياً: هل نحن أمام تحليل يكشف علاقات سلطة فعلية، أم أمام سردية تعيد ترتيب الوقائع لتوافق نتيجة مقررة سلفاً؟

من هو ويليام غاي كار؟

كان ويليام غاي كار ضابطاً بحرياً وكاتباً كندياً، ارتبط اسمه خلال النصف الأول من القرن العشرين بمؤلفات تناولت الحرب والسياسة والدين، قبل أن يتجه إلى الكتابة عن المؤامرات الدولية.

وفي «أحجار على رقعة الشطرنج»، لا يكتفي كار بتقديم تفسير سياسي للأحداث، بل يربطها بشبكات سرية مفترضة، مستنداً إلى روايات عن الماسونية وجماعات أخرى، وإلى مواد تاريخية وإعلامية متفاوتة الموثوقية.

ولفهم الكتاب، ينبغي وضعه في سياق زمنه. فقد تشكلت أطروحاته في مناخ اتسم بالحربين العالميتين، وصعود الحركات الشمولية، وبداية الحرب الباردة، وانتشار أدبيات معاداة الشيوعية والخوف من التنظيمات السرية.

وقد ساهم هذا المناخ في ظهور كتابات تقدم الصراعات الدولية بوصفها نتاج تدبير خفي، بدلاً من دراستها ضمن سياقاتها الاجتماعية والمؤسساتية والاقتصادية.

التاريخ بوصفه رقعة شطرنج

«ليس كل ما يجري خلف الكواليس مؤامرة، وليس كل ما يبدو مترابطاً دليلاً على وجود مخطط. فقراءة التاريخ تبدأ بفحص الأدلة، لا بالبحث عما يؤكد الشكوك المسبقة.»

يختزل عنوان الكتاب تصوره للعلاقات السياسية. فهناك، وفق منطقه، لاعبون يملكون المعرفة والخطة، وفي المقابل توجد شعوب وحكومات وقادة يتحركون كقطع شطرنج دون إدراك كامل للأدوار المرسومة لهم.

تحتوي هذه الاستعارة على ملاحظة تستحق النقاش: فالعلاقات الدولية ليست مجالاً متكافئاً، والدول والجماعات الاجتماعية لا تمتلك القدر نفسه من السلطة أو الموارد أو القدرة على التأثير.

لكن المشكلة تبدأ حين تتحول هذه الملاحظة إلى افتراض بأن كل حدث كبير تقف وراءه جهة سرية واحدة، وأن الخلافات بين القوى المتنافسة ليست سوى تمثيل يخفي وحدة أهدافها.

فالاعتراف بوجود مصالح منظمة وتدخلات سرية موثقة لا يبرر الاستنتاج بأن التاريخ كله خاضع لمركز قيادة واحد. كما أن إثبات تورط جهة في حدث معين لا يكفي لإسناد أحداث أخرى إليها دون أدلة مستقلة.

وهنا تظهر إحدى نقاط الضعف الأساسية في الكتاب: الانتقال المتكرر من وجود روابط محتملة أو تشابهات تاريخية إلى افتراض وجود علاقة سببية ومخطط مشترك.

بين الوثيقة التاريخية والادعاء غير المثبت

تقوم الكتابة التاريخية على فحص المصادر، وتحديد سياقاتها، ومقارنة الشهادات، والتمييز بين ما يمكن إثباته وما يظل مجرد احتمال.

أما السردية التآمرية الشاملة فتعمل غالباً في الاتجاه المعاكس. فهي تبدأ من افتراض وجود مخطط خفي، ثم تبحث عن الوقائع التي يمكن إدراجها داخله. وما يتعارض مع الفرضية قد يُفسَّر بدوره باعتباره جزءاً من عملية تضليل.

وتؤدي هذه الطريقة إلى مشكلة معرفية خطيرة: تصبح الفرضية غير قابلة للاختبار. فإذا اتفقت الأحداث مع التوقعات عُدّ ذلك دليلاً على صحة المخطط، وإذا خالفتها اعتُبر الاختلاف دليلاً على براعة المتآمرين في إخفاء نواياهم.

ولا يمكن اعتماد هذا المنهج لإثبات مسؤولية جماعة أو مؤسسة عن حدث تاريخي. فالعلاقة السببية تحتاج إلى وثائق موثوقة، وتسلسل زمني واضح، وأدلة مستقلة تسمح بالتحقق والمراجعة.

«بروتوكولات حكماء صهيون» ومشكلة المصادر المزيفة

تزداد الحاجة إلى النقد عندما تتقاطع أطروحات كار مع التراث التآمري الذي غذته وثيقة «بروتوكولات حكماء صهيون».

فهذا النص، الذي ظهر في الإمبراطورية الروسية مطلع القرن العشرين، ادعى وجود اجتماعات سرية لقادة يهود يخططون للسيطرة على العالم. وقد أثبتت التحقيقات التاريخية أن الوثيقة مزورة، وأن أجزاء منها منقولة من مؤلفات سابقة لا علاقة لها باليهود.

ويوثق متحف ذكرى الهولوكوست الأمريكي كيف كشفت صحيفة التايمز البريطانية سنة 1921 أوجه الاقتباس من كتاب موريس جولي الصادر عام 1864، وكيف استُخدمت البروتوكولات لاحقاً في الدعاية المعادية لليهود.

وهنا ينبغي التمييز بين ثلاثة أمور مختلفة: اليهودية باعتبارها ديانة وهوية ثقافية، والصهيونية باعتبارها حركة قومية سياسية نشأت في ظروف تاريخية محددة، وسياسات دولة إسرائيل التي يمكن نقدها ومساءلتها وفق القانون الدولي ومعايير حقوق الإنسان.

فالخلط بين هذه المستويات لا يساعد على فهم الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، بل ينقل النقاش من مساءلة قرارات ومؤسسات وأيديولوجيات محددة إلى تحميل جماعة دينية أو إثنية مسؤولية جماعية عن أحداث العالم.

كما أن نقد الصهيونية أو الاستعمار أو السياسات الإسرائيلية لا يحتاج إلى الاستناد إلى وثائق مزورة أو تصورات عن سيطرة يهودية سرية على العالم. بل إن الاعتماد على مثل هذه المزاعم يضعف النقد السياسي ويصرفه عن الوقائع القابلة للإثبات.

هل ينفي نقد المؤامرة وجود مؤامرات فعلية؟

من الأخطاء المقابلة اعتبار كل حديث عن التخطيط السري أو تواطؤ المصالح ضرباً من الخيال.

فالتاريخ الحديث يتضمن عمليات استخباراتية وانقلابات وتدخلات سرية وصفقات سياسية كشفتها وثائق رسمية أو تحقيقات مستقلة. كما أن الشركات الكبرى وجماعات الضغط والمؤسسات المالية تمتلك قدرات متفاوتة على التأثير في القرار السياسي.

غير أن إثبات هذه الوقائع لا يبرر تحويلها إلى نظرية تفسر كل الحروب والثورات والأزمات بفاعل واحد.

والفرق الجوهري أن التحقيق التاريخي يحدد الأطراف والقرارات والوثائق والنتائج، بينما تميل نظرية المؤامرة الشاملة إلى افتراض وحدة خفية وراء أطراف قد تكون مصالحها متعارضة.

ولذلك، لا ينبغي أن يكون السؤال: هل توجد مؤامرات في التاريخ؟ بل: ما الأدلة على وقوع هذه المؤامرة المحددة، ومن شارك فيها، وما حدود تأثيرها؟

الرأسمالية والإمبريالية.. ما الذي يغيب عن تفسير كار؟

«لا تُفسَّر هيمنة القوى الكبرى دائماً بمؤامرات سرية؛ فكثير من أشكال السيطرة تنشأ من بنية المصالح الاقتصادية والسياسية، ومن اختلال موازين القوة بين الدول والمجتمعات.»

تتيح قراءة الكتاب فرصة لمناقشة العلاقة بين السلطة الاقتصادية والسياسة الدولية. لكن هذه العلاقة تحتاج إلى تحليل بنيوي يتجاوز تصور العالم بوصفه مشروعاً تديره مجموعة سرية.

فالنظام الرأسمالي يقوم على مؤسسات وأسواق وعلاقات ملكية وإنتاج وتوزيع، وتتداخل داخله مصالح الشركات والدول والطبقات الاجتماعية. وقد تتعاون بعض القوى الاقتصادية والسياسية في لحظات معينة، لكنها قد تتنافس أيضاً على الأسواق والموارد والنفوذ.

أما الإمبريالية، فلا يمكن تفسيرها بمجرد نوايا أشخاص يعملون خلف الستار. فهي ترتبط بتاريخ التوسع الاستعماري، واختلال موازين القوة، والسيطرة على الموارد، والعلاقات الاقتصادية والعسكرية بين الدول.

وتسمح هذه المقاربة بفهم كيف يمكن أن تنشأ نتائج سياسية واقتصادية ضارة من بنية المصالح والمؤسسات، حتى دون وجود قيادة سرية موحدة تصدر التعليمات لجميع الأطراف.

وهنا تتضح محدودية كتاب كار: فبدلاً من دراسة التناقضات الداخلية للأنظمة الاقتصادية والسياسية، يميل إلى ردها إلى إرادة خفية شاملة. وبهذا المعنى، يحول مشكلات تاريخية قابلة للبحث إلى قصة عن أشخاص يسيطرون على كل شيء.

لماذا تستمر جاذبية هذا النوع من الكتب؟

تنتشر التفسيرات التآمرية عادة عندما يشعر الأفراد بأن القرارات المؤثرة في حياتهم تُتخذ بعيداً عنهم، أو عندما تعجز المؤسسات عن تقديم تفسيرات مقنعة للأزمات.

وتزداد جاذبيتها في فترات الحروب والأزمات الاقتصادية والتحولات السياسية السريعة، لأن القارئ يبحث عن روابط بين أحداث تبدو متباعدة.

ويقدم كتاب «أحجار على رقعة الشطرنج» هذه الروابط في بناء سردي يمنح القارئ شعوراً بأنه اكتشف ما لا يعرفه الآخرون.

لكن القدرة على إنتاج قصة مترابطة لا تعادل القدرة على إثباتها. فقد تكون الرواية جذابة ومتماسكة داخلياً، ومع ذلك تقوم على انتقاء الوقائع أو تجاهل الأدلة المخالفة.

وتزداد خطورة هذا الأسلوب عندما ينتقل من نقد أصحاب السلطة إلى اتهام جماعات بشرية كاملة بمسؤولية جماعية عن التاريخ.

كيف نقرأ الكتاب اليوم؟

لا تقتضي القراءة النقدية رفض الكتاب دون الاطلاع على أطروحاته، كما لا تقتضي قبولها لأنها تتحدى الروايات السائدة.

الأجدى هو التعامل معه بوصفه نصاً يكشف طريقة معينة في تفسير السياسة والتاريخ، ثم إخضاع ادعاءاته للتمحيص.

ويبدأ ذلك بالتمييز بين الوقائع التاريخية المثبتة، والتأويلات التي يقدمها المؤلف، والادعاءات التي لا تسندها مصادر مستقلة.

كما ينبغي الرجوع إلى الأبحاث المتخصصة بشأن الأحداث التي يناقشها، وعدم الاكتفاء بالمراجع التي ينتقيها كار لتدعيم فرضيته.

وتكتسب هذه المنهجية أهمية خاصة بالنسبة إلى القارئ العربي، الذي يتعامل مع قضايا حقيقية تتعلق بالاستعمار والهيمنة الدولية وفلسطين واختلال النظام الاقتصادي العالمي. فهذه القضايا تستحق تحليلاً تاريخياً وسياسياً جاداً، لا اختزالاً في سرديات غير مثبتة.

خلاصة: عندما يصبح التفسير الشامل عائقاً أمام الفهم

تكمن المفارقة في «أحجار على رقعة الشطرنج» في أن الكتاب يبدأ من سؤال مشروع حول القوى التي تؤثر في مسار التاريخ، لكنه يقدم إجابة تتجاوز ما تسمح به الأدلة.

فوجود علاقات قوة غير متكافئة، وتدخلات سرية، ومصالح اقتصادية مؤثرة، لا يعني أن العالم يتحرك وفق خطة واحدة محكمة.

والتاريخ ليس رقعة شطرنج يتحكم فيها لاعب واحد، بل مجال تتفاعل فيه الدول والمؤسسات والطبقات والحركات الاجتماعية والأفكار والمصالح المتنافسة.

لهذا، فإن القيمة التي يمكن استخلاصها من قراءة الكتاب اليوم لا تكمن في اعتماد تفسيره للأحداث، بل في استخدامه مناسبةً لفحص كيفية صناعة الروايات الكبرى، وكيف تتحول الشكوك المشروعة في السلطة إلى يقين لا يستند إلى البرهان.

فالقراءة النقدية لا تبدأ بتصديق كل ما يخالف الرواية الرسمية، وإنما بمساءلة جميع الروايات بالمعايير نفسها.

شارك المقال فيسبوك إكس تيليغرام

اقرأ أيضاً

اترك تعليقاً