f x ig yt
الجمعة، 30 أكتوبر 2026
جديد الإختيار

طنجة المتوسط 3.. استثمار ضخم ودخول الخدمة في 2031

المشروع يستهدف استقبال أولى السفن منتصف 2031 ورفع الطاقة الاستيعابية للمركب المينائي، لكن رهاناته تتجاوز حركة الحاويات إلى التشغيل وتوزيع العائد الاقتصادي على المناطق المجاورة.

أعمال واستثمار 📅 29 أكتوبر 2026 ⏱ 7 دقائق
منظر عام لمركب طنجة المتوسط، الذي يستعد لتوسعة جديدة من خلال مشروع «طنجة المتوسط 3»، بهدف رفع قدرته على استقبال الحاويات وتعزيز موقع المغرب في التجارة البحرية الدولية. صورة أرشيفية.

يدخل مشروع «طنجة المتوسط 3» مرحلة جديدة من التنفيذ، بعدما أعلنت السلطات المغربية عن إطلاق أشغال توسعة المركب المينائي، باستثمار معلن يبلغ 8 مليارات درهم في البنيات التحتية للميناء الجديد، مع استهداف دخوله الخدمة في منتصف سنة 2031.

وجاء الإعلان عقب جلسة عمل ترأسها الملك محمد السادس، يوم الأربعاء 28 أكتوبر 2026 بالقصر الملكي في الرباط، خُصصت لتتبع تقدم مشروع الناظور غرب المتوسط وتوسعة طنجة المتوسط، في سياق سعي المغرب إلى تعزيز موقعه داخل شبكات التجارة البحرية الدولية.

ويمثل المشروع امتداداً للاستثمارات التي جعلت من طنجة المتوسط منصة رئيسية لنقل الحاويات والربط بين الأسواق الأوروبية والإفريقية والعالمية. غير أن التوسع الجديد يطرح أسئلة تتجاوز الطاقة الاستيعابية والأرقام المعلنة، وتتعلق بجدوى الاستثمار، وطبيعة فرص العمل المرتقبة، ومدى استفادة الاقتصاد المحلي من الأنشطة اللوجستية والصناعية المرتبطة بالميناء.

ميناء جديد غرب طنجة المتوسط 2

يقع مشروع طنجة المتوسط 3 غرب الميناء الحالي «طنجة المتوسط 2»، ويتضمن إنشاء محطة جديدة للحاويات تعرف باسم TC5، بأرصفة يبلغ طولها 1200 متر، وحواجز بحرية واقية تمتد على نحو 3000 متر.

ومن المنتظر أن تضيف المحطة طاقة استيعابية تصل إلى 4.5 ملايين حاوية نمطية سنوياً، مع إمكانية رفعها لاحقاً إلى خمسة ملايين حاوية، وفق المعطيات التي قدمها المدير العام لسلطة ميناء طنجة المتوسط، إدريس أعرابي.

وأسندت أشغال إنجاز البنيات التحتية إلى تجمع مغربي عقب طلب عروض دولي، على أن تنطلق الأعمال في نهاية أكتوبر 2026. وفي المقابل، أُبرم عقد امتياز مع مجموعة «ميرسك – إيه بي إم» لتطوير محطة الحاويات وتجهيزها واستغلالها.

ويقوم هذا النموذج على توزيع الأدوار بين الجهة المسؤولة عن البنيات التحتية البحرية والشركة المستغلة للمحطة، وهو ما يستدعي متابعة دقيقة للالتزامات التعاقدية، وتكاليف الاستثمار، ومؤشرات الأداء خلال مراحل التنفيذ والتشغيل.

سنة 2031.. موعد مستهدف لا حصيلة منجزة

حدد المسؤول عن سلطة الميناء منتصف سنة 2031 موعداً مرتقباً لدخول المحطة الجديدة الخدمة، حيث يُنتظر أن تبدأ باستقبال السفن والحاويات قبل الارتفاع التدريجي لنشاطها نحو طاقتها التصميمية.

ويقتضي هذا الجدول الزمني التمييز بين الانتهاء من البنية التحتية، وبدء التشغيل التجاري، والوصول إلى مستوى الاستغلال الكامل.

فإنجاز الأرصفة والحواجز البحرية يمثل مرحلة أساسية، لكنه لا يعني تلقائياً تحقيق الطاقة الاستيعابية المعلنة. إذ يتوقف ذلك أيضاً على تجهيز المحطة، واستقطاب الخطوط الملاحية، وتوفير الموارد البشرية، وتحقيق مستويات الإنتاجية المطلوبة.

كما يظل احترام الآجال مرتبطاً بتقدم الأشغال والظروف التقنية والتجارية التي قد تؤثر في تنفيذ المشاريع البحرية الكبرى.

ومن ثم، فإن تقييم المشروع خلال السنوات المقبلة ينبغي أن يعتمد على نسب الإنجاز الفعلية والتكاليف المحققة، لا على الجدول الزمني المعلن وحده.

من 11 مليون حاوية إلى طموح 20 مليوناً

بحسب الأرقام التي قدمها إدريس أعرابي، عالج ميناء طنجة المتوسط نحو 11.1 مليون حاوية خلال سنة 2025، في مؤشر على حجم النشاط الذي بلغه المركب خلال السنوات الماضية.

وتستهدف التوسعات المبرمجة رفع الطاقة الاستيعابية الإجمالية للمركب إلى نحو 20 مليون حاوية سنوياً خلال العقد المقبل.

لكن هذا الهدف لا يرتبط بمشروع طنجة المتوسط 3 وحده، بل يشمل أيضاً التوسعة الشرقية لطنجة المتوسط 2، وتطوير مرافق المسافرين والشاحنات، وتحسين القدرة التشغيلية لمختلف مكونات المركب.

ويكتسي التمييز بين الطاقة الاستيعابية والحركة الفعلية أهمية اقتصادية. فالطاقة تمثل الحد الذي تستطيع المنشآت معالجته في ظروف تشغيل محددة، بينما يعكس عدد الحاويات المتداولة حجم الطلب الحقيقي على خدمات الميناء.

ولهذا فإن بلوغ طاقة 20 مليون حاوية لا يعني بالضرورة تداول العدد نفسه فور انتهاء الأشغال، بل يتطلب نمواً مستمراً في الحركة التجارية والقدرة على استقطاب نشاط الملاحة الدولية.

لماذا يوسع المغرب قدراته المينائية؟

يأتي مشروع طنجة المتوسط 3 في وقت تعرف فيه التجارة البحرية العالمية تغيرات في سلاسل الإمداد، وإعادة توزيع لبعض الأنشطة الصناعية، وتزايد المنافسة بين الموانئ الكبرى لاستقطاب السفن والحاويات.

ويستفيد طنجة المتوسط من موقعه قرب مضيق جبل طارق، عند نقطة التقاء مسارات بحرية تربط المحيط الأطلسي بالبحر الأبيض المتوسط.

لكن الموقع الجغرافي، رغم أهميته، لا يكفي لضمان التنافسية. فشركات الملاحة تقارن بين الموانئ وفق سرعة معالجة السفن، وكلفة الخدمات، وانتظام العمليات، وجودة الربط البحري والبري، ومدى موثوقية سلاسل الإمداد.

ويتيح التوسع الجديد للمغرب فرصة لتعزيز موقعه ضمن هذه الشبكات، لكنه يضع المركب أيضاً أمام ضرورة المحافظة على جودة الخدمات ومواكبة التطورات التكنولوجية والبيئية التي يعرفها قطاع النقل البحري.

الاستثمار الكبير وسؤال المردودية

تبلغ قيمة الاستثمار المعلن في البنيات التحتية لمشروع طنجة المتوسط 3 نحو 8 مليارات درهم، وفق التصريحات الرسمية.

ويفرض هذا الحجم من الإنفاق تقييم المردودية الاقتصادية على المدى الطويل، بما يشمل إيرادات الأنشطة المينائية، واستقطاب الاستثمارات الصناعية، وتطور الصادرات، وتكاليف الصيانة والتشغيل.

كما أن تقييم العائد ينبغي أن يأخذ بعين الاعتبار أثر المشروع على الاقتصاد الوطني، وليس فقط الحسابات المالية للميناء.

فزيادة حركة الحاويات قد ترفع نشاط خدمات النقل والمناولة والتخزين، لكنها لا تؤدي بالضرورة إلى زيادة مماثلة في القيمة المضافة المحلية، خصوصاً عندما يتعلق جزء مهم من الحركة بإعادة شحن الحاويات العابرة.

ويبرز هنا الفرق بين ميناء يحقق أرقاماً مرتفعة في التداول، ومنظومة اقتصادية قادرة على تحويل هذا النشاط إلى إنتاج صناعي وخدمات متقدمة وفرص عمل مستقرة.

التشغيل والتكوين.. من سيستفيد من التوسعة؟

أعاد الاجتماع الملكي التأكيد على أهمية استفادة الأقاليم المعنية من الآثار الاقتصادية والاجتماعية للمشاريع المينائية، مع تسريع برامج التكوين المهني المرتبطة بالأنشطة الجديدة.

ويكتسب هذا التوجيه أهمية خاصة في ظل التطور التكنولوجي الذي يعرفه تشغيل محطات الحاويات، حيث تتزايد الحاجة إلى كفاءات متخصصة في المعدات والأنظمة الرقمية والصيانة والسلامة والخدمات اللوجستية.

غير أن ارتفاع القدرة الاستيعابية لا يعني بالضرورة ارتفاع عدد الوظائف بالنسبة نفسها، لأن تحديث المعدات والأتمتة قد يرفعان الإنتاجية دون زيادة متناسبة في اليد العاملة.

ولهذا فإن قياس أثر المشروع على التشغيل يحتاج إلى معطيات دقيقة بشأن الوظائف المباشرة وغير المباشرة، وطبيعة العقود، ومستويات الأجور، ونسبة استفادة السكان المحليين.

كما ينبغي أن تتصل برامج التكوين بحاجات الشركات الفعلية، وأن تتيح للشباب اكتساب مهارات قابلة للاستعمال في قطاعات اقتصادية أخرى، لا داخل الميناء وحده.

التنمية المحلية بين الفرص والضغوط

قد يؤدي توسيع المركب المينائي إلى زيادة الطلب على خدمات النقل والتخزين والصيانة والإيواء والتموين، بما يفتح فرصاً أمام المقاولات المحلية.

لكن الاستفادة ليست تلقائية، إذ تحتاج المؤسسات الصغيرة والمتوسطة إلى القدرة على الولوج إلى الصفقات، والالتزام بمعايير الجودة، والحصول على التمويل والتأهيل التقني.

وفي المقابل، قد ترافق المشاريع الكبرى ضغوط على الطرق والسكن والموارد الطبيعية والبيئة الساحلية، خصوصاً عندما يتسارع النشاط الاقتصادي دون مواكبة كافية في التخطيط المحلي.

ومن ثم، فإن نجاح التوسعة لا ينبغي قياسه فقط بعدد السفن والحاويات، بل أيضاً بمدى تحسن البنيات والخدمات المحيطة، واستفادة المقاولات المحلية، وقدرة السلطات على تدبير الآثار البيئية والاجتماعية.

وتظل الشفافية في نشر مؤشرات هذه الآثار شرطاً أساسياً لإجراء تقييم موضوعي للمشروع.

طنجة المتوسط والناظور غرب المتوسط.. تكامل أم تنافس؟

يتزامن الإعلان عن طنجة المتوسط 3 مع تقدم مشروع الناظور غرب المتوسط، الذي يستعد لإطلاق تشغيل أولى محطاته.

ويقدم التوجه الرسمي المشروعين باعتبارهما جزءاً من منظومة مينائية وطنية متكاملة، تسعى إلى تعزيز قدرات المغرب اللوجستية والصناعية والطاقية.

لكن تحقيق التكامل بين الموانئ يحتاج إلى توزيع واضح للوظائف، وربط فعال بشبكات النقل، وتطوير مناطق صناعية تستفيد من البنيات الجديدة.

فالمنافسة على استقطاب الخطوط البحرية والاستثمارات قد تكون عاملاً لتحسين الأداء، لكنها تتطلب أيضاً تنسيقاً يمنع ازدواجية بعض الاستثمارات أو ضعف استغلال القدرات المنشأة.

ويصبح السؤال الاقتصادي الأساسي هو مدى مساهمة كل ميناء في خلق أنشطة إنتاجية جديدة، وربط المناطق الداخلية بالأسواق الدولية، وتقليص التفاوتات بين المجالات الترابية.

ما الذي ينبغي متابعته حتى سنة 2031؟

يؤشر إطلاق طنجة المتوسط 3 إلى استمرار الرهان المغربي على البنيات المينائية الكبرى بوصفها أداة لتعزيز موقع المملكة في التجارة الدولية.

غير أن حجم الاستثمار والطاقة الاستيعابية المستهدفة لا يكفيان وحدهما للحكم على نجاح المشروع.

فخلال السنوات المقبلة، سيكون من الضروري متابعة تقدم الأشغال، والتكلفة النهائية، وشروط الاستغلال، ومدى احترام المعايير البيئية، وتطور النشاط الصناعي واللوجستي المرتبط بالميناء.

وسيظل التشغيل المحلي أحد أهم معايير التقييم، إلى جانب مساهمة المشروع في توسيع فرص المقاولات المغربية وتحسين اندماج الاقتصاد الوطني في سلاسل القيمة.

أما سنة 2031، فهي محطة مرتقبة لبدء التشغيل، وليست نهاية التقييم. فالاختبار الحقيقي سيبدأ عندما تتحول الأرصفة الجديدة إلى نشاط اقتصادي فعلي، وعندما يمكن قياس أثر هذا النشاط على التشغيل والإنتاج والتنمية المحلية.

شارك المقال فيسبوك إكس تيليغرام

اقرأ أيضاً

اترك تعليقاً