يدخل مشروع قانون المالية لسنة 2027 مرحلة المناقشة البرلمانية وسط انتظارات اجتماعية مرتفعة. فقد وضعت حكومة فاطمة الزهراء المنصوري استعادة القدرة الشرائية في صدارة أولوياتها. كما أعلنت إجراءات ضريبية واجتماعية تستهدف الأجراء والمتقاعدين والأسر محدودة الدخل.
وقدم وزير الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية، فوزي لقجع، المشروع أمام البرلمان يوم 23 أكتوبر 2026. وتراهن الحكومة على تعبئة نحو 62 مليار درهم لتمويل التزامات مرتبطة بالقدرة الشرائية والدولة الاجتماعية.
وزارة الإقتصاد والمالية ـ المملكة المغربية+1
غير أن حجم الاعتمادات لا يكفي وحده للحكم على جدوى السياسة المالية. فالمعيار الأساسي يبقى ما ستحدثه هذه الإجراءات في ميزانيات الأسر، خصوصاً مع استمرار الضغوط المرتبطة بالسكن والغذاء والخدمات.
ومن هنا يبرز السؤال الذي ينبغي أن يرافق النقاش البرلماني: هل يقدم المشروع حلولاً ملموسة لمشكلات المعيشة، أم يؤجل جانباً من الإصلاحات الاجتماعية إلى السنوات المقبلة؟
تخفيف الضريبة على الدخل.. من المستفيد؟
تقترح الحكومة مراجعة جدول الضريبة على الدخل، مع توسيع الإعفاءات وتقليص عدد الشرائح الضريبية. ووفق العرض الحكومي، يستهدف الإصلاح إعفاء الأجور الشهرية التي تقل عن عشرة آلاف درهم، مع استفادة نحو 87% من الأجراء.
وتشير المعطيات المقدمة إلى اعتماد إصلاح تدريجي يمتد إلى سنة 2031. وتراهن الحكومة على أن يؤدي تخفيف العبء الضريبي إلى تحسين الدخل الصافي للفئات المعنية.
فالعاملون في القطاع غير المهيكل، والعاطلون عن العمل، ومن لا يؤدون أصلاً هذه الضريبة، لن يستفيدوا مباشرة من تخفيضها. وتظل هذه الفئات بحاجة إلى سياسات موازية لتحسين الدخل وتوسيع فرص الشغل.
كما أن الزيادة في الأجر الصافي لا تعني بالضرورة تحسناً دائماً في القدرة الشرائية. فإذا ارتفعت تكاليف المعيشة بوتيرة أسرع، فقد تتراجع القيمة الفعلية للمكسب الضريبي.
لذلك، يحتاج تقييم الإصلاح إلى مقارنة الزيادة المتوقعة في الدخل بتطور أسعار المواد والخدمات الأساسية.
دعم المواد الأساسية.. هل يصل الأثر إلى المستهلك؟
يتضمن المشروع تخصيص نحو 19.4 مليار درهم لدعم أسعار غاز البوتان والسكر والدقيق الوطني للقمح اللين. كما تقترح الحكومة تعبئة مليار درهم لتحسين تنظيم أسواق المواد الغذائية ومسالك توزيعها.
وتشمل التدابير المعلنة تحديث أسواق الجملة وإحداث منصات جهوية، بهدف معالجة بعض الاختلالات التي تؤثر على الأسعار.
ولهذا، لا ينبغي أن ينحصر النقاش في حجم الدعم العمومي. فالمطلوب معرفة مدى انعكاسه على السعر النهائي الذي يؤديه المستهلك.
كما تبرز ضرورة مراقبة مسالك التوزيع وتعزيز المنافسة. فاختلالات السوق قد تحد من أثر التدخلات الحكومية، حتى عندما ترتفع الاعتمادات المالية المخصصة لها.
ويظل نجاح هذه الإجراءات مرتبطاً بقدرة المؤسسات المختصة على قياس النتائج ونشرها بصورة منتظمة.
المتقاعدون أمام وعود التحسين التدريجي
يحظى ملف المعاشات بمكانة بارزة ضمن التدابير الاجتماعية المعلنة. وتقترح الحكومة الرفع التدريجي للحد الأدنى لبعض المعاشات الرئيسية، وصولاً إلى ثلاثة آلاف درهم شهرياً في أفق 2031.
وبحسب التفاصيل التي عرضتها التغطيات الاقتصادية، يستهدف المشروع بلوغ حد أدنى قدره 1700 درهم ابتداءً من سنة 2027 للفئات المعنية. كما تتضمن الإجراءات مراجعة بعض معاشات الأرامل.
فالمتقاعد الذي يواجه ارتفاع نفقات العلاج والسكن والغذاء يحتاج إلى تحسين ملموس في دخله الحالي. ولا تكفي الوعود الممتدة إلى سنة 2031 للإجابة عن جميع احتياجاته العاجلة.
ويحتاج المشروع أيضاً إلى توضيح العلاقة بين هذه الزيادات وإصلاح أنظمة التقاعد. فاستدامة الصناديق المالية وحماية الحقوق المكتسبة مسألتان مترابطتان.
ومن الضروري ألا تتحول معالجة الاختلالات المالية إلى تقليص غير متوازن لحقوق الأجراء والمتقاعدين.
الحماية الاجتماعية بين التوسع وجودة الخدمات
تخصص الحكومة، وفق المعطيات المعلنة، نحو 44.2 مليار درهم لورش الحماية الاجتماعية سنة 2027. وتشمل هذه الاعتمادات مواصلة الدعم الاجتماعي المباشر للأسر المستحقة.
كما يتضمن المشروع إجراءات تتعلق بمساعدة بعض الأسر في أداء فواتير الكهرباء، إلى جانب تحسين التحويلات الاجتماعية.
ويعكس هذا التوجه توسع دور الميزانية العامة في تمويل البرامج الاجتماعية. غير أن نجاح هذه البرامج يتطلب أكثر من زيادة الاعتمادات.
فدقة تحديد المستفيدين تظل شرطاً أساسياً لتحقيق العدالة. كما ينبغي أن تكون إجراءات الاستفادة واضحة، وأن تتوفر آليات لمعالجة الأخطاء والشكايات.
ولا تقل جودة الخدمات العمومية أهمية عن الدعم النقدي. فالأسر التي تتلقى مساعدة مالية قد تستمر في تحمل أعباء مرتفعة إذا ظلت خدمات الصحة والتعليم والنقل غير كافية.
لذلك، ينبغي تقييم الحماية الاجتماعية من خلال أثرها الشامل على ظروف المعيشة، وليس فقط عدد المستفيدين أو حجم التحويلات.
التشغيل.. أرقام المناصب لا تختزل أزمة الشباب
يتضمن مشروع قانون المالية لسنة 2027 إحداث 34,454 منصباً مالياً، وفق المعطيات المنشورة بشأن المشروع. وتتوزع غالبية المناصب على الوزارات والمؤسسات العمومية، مع حضور قطاعات الصحة والإدارة والأمن ضمن التوزيع المعلن.
وتوفر هذه المناصب فرصاً جديدة للولوج إلى الوظيفة العمومية. لكنها لا تمثل وحدها حلاً شاملاً لمشكلة البطالة، خصوصاً في صفوف الشباب والخريجين.
فالتحدي الأساسي يتمثل في خلق فرص شغل مستدامة داخل الاقتصاد الوطني. ويقتضي ذلك تحسين مناخ الاستثمار، ودعم المقاولات المنتجة، وربط التكوين بحاجيات سوق العمل.
كما ينبغي أن تخضع برامج إدماج الشباب لتقييم واضح. فعدد المستفيدين من التكوين لا يساوي بالضرورة عدد الأشخاص الذين حصلوا على عمل مستقر.
والسؤال الأهم هو مدى قدرة السياسات الاقتصادية على خلق دخل منتظم، يتيح للشباب الاستقلال الاقتصادي والمشاركة في التنمية.
التوازنات المالية.. من يتحمل كلفة الاختيارات؟
تتوقع الحكومة تسجيل نمو اقتصادي بنسبة 3.7% خلال سنة 2027، مقابل 4.7% متوقعة لسنة 2026. كما تستهدف الإبقاء على عجز الميزانية في حدود 3% من الناتج الداخلي الإجمالي.
وتستند هذه التوقعات إلى فرضيات تشمل موسماً فلاحياً متوسطاً، ومعدل تضخم في حدود 1.5%. وهي تقديرات وردت في العرض الرسمي المقدم أمام لجنة المالية بمجلس النواب.
فالتوسع في البرامج الاجتماعية يحتاج إلى تمويل مستقر. كما أن ضبط العجز لا ينبغي أن يتم على حساب الاستثمارات الضرورية أو جودة الخدمات العمومية.
ويطرح ذلك سؤالاً يتعلق بعدالة توزيع العبء الضريبي. فمن المهم معرفة مساهمة مختلف الفئات والقطاعات الاقتصادية في تمويل الالتزامات الجديدة.
كما ينبغي إخضاع النفقات العمومية للتقييم، حتى لا تتحول زيادة الميزانيات إلى هدف مستقل عن النتائج.
البرلمان أمام مسؤولية الرقابة والتعديل
انطلقت مناقشة مشروع قانون المالية رقم 60.26 داخل المؤسسة التشريعية، بعد تقديمه يوم 23 أكتوبر. وبرمج مجلس النواب مواصلة المناقشة العامة يوم الأربعاء 28 أكتوبر 2026.
ولا ينبغي أن يتحول النقاش إلى مجرد مواجهة بين الدفاع عن المشروع ورفضه. فالمطلوب تحديد ما يمكن تحسينه، وما يحتاج إلى ضمانات إضافية، وما يستدعي مراجعة الأولويات.
وتتحمل الحكومة مسؤولية تقديم معطيات مفصلة حول الكلفة المالية لكل إجراء. كما ينبغي توضيح آجال التنفيذ ومؤشرات قياس النتائج.
أما البرلمان، فتقع عليه مسؤولية مراقبة مدى انسجام الوعود مع الاعتمادات المخصصة لها.
القدرة الشرائية هي معيار النجاح
يحمل مشروع قانون المالية لسنة 2027 إجراءات اجتماعية وضريبية تستحق النقاش الجاد. فالتخفيف من الضريبة على الدخل ودعم المواد الأساسية وتحسين المعاشات يمكن أن يساهم في تخفيف بعض الأعباء.
لكن أثر هذه الإجراءات لن يكون متساوياً بين المواطنين. كما أن جزءاً من الإصلاحات المعلنة يرتبط بآجال تمتد إلى سنوات لاحقة.
ولهذا، ينبغي التمييز بين ما يقترحه المشروع لسنة 2027 وما تتعهد الحكومة بتحقيقه في أفق 2031.
إن الاختبار الحقيقي لا يكمن في حجم الأرقام التي تعرضها الحكومة، بل في انعكاسها على الحياة اليومية للمغاربة. فالمواطن يقيس القدرة الشرائية بما يستطيع توفيره من غذاء وسكن وعلاج وتعليم، لا بحجم الاعتمادات وحدها.
وأمام حكومة المنصوري فرصة لإثبات أن مشروعها المالي يتجاوز منطق الإعلان إلى منطق النتائج. غير أن ذلك يتطلب شفافية في التنفيذ، ورقابة على الأسواق، وتقييماً دورياً للسياسات الاجتماعية.
وبين الوعود الحكومية وانتظارات المواطنين، يظل السؤال قائماً: هل ستترجم مالية 2027 إلى تحسن ملموس في مستوى المعيشة، أم ستبقى الفجوة قائمة بين الأرقام المعلنة والواقع الاجتماعي؟
