f x ig yt
الجمعة، 16 أكتوبر 2026
جديد الإختيار

القدرة الشرائية في المغرب.. التضخم يتراجع ومستوى المعيشة تحت الضغط

الأرقام الرسمية تكشف مفارقة بين تراجع سنوي لمؤشر الأسعار واستمرار شعور واسع بتدهور مستوى المعيشة، فيما يعيد ارتفاع كلفة النقل والمحروقات الضغط على ميزانيات الأسر.

ملفات ساخنة 📅 1 أكتوبر 2026 ⏱ 5 دقائق
سوق للخضر بفم زكيد بالمغرب – صورة تعبيرية عن أسعار المواد الغذائية والقدرة الشرائيةBernhard/ Holub

تضع أحدث المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية في المغرب القدرة الشرائية أمام مفارقة لافتة. فمن جهة، تظهر بيانات الأسعار تراجعاً سنوياً لمؤشر أسعار الاستهلاك خلال غشت 2026، ومن جهة أخرى، تكشف آخر نتائج بحث الظرفية لدى الأسر أن غالبية واسعة من المغاربة الذين شملهم البحث يعتبرون أن مستوى معيشتهم تراجع خلال الاثني عشر شهراً السابقة.

ولا يعني هذا التباين وجود تناقض بين الأرقام، بقدر ما يكشف الفرق بين مؤشر يقيس تطور الأسعار خلال فترة محددة وبين تجربة الأسرة التي تتشكل من مستوى دخلها وتراكم النفقات وأسعار الغذاء والنقل والسكن والخدمات. فالقدرة الشرائية لا تتحسن تلقائياً بمجرد انخفاض معدل التضخم، خصوصاً عندما تكون الأسعار قد سجلت زيادات خلال فترات سابقة وأصبحت الأسرة تتعامل مع مستوى جديد من الإنفاق.

الأسعار تتراجع سنوياً لكنها ترتفع شهرياً

أظهرت بيانات المندوبية السامية للتخطيط أن مؤشر أسعار الاستهلاك ارتفع خلال غشت 2026 بنسبة 0.8 في المائة مقارنة بشهر يوليوز، نتيجة ارتفاع أسعار المواد الغذائية بنسبة 0.9 في المائة والمواد غير الغذائية بنسبة 0.7 في المائة.

وعلى أساس سنوي، تبدو الصورة مختلفة، إذ انخفض المؤشر العام بنسبة 0.3 في المائة مقارنة بغشت 2025، نتيجة تراجع أسعار المواد الغذائية بنسبة 3.9 في المائة، مقابل ارتفاع أسعار المواد غير الغذائية بنسبة 2.5 في المائة.

ويكشف تفصيل الأرقام أن الضغوط لم تختف، وإنما تغير توزيعها بين مكونات إنفاق الأسرة. فقد سجل بند النقل ارتفاعاً سنوياً قدره 7.3 في المائة، بينما ارتفعت أسعار المحروقات وحدها بنسبة 9.8 في المائة بين يوليوز وغشت.

وهنا تظهر إحدى صعوبات قراءة القدرة الشرائية من خلال معدل التضخم العام وحده. فقد ينخفض متوسط الأسعار سنوياً نتيجة تراجع مجموعة مهمة مثل المواد الغذائية، في الوقت الذي ترتفع فيه نفقات أخرى يتحملها المواطن بصورة منتظمة.

78.3% من الأسر تتحدث عن تدهور مستوى المعيشة

الصورة الاجتماعية تصبح أكثر وضوحاً عند الانتقال من مؤشر الأسعار إلى نتائج بحث الأسر. فقد أظهرت نتائج بحث الظرفية للمندوبية السامية للتخطيط خلال الربع الثاني من 2026 أن 78.3 في المائة من الأسر صرحت بأن مستوى معيشتها تدهور خلال الاثني عشر شهراً السابقة، مقابل 16.5 في المائة قالت إنه استقر و5.2 في المائة فقط اعتبرت أنه تحسن.

كما بلغت نسبة الأسر التي تتوقع تدهور مستوى المعيشة خلال الاثني عشر شهراً المقبلة 51 في المائة، مقابل 39.7 في المائة تتوقع استقراره و9.3 في المائة تتوقع تحسنه.

وانعكس هذا المزاج على مؤشر ثقة الأسر، الذي استقر عند 60.1 نقطة في الربع الثاني من 2026، منخفضاً مقارنة بالربع السابق، وإن ظل أفضل من مستواه خلال الفترة نفسها من السنة الماضية.

ولا ينبغي قراءة هذه النسب باعتبارها قياساً مباشراً للأسعار، لأنها تعكس تصورات الأسر بشأن مستوى معيشتها. لكنها تظل مؤشراً مهماً على المسافة التي قد تفصل بين تحسن بعض المؤشرات الاقتصادية وبين إحساس المواطن بالتغيير في ميزانيته اليومية.

لماذا لا يكفي انخفاض التضخم؟

السبب يرتبط بطبيعة التضخم نفسه. فعندما يتباطأ التضخم، لا يعني ذلك بالضرورة أن الأسعار عادت إلى مستوياتها القديمة، وإنما قد يعني ببساطة أنها أصبحت ترتفع بوتيرة أبطأ، أو أن انخفاض بعض السلع عوض ارتفاع سلع وخدمات أخرى داخل المؤشر العام.

أما الأسرة فلا تتعامل مع المتوسط الإحصائي، وإنما مع ميزانية محددة. وهي تدفع مقابل الغذاء والتنقل والسكن والفواتير والصحة والتعليم وغيرها من المصاريف، ثم تقارن مجموع هذه الالتزامات بدخلها المتاح.

ومن هنا تصبح القدرة الشرائية علاقة بين طرفين: ما يدخل إلى ميزانية الأسرة وما يخرج منها. وإذا لم تتطور المداخيل بالوتيرة التي تراكمت بها تكاليف المعيشة، يمكن أن يستمر الإحساس بالضغط حتى عندما تتراجع معدلات التضخم.

المحروقات والنقل يعيدان الضغط

ويأتي ارتفاع كلفة النقل ليضيف عنصراً جديداً إلى هذه المعادلة. ففي 30 شتنبر، قررت الحكومة مواصلة الدعم المباشر والاستثنائي الموجه إلى مهنيي نقل الأشخاص والبضائع، على أن تراعي قيمته ارتفاع أسعار المحروقات.

وقالت الحكومة إن الإجراء يستهدف الحفاظ على انتظام تزويد الأسواق واستمرار خدمات النقل العمومي بالتعريفة الحالية دون زيادة بالنسبة إلى المواطنين.

كما أعلنت أن الاحتياطي المتوفر من الغازوال وغاز البوتان يغطي فترة تتراوح بين 40 و60 يوماً، مع استمرار عمليات تزويد السوق.

والأثر الاجتماعي للمحروقات لا يرتبط فقط بما يدفعه صاحب السيارة عند محطة الوقود، لأن النقل يدخل في كلفة توزيع المنتجات والسلع بين مناطق الإنتاج والأسواق. ولهذا فإن استمرار ارتفاع الطاقة يمكن أن يتحول إلى ضغط غير مباشر على ميزانية الأسرة حتى بالنسبة إلى من لا يملك سيارة.

الدولة تواصل دعم المواد الأساسية

في المقابل، تستمر الدولة في تحمل جزء من تكلفة بعض المواد الأساسية عبر نظام المقاصة. وتشير وثائق وزارة الاقتصاد والمالية إلى برمجة 13.77 مليار درهم خلال 2026 لمواصلة دعم غاز البوتان والسكر والدقيق الوطني من القمح اللين.

ويهدف هذا التدخل إلى الحد من انتقال التكلفة الكاملة لهذه المواد إلى المستهلك، لكنه يكشف في الوقت نفسه حجم التحدي الذي تواجهه السياسة الاجتماعية عندما ترتفع أسعار الطاقة أو المواد الأولية في الأسواق الدولية.

وبين الدعم المباشر وغير المباشر وتطور الأسعار، يبقى العنصر الحاسم بالنسبة إلى الأسرة هو الدخل المتاح في نهاية الشهر وقدرته على تغطية النفقات الأساسية، وليس اتجاه مؤشر اقتصادي واحد بمعزل عن بقية عناصر المعيشة.

القدرة الشرائية أبعد من رقم التضخم

المعطيات المتاحة حتى بداية أكتوبر ترسم لذلك صورة أكثر تعقيداً من القول إن الأسعار ارتفعت أو انخفضت. فالمؤشر العام تراجع على أساس سنوي في غشت، وأسعار الغذاء سجلت انخفاضاً ملحوظاً مقارنة بالسنة السابقة، لكن النقل والمواد غير الغذائية تحركت في الاتجاه الآخر، بينما ما زالت غالبية الأسر التي شملها آخر بحث للظرفية تتحدث عن تراجع مستوى المعيشة.

لهذا سيكون قياس التحسن الاجتماعي خلال المرحلة المقبلة مرتبطاً بمدى تحول استقرار الأسعار إلى تحسن ملموس في العلاقة بين دخل الأسرة ونفقاتها. فالأرقام الاقتصادية يمكن أن تشير إلى انحسار موجة التضخم، لكن استعادة القدرة الشرائية تحتاج إلى أكثر من تباطؤ الأسعار؛ تحتاج إلى أن يشعر المواطن بأن دخله أصبح مرة أخرى قادراً على ملاحقة تكلفة حياته اليومية.

شارك المقال فيسبوك إكس تيليغرام

اقرأ أيضاً

اترك تعليقاً