f x ig yt
الخميس، 15 أكتوبر 2026
جديد الإختيار

الصحراء المغربية تدخل مرحلة التفاصيل.. ماذا يكشف تقرير غوتيريش عن المفاوضات خلف الأبواب؟

ثلاث جولات تفاوضية أعادت المغرب والبوليساريو والجزائر وموريتانيا إلى النقاش المباشر، فيما انتقل الحوار من عرض المواقف إلى قضايا أكثر تعقيداً تشمل الحكم الذاتي والمرحلة الانتقالية والضمانات وتقاسم الموارد، من دون أن يعني ذلك أن التسوية أصبحت محسومة.

ملفات ساخنة 📅 5 أكتوبر 2026 ⏱ 6 دقائق
سيارات تابعة لبعثة الأمم المتحدة «المينورسو» في مدينة العيون؛ وتعود مهمة البعثة إلى واجهة النقاش مع تحرك المسار السياسي واقتراب مناقشات مجلس الأمن. المصدر أسفل الصورة: Wikimedia Commons – CC BY-SA 4.0.

لم يعد الجديد في ملف الصحراء مجرد عودة القضية إلى مجلس الأمن في أكتوبر، كما يحدث كل عام مع اقتراب موعد تجديد ولاية بعثة المينورسو. الجديد هذه المرة يوجد في طبيعة ما جرى بعيداً عن الاجتماعات العلنية، إذ تكشف المعطيات الواردة في تقرير الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش أن سنة 2026 شهدت انتقالاً من محاولة إعادة الأطراف إلى الحوار نحو مناقشة بعض العناصر العملية التي يمكن أن تدخل في بناء تسوية سياسية.

التقرير، المؤرخ في فاتح أكتوبر والحامل للرمز S/2026/781، مسجل ضمن تقارير الأمين العام المقدمة إلى مجلس الأمن. غير أن النسخة العامة الرسمية الكاملة لم تكن، حتى 5 أكتوبر، منشورة بعد على موقع الأمم المتحدة، فيما أكدت الجهة الأممية المكلفة بالنشر أن إتاحتها متوقعة في 16 أكتوبر. ولهذا فإن التفاصيل المتداولة حالياً تستند إلى نسخة أولية وصلت إلى أعضاء مجلس الأمن واطلعت عليها وسائل إعلام، وهو تمييز ضروري بين وجود التقرير رسمياً وبين نشر نسخته النهائية للعموم.

ثلاث جولات بعد سنوات من الجمود

بحسب النسخة التي اطلعت عليها عدة وسائل إعلام، استؤنفت خلال الأشهر الأولى من 2026 مفاوضات مباشرة بمشاركة المغرب وجبهة البوليساريو والجزائر وموريتانيا، في تطور أنهى سنوات من غياب هذا النوع من الاجتماعات. وعُقدت الجولة الأولى في واشنطن يومي 18 و19 يناير، والثانية في مدريد يومي 8 و9 فبراير، قبل العودة إلى واشنطن في 23 و24 فبراير لجولة ثالثة.

قاد المسار المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة ستافان دي ميستورا إلى جانب الولايات المتحدة، بينما شارك المغرب والجزائر وموريتانيا على مستوى وزراء الخارجية ومثلت البوليساريو شخصية مسؤولة عن سياستها الخارجية.

الأهمية هنا لا تتعلق بعدد الاجتماعات فقط. فقد سبق لملف الصحراء أن عرف جولات ومشاورات انتهت إلى إعادة إنتاج الخلافات نفسها، لكن ما تسجله معطيات تقرير 2026 هو انتقال جزء من النقاش نحو تفاصيل أكثر تحديداً بشأن شكل التسوية الممكنة وآليات الوصول إليها.

الحكم الذاتي ينتقل من العنوان إلى التفاصيل

أحد أبرز العناصر التي تكشفها النسخة المتداولة يتعلق بمبادرة الحكم الذاتي المغربية. فالمغرب لم يدخل مفاوضات 2026 بالنص الذي قدمه سنة 2007 فقط، وإنما أعد مشروعاً أكثر تفصيلاً لـ«نظام أساسي للحكم الذاتي»، جرى تقاسمه في يناير مع المبعوث الأممي والولايات المتحدة والمشاركين الآخرين باعتباره أرضية قابلة للتفاوض وليس اتفاقاً نهائياً.

وأخذت المفاوضات المقترح المغربي أساساً للمحادثات في سياق قرار مجلس الأمن 2797 الصادر في أكتوبر 2025، وهو القرار الذي أعطى زخماً جديداً للمسار السياسي. لكن اتخاذ الحكم الذاتي أساساً للتفاوض لا يعني أن تفاصيله أصبحت متفقاً عليها بين الأطراف، وهي نقطة أساسية لفهم ما يقوله التقرير وما لا يقوله.

فالخلاف انتقل جزئياً إلى مضمون الحكم الذاتي نفسه: صلاحيات المؤسسات المحلية، والضمانات، وشكل العلاقة بالسلطة المركزية، وطبيعة المرحلة التي قد تقود إلى تطبيق أي اتفاق محتمل. كما ظلت قضايا السيادة وتقرير المصير من أكثر المسائل التي تفصل مواقف الأطراف.

ووفق المعطيات المتداولة من التقرير، أكد دي ميستورا أن أي صيغة للحكم الذاتي ينبغي أن تستجيب لمعايير دولية مرتفعة، وأن ترتبط بضمانات وبعملية تشاور ذات معنى مع سكان الإقليم. وهذا يعني أن الانتقال من قبول فكرة التفاوض على أساس الحكم الذاتي إلى الاتفاق على نموذج محدد له يظل مساراً سياسياً قائماً بذاته.

«مجلس انتقالي» يظهر على طاولة النقاش

أكثر ما يميز جولة مدريد هو دخول فكرة المرحلة الانتقالية إلى المفاوضات. فقد ناقش المشاركون إمكانية إنشاء «مجلس انتقالي» يتولى إدارة عدد من العمليات المرتبطة بتلك المرحلة، ويوفر في الوقت نفسه فضاءً لمواصلة التفاوض حول تفاصيل التسوية.

لكن التقرير، وفق النسخ التي نقلت عنها وسائل الإعلام، لا يقول إن الأطراف اتفقت على إنشاء المجلس، ولا إن مرحلة انتقالية أقرت بالفعل. ما يثبته هو أن هذه الأفكار أصبحت موضع نقاش مباشر، وهو فارق جوهري بين طرح آلية للتفاوض واعتمادها.

وتجاوزت المناقشات اسم المجلس إلى ملفات أكثر حساسية تتصل بكيفية إدارة أي انتقال محتمل، ومنها الضمانات الدولية، وتقاسم الموارد، والمصالحة، والترتيبات الأمنية، والأنظمة الانتخابية، إلى جانب قضايا مرتبطة بنزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج.

كما طرحت موريتانيا، بحسب التقرير المتداول، فكرة لجنة تتولى معالجة مسألة الحدود الدولية بصورة توافقية، وهو ما يبين اتساع النقاش من المبادئ السياسية العامة إلى ملفات يمكن أن تصبح شديدة التعقيد إذا وصلت الأطراف فعلاً إلى مرحلة صياغة اتفاق.

أين بقي الخلاف؟

هذا التحرك لا يعني أن المسافة بين الأطراف اختفت. فخلال الجولة الثالثة في واشنطن برزت مجدداً قضيّتا السيادة وتقرير المصير باعتبارهما من أعقد نقاط التباعد، الأمر الذي دفع إلى مواصلة معالجة بعض الملفات بصورة منفصلة مع الأطراف.

وهنا تظهر الصورة الأكثر توازناً لمسار 2026. هناك تحول واضح مقارنة بسنوات الجمود، وهناك مفاوضات تناولت موضوعات أكثر تفصيلاً من السابق، لكن ذلك لا يساوي التوصل إلى تسوية.

المغرب يتمسك بالحكم الذاتي تحت سيادته باعتباره أساس الحل، بينما تتمسك جبهة البوليساريو بموقفها المرتبط بتقرير المصير. وهذا الخلاف ليس تفصيلاً يمكن تجاوزه بمجرد الاتفاق على ترتيبات إدارية أو انتقالية، بل يقع في صلب النزاع السياسي نفسه.

مجلس الأمن أمام شهر حاسم للمينورسو

تأتي هذه المعطيات قبل اجتماعين مغلقين لمجلس الأمن يومي 7 و8 أكتوبر. ومن المقرر أن تخصص جلسة 7 أكتوبر للدول المساهمة بقوات في المينورسو، على أن يجري المجلس في اليوم التالي مشاورات مغلقة حول الملف.

وسيكون أمام أعضاء المجلس لاحقاً قرار آخر يتعلق بولاية المينورسو، التي تنتهي في 31 أكتوبر. وكانت البعثة قد أنشئت سنة 1991، واستمرت مهمتها رغم انهيار وقف إطلاق النار سنة 2020، فيما تقول الأمم المتحدة إنها تواصل مراقبة الوضع والتحقيق في التطورات والعمل مع الأطراف من أجل خفض التوتر.

ولذلك ستكون قراءة تقرير غوتيريش مرتبطة بسؤالين متداخلين: ما إذا كان الزخم السياسي الذي سجل خلال 2026 قادراً على الاستمرار، وما الدور الذي ستحتفظ به المينورسو إذا انتقلت العملية السياسية فعلاً إلى مرحلة مختلفة.

بين التحول السياسي والمبالغة في إعلان الحسم

بالنسبة إلى المغرب، يمثل جعل مبادرة الحكم الذاتي أساساً للمفاوضات تطوراً دبلوماسياً مهماً، خصوصاً بعدما أصبحت تفاصيل المقترح نفسها موضوع نقاش. لكن القراءة المهنية للتقرير تقتضي عدم الانتقال من هذه الحقيقة إلى استنتاج أن النزاع انتهى أو أن الأطراف وافقت على الصيغة المغربية كاملة.

وبالمقابل، فإن اختزال التطورات في استمرار الجمود يتجاهل أيضاً ما تغير خلال السنة الأخيرة. ثلاث جولات تفاوضية ومناقشة مجلس انتقالي واتفاق إطار محتمل وضمانات دولية وترتيبات أمنية وانتخابية تعني أن طاولة التفاوض دخلت منطقة أكثر عملية مما عرفته خلال سنوات.

المسافة المتبقية، مع ذلك، ليست صغيرة. فحين وصلت المباحثات إلى السيادة وتقرير المصير ظهرت حدود التقارب من جديد، وهو ما يفسر استمرار دي ميستورا في الاتصالات الثنائية.

لهذا قد يكون التحول الحقيقي الذي يكشفه تقرير 2026 أقل إثارة من إعلان «حسم ملف الصحراء»، لكنه أكثر أهمية من الناحية السياسية: المفاوضات بدأت تلامس سؤال كيفية بناء التسوية، بعدما ظلت لسنوات عالقة في سؤال كيفية إعادة الأطراف إلى طاولة واحدة. أما معرفة ما إذا كانت هذه التفاصيل ستتحول إلى اتفاق فعلي، فستتوقف على ما يحدث بعد اجتماعات أكتوبر، وليس على العناوين التي سبقتها.

شارك المقال فيسبوك إكس تيليغرام

اقرأ أيضاً

اترك تعليقاً