f x ig yt
الخميس، 15 أكتوبر 2026
جديد الإختيار

التضخم يتراجع والفاتورة لا تتراجع.. لماذا لا تشعر الأسر المغربية بانخفاض الأسعار؟

الأرقام العامة تشير إلى استقرار نسبي في التضخم، لكن ارتفاع أسعار الخضر والمحروقات واستمرار كلفة المواد الأساسية يكشف أن تحسن المؤشر الإحصائي لا يعني بالضرورة عودة الأسعار إلى مستوياتها السابقة، ولا ينعكس بالوتيرة نفسها على ميزانيات الأسر.

قضايا اجتماعية 📅 5 أكتوبر 2026 ⏱ 5 دقائق
سوق للخضر بمدينة سلا. تعيد تقلبات أسعار المواد الأساسية النقاش حول الفارق بين تراجع معدل التضخم وما تتحمله الأسر فعلياً من تكاليف المعيشة. صورة: Mounir Neddi / Wikimedia Commons – CC BY-SA 4.0 Alt:

قد يبدو المشهد متناقضاً للوهلة الأولى. تتحدث المؤشرات الاقتصادية عن بقاء التضخم تحت السيطرة، بينما يدخل المستهلك المغربي إلى السوق فيجد أن جزءاً مهماً من نفقاته اليومية لم يعد إلى المستويات التي عرفها قبل موجة الغلاء. ومع بداية أكتوبر، عادت أسعار عدد من الخضر الأساسية إلى الارتفاع في أسواق الجملة، في وقت ما تزال فيه المحروقات ومواد غذائية أخرى تضغط على ميزانيات الأسر.

هذه المفارقة لا تعني بالضرورة وجود خطأ في أرقام التضخم، بقدر ما تكشف الفرق بين ما يقيسه المؤشر الإحصائي وما يشعر به المواطن عندما يدفع ثمن مشتريات تتكرر يومياً. فتراجع معدل التضخم يعني أن وتيرة ارتفاع المستوى العام للأسعار أصبحت أبطأ، ولا يعني أن الأسعار انخفضت تلقائياً إلى مستوياتها السابقة.

البطاطس والطماطم تعيدان الأسعار إلى الواجهة

مع بداية أكتوبر، سجلت أسواق الجملة ارتفاعات شملت البطاطس والبصل والطماطم. وبحسب معطيات نقلها مهنيون في القطاع، تراوحت الزيادات في بعض الخضر الأساسية بين درهم وثلاثة دراهم، فيما أرجع فاعلون في السوق هذه الحركة إلى المرحلة الانتقالية التي يمر بها الإنتاج الفلاحي خلال هذه الفترة.

ووفق الأسعار التي جرى تداولها في سوق الجملة بمكناس، وصل سعر أحد أصناف البطاطس إلى نحو 5.5 دراهم بعدما كان في حدود 4.5 دراهم، وبلغ البصل خمسة دراهم، بينما سجلت الطماطم زيادة قُدرت بثلاثة دراهم. وهذه أسعار جملة وليست بالضرورة ما يدفعه المستهلك النهائي، لأن السلعة تمر بعد ذلك عبر حلقات النقل والتوزيع والبيع بالتقسيط.

غير أن الأهمية الاقتصادية لهذه التحركات لا تكمن فقط في عدد الدراهم المضافة إلى كيلوغرام من البطاطس أو الطماطم. فالخضر ليست سلعة عرضية في استهلاك الأسرة، وإنما مكون شبه يومي في سلتها الغذائية. ولذلك يكون أثر ارتفاعها محسوساً بصورة أكبر لدى الأسر التي تخصص جزءاً مرتفعاً من دخلها للغذاء.

عندما ينخفض التضخم ولا تنخفض الأسعار

هنا تظهر إحدى أكثر المسائل الاقتصادية التباساً في النقاش العام. عندما ينتقل التضخم، على سبيل المثال، من مستوى مرتفع إلى مستوى منخفض، لا يعني ذلك أن سلعة ارتفع ثمنها من عشرة إلى خمسة عشر درهماً ستعود إلى عشرة دراهم. قد يعني ببساطة أن ثمنها لم يعد يرتفع بالسرعة السابقة.

ولهذا يمكن أن تتحسن مؤشرات التضخم بينما يظل المواطن مقتنعاً بأن الغلاء مستمر. فهو يقارن ما يدفعه اليوم بما كان يدفعه قبل عامين أو ثلاثة، بينما يقيس معدل التضخم تغير الأسعار خلال فترة محددة مقارنة بفترة أخرى.

وتصبح المسافة بين المؤشرين أكثر وضوحاً عندما تتركز الزيادات في السلع التي يصعب على الأسرة الاستغناء عنها. فارتفاع سلعة غير أساسية قد يمر من دون تأثير مباشر على جزء كبير من السكان، أما الغذاء والنقل والطاقة والسكن فتدخل في النفقات المتكررة، ولذلك يكون وزنها في الإحساس بالقدرة الشرائية أكبر.

ليست كل الأسر أمام التضخم نفسه

هناك أيضاً جانب اجتماعي لا يظهر كاملاً عند الاكتفاء بمتوسط التضخم. فالأسرة ذات الدخل المرتفع لا توزع ميزانيتها بالطريقة نفسها التي توزعها بها أسرة محدودة الدخل. وكلما ارتفعت حصة الغذاء والنقل والفواتير من الدخل الشهري، أصبح أي تغير في هذه الأسعار أكثر تأثيراً.

لذلك يمكن لمعدل وطني واحد أن يخفي تجارب معيشية مختلفة. فإذا ارتفعت المواد الغذائية الأساسية بينما استقرت أو انخفضت أسعار سلع أخرى، فقد يبدو متوسط الأسعار مطمئناً نسبياً، في حين لا يشعر المستهلك محدود الدخل بهذا التحسن لأنه يشتري أساساً المنتجات التي ظلت مرتفعة.

ويزداد الضغط عندما لا تتحرك المداخيل بالسرعة نفسها. فالقضية لا تتعلق بالسعر وحده، وإنما بالعلاقة بين ما تكسبه الأسرة وما تحتاج إلى دفعه لتغطية احتياجاتها. وإذا استقرت الأسعار عند مستوى مرتفع بينما بقي الدخل دون تغير كبير، فإن القدرة الشرائية لا تستعيد تلقائياً ما فقدته خلال سنوات التضخم.

من سوق الجملة إلى متجر الحي

تثير تحركات أسعار الخضر مرة أخرى مسألة مسالك التوزيع، وهي حلقة أساسية في فهم الفارق بين سعر المنتج والسعر الذي يصل إلى المستهلك. فالمنتج الفلاحي قد يمر عبر أكثر من وسيط قبل بلوغ سوق التقسيط، وتضاف في الطريق تكاليف النقل والتخزين وهوامش الوسطاء والبائعين.

ولا يعني ذلك أن كل فارق بين سعر الجملة والتقسيط دليل على مضاربة، لأن التوزيع نفسه له تكاليف حقيقية. لكن اتساع الفارق بصورة غير مبررة يجعل شفافية سلسلة الأسعار جزءاً من حماية القدرة الشرائية، بدلاً من حصر النقاش في مراقبة الأسعار عند نقطة البيع الأخيرة.

كما أن تفسير الارتفاعات بالعوامل الموسمية أو بالانتقال بين المواسم الفلاحية يمكن أن يشرح جزءاً من التقلب، لكنه لا يلغي الحاجة إلى تتبع ما يحدث بين الحقل وسوق الجملة والمتجر. فالمستهلك لا يتعامل في النهاية مع السعر عند المنتج، بل مع الرقم المكتوب أمامه في السوق.

القدرة الشرائية ستكون اختباراً للحكومة المقبلة

يتزامن تجدد النقاش حول الأسعار مع مشاورات تشكيل الحكومة الجديدة، وهو ما يمنح الملف بعداً سياسياً إضافياً. فبعد انتهاء الانتخابات، لن يكون الحكم على السياسات الاجتماعية مرتبطاً فقط بحجم الدعم المعلن أو المؤشرات الاقتصادية الكلية، بل بقدرتها على تغيير ما تدفعه الأسر وما يتبقى من دخلها في نهاية الشهر.

التحدي هنا أكثر تعقيداً من محاولة خفض رقم التضخم وحده. المطلوب هو التعامل مع إنتاج الغذاء ومسالك التوزيع والمنافسة وتكاليف الطاقة والنقل ومستويات الدخل باعتبارها أجزاء مترابطة من المشكلة نفسها، لأن استقرار مؤشر واحد لا يكفي عندما تستمر النفقات الأساسية في استنزاف حصة كبيرة من الميزانية.

وتكشف أسعار بداية أكتوبر هذه الفجوة بوضوح. الاقتصاد قد يسجل تباطؤاً في وتيرة ارتفاع الأسعار، لكن الأسرة لا تشتري «معدل التضخم» عندما تدخل السوق؛ إنها تشتري البطاطس والطماطم والخبز، وتدفع ثمن الوقود والنقل والسكن والفواتير. ومن هذه السلة اليومية، لا من المؤشر المجرد وحده، يتشكل في النهاية إحساسها الحقيقي بتحسن القدرة الشرائية أو تراجعها.

شارك المقال فيسبوك إكس تيليغرام

اترك تعليقاً