f x ig yt
السبت، 17 أكتوبر 2026
جديد الإختيار

حكومة المنصوري بين التجديد والاستمرارية.. هل تغيرت الوجوه أم موازين القرار؟

تثير التشكيلة الحكومية الجديدة في المغرب تساؤلات حول حدود التغيير السياسي، في ظل استمرار مسؤولين في قطاعات استراتيجية وانتقال آخرين إلى حقائب مختلفة، بينما تواجه الأغلبية اختباراً حقيقياً يتعلق بقدرتها على مراجعة السياسات السابقة وتحويل وعود الإصلاح إلى نتائج ملموسة.

الحكومة والبرلمان 📅 17 أكتوبر 2026 ⏱ 7 دقائق
فاطمة الزهراء المنصوري خلال تصريح صحفي أمام وسائل الإعلام. (الصورة: أرشيفية)

أعاد تشكيل الحكومة المغربية بقيادة فاطمة الزهراء المنصوري طرح نقاش سياسي يتجاوز أسماء الوزراء وتوزيع الحقائب، ليمس طبيعة التغيير الممكن داخل المؤسسات التنفيذية، وحدود الاستمرارية في تدبير السياسات العمومية. فالتجديد الحكومي لا يقاس بعدد المسؤولين الذين يغادرون مناصبهم، كما أن استمرار بعض الوزراء لا يشكل في حد ذاته دليلاً على غياب التغيير، وإنما تتحدد القيمة السياسية لأي تشكيلة جديدة من خلال اختياراتها الاقتصادية والاجتماعية، وقدرتها على مراجعة الاختلالات السابقة وتحمل المسؤولية عن نتائج قراراتها.

وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في السياق المغربي، حيث تتداخل المسؤولية الحكومية مع الاختصاصات الدستورية لمؤسسات أخرى، بينما تتراكم انتظارات اجتماعية ترتبط بالقدرة الشرائية والتعليم والصحة والتشغيل والعدالة المجالية. ومن ثم، فإن السؤال الأساسي لا يتعلق بما إذا كانت الحكومة قد غيرت وجوهها، بل بما إذا كانت تمتلك برنامجاً سياسياً مختلفاً وأدوات عملية لتنفيذه.

الاستمرارية الحكومية بين الخبرة وإعادة إنتاج السياسات

تعكس التشكيلة الحكومية الجديدة حضور منطق الاستمرارية إلى جانب التجديد، وهو اختيار يمكن تفسيره بالحاجة إلى الحفاظ على انتظام العمل المؤسساتي ومواصلة المشاريع التي انطلقت خلال المرحلة السابقة. فالقطاعات الحكومية الكبرى ترتبط بالتزامات مالية وإدارية وبرامج متعددة السنوات، ولا يمكن تغيير توجهاتها بمجرد تعيين مسؤول جديد.

غير أن الاستمرارية لا ينبغي أن تتحول إلى حصانة سياسية للقرارات السابقة، خصوصاً عندما تكون نتائج بعض البرامج دون الأهداف المعلنة. فالوزير الذي يستمر في موقعه يظل مطالباً بتقديم حصيلة قابلة للتقييم، بينما يتعين على المسؤول الجديد توضيح ما يعتزم مراجعته من اختيارات سلفه، وما سيواصل تنفيذه، والأسباب التي تبرر ذلك.

وتبرز هنا إحدى المفارقات الأساسية في العمل الحكومي، إذ يمكن تقديم الاستقرار الإداري باعتباره ضمانة للنجاعة، في حين قد يرى المواطنون في استمرار الاختلالات دليلاً على محدودية الإصلاح. ولا يمكن الفصل بين هذين التفسيرين إلا بالعودة إلى النتائج الفعلية للسياسات العمومية، بعيداً عن الأحكام المسبقة المرتبطة بالأشخاص أو الانتماءات الحزبية.

موازين القرار وحدود المسؤولية السياسية

لا يمكن تحليل أي حكومة مغربية بمعزل عن البنية الدستورية التي تمارس داخلها اختصاصاتها. فدستور 2011 يحدد صلاحيات رئيس الحكومة ومجلس الحكومة، كما ينظم اختصاصات الملك والمجلس الوزاري في عدد من المجالات الأساسية. ويجعل هذا التوزيع من الضروري التمييز بين القرارات التي تتحمل الحكومة مسؤوليتها المباشرة، والتوجهات التي ترتبط بمؤسسات دستورية أخرى.

غير أن الاعتراف بهذا التوزيع لا يعني إعفاء السلطة التنفيذية من المحاسبة، لأن الحكومة تتولى إعداد السياسات العمومية وتنفيذها في مجالات واسعة، وتتصرف في موارد مالية وإدارية تؤثر مباشرة في حياة المواطنين. ولذلك فإن الحديث عن محدودية هامش القرار لا يصبح تفسيراً مقنعاً إلا عندما يقترن بتحديد الاختصاصات والمسؤوليات بصورة دقيقة.

وتظهر أهمية هذا النقاش عندما يتعلق الأمر بالإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية، حيث قد تتداخل البرامج الاستراتيجية طويلة المدى مع التدبير الحكومي اليومي. فالمعيار الذي ينبغي اعتماده ليس حجم الخطاب السياسي حول الإصلاح، وإنما مدى قدرة المؤسسات المعنية على التنسيق وتحمل المسؤولية وتقديم نتائج قابلة للقياس.

الأغلبية الحكومية واختبار الانسجام الحزبي

يفتح تشكيل أغلبية حكومية جديدة نقاشاً حول العلاقة بين البرامج الانتخابية للأحزاب والاختيارات التي تعتمدها بعد دخول السلطة. فالتوافق بين أحزاب مختلفة المرجعيات يمثل ممارسة مألوفة في الأنظمة البرلمانية، لكنه يفرض توضيح الأسس السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي يقوم عليها التحالف.

وتصبح هذه المسألة أكثر حساسية عندما تشارك في الحكومة أحزاب سبق أن انتقدت سياسات أو قرارات خلال وجودها في المعارضة. فالانتقال من المعارضة إلى التدبير لا يشكل تناقضاً في ذاته، لكنه يقتضي تفسير ما تغير في المواقف والظروف والبرنامج المشترك، حتى لا تتحول التحالفات إلى مجرد تفاهمات حول توزيع المسؤوليات.

ومن هذا المنطلق، سيكون البرنامج الحكومي أول اختبار حقيقي لمدى انسجام الأغلبية. فإذا قدم التزامات واضحة تتعلق بالتمويل والتنفيذ والآجال، أمكن مساءلة مكوناتها على أساس مشترك. أما إذا اكتفى بصياغات عامة حول التنمية والعدالة الاجتماعية، فسيبقى من الصعب تحديد المسؤولية السياسية عند ظهور الخلافات أو تعثر الإصلاحات.

الاقتصاد والمالية بين المشاريع الكبرى والأولويات الاجتماعية

تواجه الحكومة الجديدة تحدياً اقتصادياً يرتبط بالتوفيق بين الاستثمارات الكبرى والحاجات الاجتماعية المتزايدة. فالمغرب يواصل تنفيذ مشاريع للبنيات التحتية والنقل والتجهيز، بالتوازي مع التزامات مرتبطة بالحماية الاجتماعية وإصلاح الخدمات العمومية والاستعداد للاستحقاقات الدولية المقبلة.

ولا ينبغي التعامل مع هذه المجالات باعتبارها متعارضة بالضرورة، لأن الاستثمار في البنيات التحتية قد يسهم في خلق فرص العمل وتحسين جاذبية الاقتصاد. لكن الإشكال الحقيقي يتعلق بكيفية توزيع الموارد، والعائد الاجتماعي للمشاريع، ومدى استفادة المناطق والفئات الأقل حظاً من ثمار الاستثمار.

وتفرض هذه المعادلة على الحكومة تقديم تصور مالي واضح يربط الإنفاق العمومي بنتائجه، بدلاً من الاكتفاء بحجم الاعتمادات المرصودة. فارتفاع الميزانية المخصصة لقطاع معين لا يعني تلقائياً تحسن الخدمات، كما أن الإعلان عن مشاريع جديدة لا يكفي لإثبات أثرها الاقتصادي والاجتماعي.

ولهذا فإن اختبار السياسة المالية سيكون مرتبطاً بقدرتها على تقليص الفوارق المجالية، وتحسين جودة الخدمات، وتوسيع فرص التشغيل المنتج، مع المحافظة على التوازنات المالية دون تحميل الفئات الهشة كلفة غير متناسبة.

التعليم والصحة.. إصلاحات تحتاج إلى نتائج لا إلى وعود جديدة

يحتل التعليم والصحة موقعاً مركزياً في تقييم الأداء الحكومي، لأنهما من أكثر المجالات ارتباطاً بالحياة اليومية للمواطنين. وقد عرف القطاعان خلال السنوات الماضية برامج إصلاحية وتغييرات مؤسساتية، غير أن استمرار النقاش حول جودة الخدمات والتفاوتات الترابية يبرز الحاجة إلى تقييم موضوعي لما تحقق وما تعثر.

ففي التعليم، لا تكفي إعادة تنظيم البرامج أو الإعلان عن مبادرات تربوية جديدة ما لم ينعكس ذلك على مستوى التعلمات والحد من الهدر المدرسي وتحسين ظروف الدراسة. كما أن نجاح الإصلاح يتطلب معالجة الفوارق بين المؤسسات التعليمية، وضمان استقرار الموارد البشرية، وتوفير آليات مستقلة لتقييم النتائج.

أما في الصحة، فإن توسيع التغطية والحماية الاجتماعية ينبغي أن يترافق مع تحسين العرض الصحي، حتى لا يجد المواطن نفسه مستفيداً من حق قانوني يصعب تحويله إلى خدمة فعلية. ويقتضي ذلك معالجة النقص في الأطر والتجهيزات، وتحسين توزيع الخدمات بين المدن والمناطق القروية، وربط الإصلاح المؤسساتي بتجربة المرضى داخل المرافق الصحية.

وتتمثل المفارقة في أن الحكومات قد تنجح في إحداث هياكل جديدة أو إصدار نصوص تنظيمية، دون أن يتحقق بالسرعة نفسها التحسن المنتظر في الخدمات. ولذلك فإن الحكومة الجديدة مطالبة بتجاوز منطق الإعلان عن الإصلاح إلى تقديم حصيلة دورية تستند إلى مؤشرات واضحة يمكن التحقق منها.

رئاسة الحكومة والتمثيلية النسائية.. بين الدلالة الرمزية والتحول الفعلي

يمثل وصول امرأة إلى رئاسة الحكومة تطوراً مهماً في مسار المشاركة السياسية للنساء بالمغرب، لكنه لا ينبغي أن يحجب النقاش حول طبيعة حضورهن في المؤسسات ومواقع اتخاذ القرار. فالقيمة الرمزية لهذا التحول تكتسب معناها الأوسع عندما تنعكس على السياسات المتعلقة بالمساواة وتكافؤ الفرص والتمكين الاقتصادي والاجتماعي.

ولا يمكن اختزال التمثيلية السياسية في جنس المسؤول الذي يتولى المنصب، لأن تقييم الأداء الحكومي ينبغي أن يقوم على القرارات والنتائج. غير أن هذا المبدأ لا يلغي أهمية مساءلة الأحزاب والمؤسسات بشأن توسيع مشاركة النساء في المسؤوليات السياسية والإدارية، وتجاوز العوائق التي تحد من وصولهن إلى مواقع القرار.

ومن ثم، فإن التحدي لا يتعلق فقط بتسجيل سابقة سياسية، وإنما بتحويلها إلى فرصة لتعزيز المشاركة والمحاسبة على أساس الكفاءة والالتزام بالحقوق والمساواة.

البرلمان بين منح الثقة وممارسة الرقابة

يشكل عرض البرنامج الحكومي أمام البرلمان محطة دستورية أساسية، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى إجراء شكلي تضمن الأغلبية نتيجته مسبقاً. فالمناقشة البرلمانية تتيح اختبار انسجام التعهدات الحكومية مع الموارد المتاحة، كما تسمح بتحديد الأولويات التي ستخضع للمساءلة خلال الولاية.

وتبرز مسؤولية المعارضة في تقديم نقد يستند إلى المعطيات والبدائل، بعيداً عن المزايدات السياسية، بينما تقع على نواب الأغلبية مسؤولية ممارسة الرقابة على الحكومة التي يدعمونها. فالتأييد البرلماني لا يلغي واجب المساءلة، كما أن الاختلاف الحزبي لا يعفي المعارضة من تقديم مقترحات عملية.

وتصبح الرقابة ذات معنى عندما تتجاوز النقاشات العامة إلى تتبع تنفيذ الميزانيات والبرامج، واستدعاء المسؤولين لتفسير الاختلالات، ومقارنة النتائج بالتعهدات المعلنة. أما الاكتفاء بالمواجهة الخطابية، فإنه يضعف قدرة المؤسسة التشريعية على التأثير في السياسات العمومية.

من تغيير الأسماء إلى تغيير النتائج

لا يمكن إصدار حكم نهائي على حكومة جديدة قبل أن تبدأ ممارسة مسؤولياتها وتقدم برنامجها وتخضع قراراتها للاختبار. لكن ذلك لا يمنع من مساءلة منطق تشكيلها، وتحليل اختياراتها الأولى، ومطالبتها بتوضيح علاقتها بالسياسات السابقة.

فالاستمرارية قد تكون ضرورية عندما تحافظ على إصلاحات أثبتت جدواها، لكنها تصبح موضع نقد عندما تستخدم لتبرير اختلالات قائمة. والتجديد قد يفتح المجال أمام أفكار ومقاربات مختلفة، لكنه يفقد قيمته عندما يقتصر على تبديل المسؤولين دون تغيير أدوات التدبير أو معايير المحاسبة.

وبين هذين الاحتمالين ستتحدد القيمة السياسية لحكومة المنصوري. فالمغاربة لا ينتظرون مجرد أسماء جديدة في المسؤوليات الحكومية، وإنما سياسات تنعكس على جودة التعليم والصحة وفرص العمل والقدرة الشرائية والعدالة بين الجهات. وإذا كانت الحكومة الجديدة تريد تقديم نفسها باعتبارها بداية مرحلة مختلفة، فإن الاختبار الحقيقي لن يكون في خطابها الأول، بل في قدرتها على تحويل التعهدات إلى نتائج، والاعتراف بما يتعثر، وتحمل المسؤولية السياسية عن القرارات التي تتخذها.

شارك المقال فيسبوك إكس تيليغرام

اقرأ أيضاً

اترك تعليقاً