f x ig yt
الإثنين، 26 أكتوبر 2026
جديد الإختيار

مصفاة «سامير».. هل تتحول الوعود الانتخابية إلى قرار حكومي؟

بعد انتقال حزب التقدم والاشتراكية من المعارضة إلى تدبير قطاع الطاقة، تعود مصفاة المحمدية إلى واجهة المساءلة السياسية، وسط مطالب نقابية بإعادة تشغيلها وتعقيدات قضائية ومالية لم تُحسم بعد.

اقتصاد 📅 26 أكتوبر 2026 ⏱ 7 دقائق
مصفاة سامير، المحمدية، شرفات أفيلال، التقدم والاشتراكية، حكومة المنصوري، الأمن الطاقي، أسعار المحروقات، التصفية القضائية، إعادة التكرير، السياسة الطاقية.

بعد أكثر من أحد عشر عاماً على توقف الإنتاج بمصفاة «سامير» بالمحمدية، يعود مستقبل المنشأة الصناعية إلى صدارة النقاش السياسي والاقتصادي في المغرب. غير أن الجديد هذه المرة لا يقتصر على تجدد المطالب النقابية بإعادة تشغيلها، بل يرتبط أيضاً بالتغيير الذي طرأ على موقع حزب التقدم والاشتراكية، بعدما انتقل من الدفاع عن استئناف التكرير إلى المشاركة في الحكومة وتولي قطاع الطاقة والمعادن.

ويضع هذا التحول الحزب أمام امتحان سياسي مباشر، لأن برنامجه الانتخابي تضمن تصوراً لاستعادة أصول المصفاة وإعادة تأهيلها. كما يعيد طرح مسؤولية الحكومة بمختلف مكوناتها عن معالجة ملف ظل معلقاً منذ توقف الإنتاج سنة 2015، ودخول الشركة في مسطرة التصفية القضائية خلال السنة التالية.

ولا يكفي، في هذا السياق، إعلان التأييد لإعادة التشغيل أو التذكير بأهمية المصفاة للأمن الطاقي. فالمطلوب اليوم تحديد الخيارات القانونية والمالية والصناعية الممكنة، وبيان تكلفتها ومخاطرها، ثم اتخاذ قرار معلل يمكن إخضاعه للمحاسبة.

من المعارضة إلى وزارة الطاقة

اكتسب ملف «سامير» بعداً سياسياً جديداً مع تولي شرفات أفيلال، القيادية في حزب التقدم والاشتراكية، مسؤولية قطاع الطاقة والمعادن في الحكومة الجديدة. فقد دافع الحزب، خلال المرحلة السابقة، عن تدخل الدولة لاستعادة المصفاة وإعادة تشغيلها، وضمن برنامجه الانتخابي تصوراً يقوم على تفويت أصولها إلى الدولة وتحويل جزء من الديون العمومية إلى مساهمة في رأسمالها.

وتضمن التصور الحزبي أيضاً إعادة التأهيل الصناعي وتصحيح الوضع المالي والقانوني للمصفاة، ضمن أفق زمني يمتد إلى خمس سنوات، إلى جانب دراسة إمكانية إحداث مصفاة جديدة.

لكن الانتقال من المعارضة إلى الحكومة يغير طبيعة المسؤولية. فالحزب الذي كان يطالب السلطة التنفيذية باتخاذ القرار أصبح مطالباً بالمساهمة في إعداده والدفاع عنه داخل مجلس الحكومة، مع مراعاة الالتزامات القانونية والمالية للدولة.

ولا يعني ذلك أن وزيرة الطاقة تستطيع وحدها حسم مصير شركة خاضعة للتصفية القضائية. فالملف يتداخل مع اختصاصات القضاء ووزارة الاقتصاد والمالية والمؤسسات الدائنة، فضلاً عن الجوانب الصناعية والبيئية. غير أن هذا التعقيد لا يعفي الحزب أو الحكومة من تقديم موقف واضح بشأن الخيارات المطروحة.

إحدى عشرة سنة من التوقف

توقفت أنشطة تكرير النفط بمصفاة المحمدية سنة 2015، قبل أن تدخل الشركة في مسطرة التصفية القضائية سنة 2016. ومنذ ذلك الحين، تعاقبت محاولات البحث عن مشترٍ أو صيغة لاستئناف النشاط، دون أن تفضي إلى إعادة تشغيل المنشأة.

وخلال يناير 2026، مددت المحكمة التجارية بالدار البيضاء الإذن باستمرار النشاط القانوني للشركة لفترة إضافية، في إطار الحفاظ على بعض العقود والحقوق وإتاحة المجال لاستكمال مسطرة التفويت المحتمل. لكن هذا الإجراء لا يعني استئناف الإنتاج الصناعي، الذي ظل متوقفاً.

وفي فبراير من السنة نفسها، لم تقبل المحكمة عرض استحواذ تقدمت به شركة إماراتية، وقدرت قيمته بنحو 3.5 مليارات دولار. وأظهرت هذه التطورات أن وجود مستثمر محتمل لا يكفي وحده لإنهاء الملف، لأن أي تفويت يحتاج إلى استيفاء الشروط القانونية وضمان وضوح الالتزامات المرتبطة بالمنشأة.

وبذلك، لا تواجه الحكومة مجرد قرار إداري بإعادة فتح مصنع مغلق، وإنما ملفاً تتداخل فيه حقوق الدائنين ووضعية الأصول الصناعية ومتطلبات الاستثمار وإجراءات القضاء.

مشروع التفويت إلى الدولة سبق أن واجه الرفض

شهد يونيو 2026 محطة سياسية مهمة عندما رفضت الأغلبية الحكومية السابقة بمجلس المستشارين مقترح قانون يقضي بتفويت أصول مصفاة «سامير» إلى الدولة. وقد أعاد ذلك القرار النقاش حول حدود التدخل العمومي في إنقاذ المنشآت الصناعية الاستراتيجية.

واعتبر المدافعون عن المقترح أن المؤسسات العمومية تمثل جزءاً كبيراً من دائني الشركة، وأن تحويل الديون إلى حقوق ملكية قد يشكل مدخلاً لاستعادة المصفاة. في المقابل، تظل الجدوى القانونية والمالية لهذا الخيار رهينة بتقييم دقيق للديون والأصول وحقوق بقية الدائنين.

ويصبح من المشروع اليوم مساءلة الحكومة الجديدة عما إذا كانت ستعيد النظر في هذا المسار، خصوصاً مع مشاركة حزب سبق أن دافع عن صيغة قريبة منه.

كما ينبغي توضيح ما إذا كان الائتلاف الحكومي قد توصل إلى اتفاق بشأن مستقبل المصفاة، أم أن مكوناته لا تزال تحتفظ بمواقف مختلفة. فوجود التزام في برنامج حزب مشارك في الحكومة لا يجعله تلقائياً قراراً حكومياً معتمداً.

النقابات تعيد الملف إلى الواجهة

جددت الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بالمحمدية، خلال أكتوبر الجاري، مطالبتها بإعادة تشغيل مصفاة «سامير» وحماية الحقوق الاجتماعية والمهنية للأجراء. وربطت النقابة هذا المطلب بالحاجة إلى استعادة النشاط الصناعي وتعزيز الاقتصاد المحلي.

وفي 23 أكتوبر، عاد المكتب التنفيذي للجبهة الوطنية لإنقاذ المصفاة المغربية للبترول إلى المطالبة باستئناف التكرير ومراجعة نظام أسعار المحروقات، محذراً من استمرار تعرض الاقتصاد الوطني لتقلبات الأسواق الدولية.

وتعكس هذه المواقف استمرار التعبئة النقابية والمدنية حول المصفاة، لكنها لا تمثل بديلاً عن دراسة الجدوى الاقتصادية. فإعادة التشغيل قد تتطلب استثمارات كبيرة لتحديث التجهيزات والتأكد من مطابقتها للمعايير التقنية والبيئية.

ومن الضروري أيضاً حماية حقوق العمال أثناء البحث عن الحل، دون تقديم وعود بعودة فورية إلى الإنتاج قبل تحديد المتطلبات الصناعية والمالية الفعلية.

الأمن الطاقي لا يعني الاستغناء عن الاستيراد

يربط المدافعون عن إعادة تشغيل «سامير» بين التكرير المحلي وتعزيز الأمن الطاقي. ويستند هذا الطرح إلى أن وجود قدرة وطنية على معالجة النفط الخام قد يمنح المغرب مرونة إضافية في تدبير الإمدادات، خصوصاً خلال اضطراب الأسواق الدولية.

لكن إعادة تشغيل المصفاة لن تجعل المغرب مكتفياً ذاتياً من النفط، لأنه سيظل بحاجة إلى استيراد المادة الخام. كما أن التكرير المحلي لا يضمن تلقائياً انخفاض أسعار المحروقات، التي تتأثر بأسعار النفط وتكاليف التشغيل والنقل والتخزين والضرائب وهوامش التوزيع.

ولهذا، فإن المقارنة الاقتصادية يجب أن تشمل تكلفة استيراد النفط الخام وتكريره محلياً، مقابل تكلفة استيراد المنتجات المكررة مباشرة. وينبغي أن تأخذ الدراسة في الاعتبار الطاقة الإنتاجية الفعلية للمصفاة وحالتها التقنية وحجم الاستثمار اللازم لتحديثها.

كما يتطلب تقييم الأمن الطاقي النظر في قدرات التخزين وتنوع مصادر التوريد والبنيات اللوجستية، لا في وجود المصفاة وحده.

هل تملك الدولة القدرة على إعادة التأهيل؟

تطرح إعادة تشغيل «سامير» سؤالاً مالياً لا يمكن تجاوزه. فالمنشأة متوقفة منذ سنوات طويلة، وهو ما يستدعي تقييماً هندسياً مستقلاً لحالة الوحدات الصناعية وكلفة إعادة تأهيلها.

وتوجد عدة صيغ نظرية لمعالجة الملف، من بينها التفويت إلى مستثمر خاص، أو تدخل الدولة وفق إطار قانوني مناسب، أو اعتماد شراكة تجمع التمويل العمومي والخبرة الصناعية الخاصة.

لكن المفاضلة بين هذه الخيارات تحتاج إلى معطيات غير متاحة بصورة كاملة للرأي العام. وتشمل هذه المعطيات قيمة الأصول، والديون القابلة للتسوية، وتكاليف تحديث التجهيزات، والتوقعات المتعلقة بالربحية، والالتزامات البيئية.

ولا يجوز افتراض أن تدخل الدولة هو الخيار الأقل تكلفة دون دراسة، كما لا يصح اعتبار التفويت إلى مستثمر خاص حلاً مضموناً بمجرد الإعلان عن عرض شراء. فالقرار السليم ينبغي أن يستند إلى مقارنة شفافة بين البدائل.

المحمدية تدفع ثمن الانتظار

يتجاوز أثر توقف المصفاة حدود سوق المحروقات، لأن المنشأة ارتبطت لعقود بالنشاط الصناعي والتشغيل بمدينة المحمدية. وقد ترك توقف الإنتاج آثاراً على العمال والأنشطة الاقتصادية المرتبطة بها، إلى جانب استمرار الغموض بشأن مستقبل الموقع الصناعي.

وتحتاج المدينة إلى تصور تنموي واضح، سواء انتهى الملف بإعادة تشغيل المصفاة أو باعتماد حل صناعي آخر. فاستمرار الانتظار دون أفق محدد يضعف القدرة على التخطيط الاقتصادي والاجتماعي المحلي.

كما ينبغي إدراج الاعتبارات البيئية ضمن أي مشروع لإعادة التأهيل، لأن المنشآت الصناعية القديمة تحتاج إلى تقييم تقني وبيئي قبل استئناف الإنتاج.

ولا يمكن اختزال المصلحة العامة في حماية منشأة صناعية مهما بلغت أهميتها التاريخية. فالمعيار هو قدرتها المستقبلية على خلق قيمة اقتصادية وفرص عمل مستدامة، ضمن شروط السلامة والجدوى المالية.

الحكومة الجديدة أمام مسؤولية القرار

تملك الحكومة الجديدة فرصة لإخراج ملف «سامير» من دائرة السجال المتكرر إلى مسار مؤسساتي واضح. ويمكن أن يبدأ ذلك بتقديم تشخيص رسمي محين للوضعية القانونية والمالية والصناعية للمصفاة، مع تحديد البدائل المتاحة ومزايا كل منها وتكاليفها.

كما تحتاج الحكومة إلى توضيح موقع استئناف التكرير ضمن سياستها الطاقية، ومدى انسجامه مع خطط تطوير التخزين والطاقات المتجددة والبنيات التحتية.

أما حزب التقدم والاشتراكية، فأصبح مطالباً بتفسير كيفية ترجمة التزامه الانتخابي إلى سياسة حكومية. وإذا حالت صعوبات قانونية أو مالية دون تنفيذ تصوره الأصلي، فإن المصداقية السياسية تقتضي إعلان هذه الصعوبات وشرح البدائل، بدل ترك الوعد معلقاً دون مراجعة أو جدول زمني.

وتتحمل المعارضة بدورها مسؤولية تقديم مقترحات عملية، لا الاكتفاء باستثمار الملف في المواجهة الحزبية. فقد تعاقبت حكومات مختلفة على تدبير هذا الوضع دون الوصول إلى حل نهائي، وهو ما يجعل المحاسبة أوسع من حدود الأغلبية الحالية.

بين الوعد الانتخابي والقرار الاقتصادي

لم يعد ملف «سامير» مجرد قضية صناعية متعثرة، بل تحول إلى اختبار لقدرة الفاعلين السياسيين على الانتقال من المطالب العامة إلى قرارات قابلة للتنفيذ. وتزداد أهمية هذا الاختبار عندما يصبح أحد الأحزاب التي طالبت بإعادة التشغيل مسؤولاً عن القطاع الحكومي المعني بالطاقة.

غير أن الجدية لا تقاس بإعلان موعد متسرع لاستئناف الإنتاج، ولا برفض جميع البدائل باسم حماية المصلحة الوطنية. بل تقاس بقدرة الحكومة على تقديم دراسة واضحة، وحماية حقوق العمال والدائنين، واختيار صيغة تحقق أفضل توازن بين الأمن الطاقي والجدوى الاقتصادية والمالية.

ولا تتوفر، حتى الآن، معطيات موثقة تسمح بالجزم بأن الحكومة اتخذت قراراً نهائياً بإعادة تشغيل المصفاة أو حددت موعداً لذلك.

وبين استمرار التصفية القضائية وتجدد الوعود السياسية، يبقى السؤال الذي ينتظر جواباً حكومياً واضحاً: هل ستتحول «سامير» إلى مشروع صناعي قابل للحياة، أم ستظل عنواناً دائماً للفجوة بين البرامج الانتخابية والقرارات العمومية؟

شارك المقال فيسبوك إكس تيليغرام

اقرأ أيضاً

اترك تعليقاً