يحمل مشروع قانون المالية لسنة 2027 تحولاً مهماً في السياسة الضريبية الموجهة إلى الأجراء بالمغرب، بعدما أعلنت الحكومة مراجعة تدريجية للضريبة على الدخل تمتد إلى سنة 2031. ويقوم الإصلاح المقترح على توسيع الشريحة المعفاة وتقليص عدد الشرائح الضريبية، بما يسمح لفئات من العاملين بالاحتفاظ بجزء أكبر من أجورها. غير أن أهمية هذا الإجراء لا تعفي الحكومة من الإجابة عن سؤال اجتماعي أوسع: هل يمكن اعتبار تخفيف الضريبة على الأجور إصلاحاً منصفاً لجميع المغاربة، بينما توجد فئات لا تستفيد من هذا النوع من التدابير أصلاً؟
وتشير المعطيات التي عرضتها الحكومة إلى أن الإصلاح سيتيح إعفاء نحو 87.1 في المائة من الأجراء من الضريبة على الدخل، مع استهداف الأجور الشهرية التي تقل عن عشرة آلاف درهم وفق التعريف والحسابات المعتمدة في المشروع. ويشكل هذا التوجه مكسباً محتملاً للعاملين الذين كانوا يؤدون الضريبة، لكنه لا يعني بالضرورة حصول جميع المشمولين بالإعفاء على زيادة متساوية في دخلهم.
فالفرق بين إلغاء ضريبة قائمة وإعلان إعفاء لفئة لا تؤديها أصلاً فرق جوهري في تقييم الأثر الاجتماعي. كما أن القدرة الشرائية لا تتحدد بالدخل الصافي وحده، بل تتأثر بأسعار المواد الأساسية والسكن والنقل والعلاج والتعليم، وهي نفقات تختلف بحسب حجم الأسرة ومكان إقامتها.
إصلاح ضريبي يمتد لخمس سنوات
يقترح مشروع مالية 2027 رفع الحد السنوي للشريحة الأولى المعفاة من الضريبة على الدخل من 40 ألفاً إلى 60 ألف درهم، مع تقليص الشرائح الخاضعة للضريبة من خمس إلى ثلاث. ويحدد المشروع معدلات تصاعدية تبلغ 10 و20 و30 في المائة، بدلاً من الجدول السابق الذي كان يصل معدله الهامشي الأعلى إلى 37 في المائة.
وتقدم الحكومة هذا التعديل باعتباره وسيلة لتحسين الدخل الصافي وتشجيع العمل المصرح به. كما تربطه بتوجه أشمل لإعادة توزيع العبء الضريبي بين فئات الأجراء، على امتداد الفترة من 2027 إلى 2031.
لكن قراءة هذه الأرقام تحتاج إلى التمييز بين النسب الهامشية والضريبة الفعلية التي يؤديها كل أجير. فالمعدل الأعلى لا يطبق بالضرورة على مجموع الأجر، وإنما على الجزء الذي يدخل ضمن الشريحة المعنية، وفق القواعد القانونية المعتمدة.
ولهذا، ينبغي أن ترافق الحكومة الإصلاح بأمثلة حسابية واضحة تبين أثره على مختلف مستويات الأجور. كما يتعين توضيح المقصود بالأجر الذي يحتسب على أساسه سقف الإعفاء، حتى لا تختلط الأجور الإجمالية والصافية لدى المواطنين.
87 في المائة من الأجراء.. ماذا يعني الرقم؟
يمثل إعلان استفادة نحو 87.1 في المائة من الأجراء من الإعفاء الضريبي مؤشراً مهماً على اتساع نطاق الإصلاح داخل الفئة المستهدفة. غير أن هذا الرقم لا يعادل نسبة المستفيدين من مجموع السكان النشيطين أو من مجموع الأسر المغربية.
فالأجراء الذين يتقاضون أجوراً مصرحاً بها يشكلون فئة محددة داخل سوق العمل. وفي المقابل، توجد فئات من العاملين لحسابهم الخاص، وأصحاب الأنشطة الصغيرة، والعاملين في الاقتصاد غير المنظم، إلى جانب العاطلين عن العمل وغير النشيطين اقتصادياً.
ولا يعني عدم استفادة هذه الفئات من إعفاء ضريبة الأجور أنها محرومة بالضرورة من جميع برامج الدعم أو الإصلاحات الاجتماعية. لكنه يعني أن الإجراء الضريبي وحده لا يستطيع معالجة الفوارق الاجتماعية التي تتجاوز نطاق العمل المأجور.
كما ينبغي التمييز بين الأجير الذي كان يؤدي مبلغاً شهرياً مهماً من الضريبة، وآخر كان دخله منخفضاً إلى درجة لا تترتب عنها ضريبة أصلاً. ففي الحالة الثانية، قد لا يترجم الإعلان عن الإعفاء إلى زيادة فعلية في الأجر الصافي.
ومن هنا، فإن قياس العدالة الاجتماعية يتطلب معرفة توزيع المكاسب المالية الفعلية، وليس الاكتفاء بعدد الأشخاص الذين سيصنفون ضمن الفئات المعفاة.
هل سيحصل كل أجير على زيادة قدرها 500 درهم؟
تضمنت المعطيات الحكومية تقديرات تشير إلى مكسب شهري قد يبلغ نحو 500 درهم بالنسبة إلى فئات من الأجراء خلال المرحلة الأولى من الإصلاح. غير أن تحويل هذا الرقم إلى وعد بزيادة موحدة لجميع العاملين سيكون قراءة غير دقيقة.
فالمكسب الضريبي يتوقف على الأجر الخاضع للضريبة، والوضعية الضريبية السابقة، وطريقة احتساب الاقتطاعات. وقد يستفيد بعض الأجراء بمبالغ أقل، بينما لا يستفيد آخرون من زيادة مباشرة إذا كانوا معفيين من قبل.
كما أن الإصلاح يمتد على عدة سنوات، وهو ما يفرض التمييز بين ما سيطبق ابتداء من يناير 2027 وما يرتبط بالمراحل اللاحقة حتى سنة 2031.
وتتحمل الحكومة مسؤولية تقديم جداول تفصيلية تسمح لكل فئة بمعرفة أثر الإصلاح على دخلها. فوضوح الحسابات يمنع تضخيم التوقعات، ويساعد المواطنين على تقييم الإجراءات وفق نتائجها الفعلية.
العاملون خارج نظام الأجور.. الحلقة التي لا تشملها الضريبة
تظهر حدود الإصلاح عندما ننتقل من الأجراء إلى فئات أخرى تعتمد على مداخيل غير منتظمة. فالعامل المستقل أو الحرفي أو صاحب النشاط الصغير قد يواجه تكاليف معيشية مشابهة لتلك التي يتحملها الأجير، لكنه يخضع لقواعد ضريبية واجتماعية مختلفة.
كما أن العاملين في الاقتصاد غير المنظم لا يستفيدون تلقائياً من تخفيف الاقتطاعات على الأجور المصرح بها. وقد يواجه بعضهم صعوبات إضافية في الولوج إلى التغطية الاجتماعية أو التمويل أو الحماية من تقلبات الدخل.
ولا تقتضي العدالة الضريبية منح جميع الفئات الإعفاء نفسه، لأن طبيعة الدخل والالتزامات تختلف. لكنها تستدعي سياسة متكاملة تراعي وضع العاملين خارج الأجر المنظم، وتوفر مسارات واقعية للإدماج الاقتصادي والاجتماعي.
ولهذا، ينبغي أن يقترن إصلاح ضريبة الدخل بإجراءات تحسن شروط التصريح بالعمل، وتبسط المساطر، وتدعم المقاولات الصغيرة، دون تحويل الإدماج في الاقتصاد المنظم إلى عبء يصعب تحمله.
القدرة الشرائية لا تتحسن بالضرائب وحدها
قد يحقق تخفيف الضريبة على الدخل زيادة مباشرة في الأجر الصافي لفئات معينة، لكن استمرار ارتفاع تكاليف المعيشة يمكن أن يقلص أثرها. فالأسرة التي تواجه مصاريف مرتفعة للسكن أو النقل أو الغذاء قد لا تشعر بتحسن ملموس، حتى عندما يرتفع دخلها الشهري.
وتزداد أهمية هذه المسألة في المدن الكبرى، حيث تستحوذ النفقات الأساسية على جزء معتبر من ميزانية الأسر. كما تختلف الأعباء بين أسرة تضم شخصاً واحداً وأخرى تعيل عدداً من الأطفال أو أفراداً دون دخل.
ويتضمن مشروع مالية 2027 تدابير أخرى لدعم القدرة الشرائية، منها استمرار دعم بعض المواد الأساسية، وتطوير الدعم الاجتماعي المباشر، وإجراءات تتعلق بالكهرباء والمعاشات. غير أن تقييم هذه التدابير يحتاج إلى النظر في أثرها المشترك، ومدى وصولها إلى الفئات المستحقة.
كما ينبغي تتبع تطور الأسعار الفعلية، لأن الزيادة الاسمية في الدخل لا تعني دائماً تحسناً موازياً في القدرة على شراء السلع والخدمات.
هل يستفيد أصحاب الأجور المرتفعة أيضاً؟
لا يقتصر أثر مراجعة الجدول الضريبي على الفئات التي ستصبح معفاة بالكامل. فتغيير الشرائح والمعدلات قد يؤدي أيضاً إلى تخفيف العبء على أجراء يستمرون في أداء الضريبة، بمن فيهم أصحاب الدخول الأعلى.
وهذا لا يجعل الإصلاح غير عادل تلقائياً، لأن الأنظمة الضريبية التصاعدية قد تمنح تخفيضات متفاوتة مع استمرار فرض معدلات أعلى على الشرائح العليا. لكن الحكم على عدالته يتطلب مقارنة المكاسب بحسب مستوى الدخل، سواء من حيث قيمتها المالية أو نسبتها إلى الأجر.
فقد يحصل صاحب أجر مرتفع على تخفيض أكبر بالدرهم، بينما يمثل تخفيض أصغر أهمية أكبر لأسرة محدودة الدخل. ولهذا، فإن المقارنة ينبغي أن تشمل المؤشرين معاً.
كما يحتاج النقاش إلى معرفة الأثر الإجمالي للإصلاح على إيرادات الدولة، وكيف ستعوض الحكومة أي تراجع محتمل في الموارد الجبائية دون الإضرار بتمويل الخدمات العمومية.
العدالة الجبائية تشمل تمويل الخدمات العمومية
تقوم الضريبة بوظيفتين مترابطتين: تمويل النفقات العامة والمساهمة في توزيع الأعباء بين الفئات الاقتصادية والاجتماعية. ولذلك، فإن تخفيف الضريبة على الأجراء لا ينبغي أن ينفصل عن ضمان موارد كافية للصحة والتعليم والبنيات التحتية والحماية الاجتماعية.
فإذا أدى الإصلاح إلى تحسين دخل بعض الأسر مع استمرار ضعف الخدمات العمومية، فقد تضطر هذه الأسر إلى إنفاق جزء من المكاسب الجديدة على العلاج أو التعليم أو النقل الخاص.
كما أن تخفيض الإيرادات الضريبية يحتاج إلى تقدير مالي واضح، حتى لا تتحول الوعود المتعلقة بتحسين القدرة الشرائية إلى ضغط إضافي على الميزانية في السنوات اللاحقة.
وتبرز هنا أهمية توسيع الوعاء الضريبي، ومحاربة التهرب، وتحسين الامتثال الجبائي، وضمان مساهمة مختلف الأنشطة الاقتصادية وفق قواعد عادلة وشفافة.
البرلمان أمام اختبار الأرقام لا الشعارات
تتيح مناقشة مشروع قانون المالية لسنة 2027 فرصة لمساءلة الحكومة بشأن التوزيع الفعلي للمكاسب الضريبية. وينبغي أن تشمل المناقشة عدد المستفيدين حسب شرائح الدخل، وقيمة التخفيض المتوسط، والتكلفة الإجمالية على الخزينة.
كما يحتاج البرلمان إلى توضيح كيفية تطبيق الإصلاح تدريجياً حتى سنة 2031، وما إذا كانت الحكومة ستقدم تقييماً سنوياً لآثاره الاجتماعية والمالية.
ولا ينبغي أن يقتصر النقاش على تأييد الإعفاء باعتباره إجراءً اجتماعياً، أو رفضه بدعوى أنه لا يشمل الجميع. فالمطلوب هو فحص مدى ملاءمته للأهداف المعلنة، وتحديد الثغرات التي تحتاج إلى سياسات موازية.
وتستطيع المعارضة ممارسة دور رقابي فعلي من خلال تقديم مقارنات مالية ومقترحات قابلة للتنفيذ، بينما تتحمل الأغلبية مسؤولية توضيح مصادر التمويل والنتائج المنتظرة.
الإصلاح خطوة مهمة لكنه ليس حكماً نهائياً على العدالة
يحمل مشروع إصلاح الضريبة على الدخل فرصة لتحسين الأجور الصافية وتخفيف العبء عن فئات واسعة من العاملين. كما يمكن أن يشجع التصريح بالعمل إذا رافقته إجراءات تعزز الثقة في النظامين الضريبي والاجتماعي.
غير أن اتساع الإعفاء لا يكفي وحده لإثبات تحقيق العدالة الاجتماعية. فهذه الأخيرة تشمل أيضاً وضع العاطلين والعاملين لحسابهم الخاص والأسر التي تعتمد على مداخيل محدودة أو غير منتظمة.
ويظل التحدي الأساسي أمام الحكومة هو تحويل الأرقام المعلنة إلى مكاسب قابلة للقياس، مع الحفاظ على قدرة الدولة على تمويل الخدمات الأساسية. كما ينبغي أن تراعي الإصلاحات المقبلة الفئات التي لا تستطيع الاستفادة من تخفيض ضريبة لم تكن تؤديها أصلاً.
فالسؤال الذي يطرحه مشروع مالية 2027 ليس ما إذا كان تخفيف الضرائب على الأجور إجراءً إيجابياً، بل ما إذا كانت الحكومة تمتلك سياسة اجتماعية واقتصادية أشمل تجعل تحسين مستوى العيش ممكناً لجميع الفئات، وليس فقط لمن يظهر دخلهم في كشوف الأجور.
