وافق مجلس إدارة البنك الإفريقي للتنمية، في 21 أكتوبر 2026، على تمويل بقيمة 487 مليون دولار لفائدة المغرب، في إطار المرحلة الثالثة من برنامج دعم تعزيز الحكامة الاقتصادية والصمود أمام التغيرات المناخية. ويستهدف التمويل مواصلة الإصلاحات الهيكلية، وتشجيع الاستثمار الخاص، وتحسين تدبير المؤسسات العمومية، إلى جانب تعزيز قدرة الاقتصاد على مواجهة الصدمات المرتبطة بالطاقة والمناخ.
ويأتي هذا القرار في مرحلة تواجه فيها الحكومة المغربية تحديات متداخلة، تشمل خلق فرص العمل، وتحسين أداء الخدمات العمومية، وتدبير ندرة المياه، والحد من تأثير تقلبات أسعار الطاقة. غير أن الموافقة على تمويل جديد لا تعني بالضرورة أن هذه المشكلات أصبحت أقرب إلى الحل. فالفرق كبير بين توفير الموارد المالية وتحويلها إلى نتائج اقتصادية واجتماعية قابلة للقياس.
وتكتسب العملية أهمية إضافية لأنها تشكل المرحلة الثالثة من برنامج بدأ سنة 2024، ما يجعل تقييم الإصلاحات السابقة ضرورياً قبل اعتبار التمويل الجديد مؤشراً على نجاحها. ومن هنا يبرز السؤال الذي ينبغي أن يوجه النقاش العمومي: ماذا تغير فعلياً بفضل التمويلات السابقة، وما الذي سيتغير بالنسبة إلى المواطن والمقاولة بعد اعتماد هذه المرحلة؟
تمويل للإصلاحات وليس مشروعاً واحداً
لا يتعلق مبلغ 487 مليون دولار بتمويل مشروع منفرد، مثل بناء طريق أو محطة كهربائية أو مؤسسة صحية. فهو يندرج ضمن برنامج لدعم الإصلاحات الاقتصادية والمؤسساتية، بما يساعد الدولة على مواصلة تنفيذ سياسات محددة وتحسين قدرتها على مواجهة الضغوط المالية والخارجية.
ويتضمن البرنامج محورين رئيسيين. يركز الأول على الحكامة الاقتصادية، من خلال إصلاح المؤسسات والمقاولات العمومية، وتطوير الشراكات بين القطاعين العام والخاص، وتحسين مناخ الأعمال. أما المحور الثاني فيستهدف تعزيز الصمود المناخي والطاقي، عبر تحديث حكامة قطاعي الماء والكهرباء وإدماج الاعتبارات المناخية في السياسات العمومية.
ويعني ذلك أن الأثر المنتظر لن يظهر بالضرورة في شكل منشآت جديدة يمكن ربطها مباشرة بهذا التمويل. فقد يتمثل في تعديل قواعد التدبير أو تحسين كفاءة المؤسسات أو تسهيل الاستثمار. لكن هذه الطبيعة المؤسساتية للإصلاح لا تعفي الجهات المعنية من تحديد أهداف واضحة ونتائج قابلة للتقييم.
كما ينبغي التمييز بين موافقة البنك على التمويل وبين صرف المبلغ كاملاً. فالإعلان الرسمي يثبت قرار الموافقة، لكنه لا يقدم وحده دليلاً على تحويل جميع الموارد إلى الخزينة أو إنفاقها.
إصلاح المؤسسات العمومية.. ما الذي سيتغير؟
يشكل إصلاح المؤسسات والمقاولات العمومية أحد المكونات الأساسية للبرنامج. وتسعى هذه العملية إلى تحسين أداء المحفظة العمومية، وإعادة تنظيم أدوار المؤسسات، ورفع كفاءة استعمال الموارد.
وتؤدي المؤسسات العمومية أدواراً محورية في الاقتصاد المغربي، خصوصاً في البنيات التحتية والخدمات الأساسية. ولذلك، فإن أي إصلاح لطريقة تدبيرها قد ينعكس على جودة الخدمات وتكلفتها وقدرتها على الاستثمار.
لكن إعادة الهيكلة ليست هدفاً مستقلاً عن المصلحة العامة. فقد تحقق بعض المؤسسات نتائج مالية أفضل دون أن يشعر المواطن بتحسن في الخدمة، كما قد تتطلب مؤسسات أخرى دعماً عمومياً لأنها تؤدي وظائف اجتماعية لا يمكن تقييمها بالربحية وحدها.
ومن هنا، تحتاج الحكومة إلى توضيح المؤسسات التي ستشملها الإصلاحات، والمعايير التي ستعتمدها لتقييم أدائها، والضمانات التي ستحافظ على جودة الخدمات وإمكانية الولوج إليها.
كما ينبغي أن تخضع قرارات إعادة التنظيم أو فتح مجالات جديدة أمام الاستثمار الخاص لدراسات تبين آثارها المالية والاجتماعية، بدل التعامل مع تقليص دور الدولة باعتباره مؤشراً تلقائياً على نجاح الإصلاح.
القطاع الخاص بين الاستثمار وخلق فرص العمل
يراهن البرنامج على تعزيز دور القطاع الخاص في الاستثمار وخلق القيمة الاقتصادية، مع إعطاء أهمية للمقاولات الصغيرة والمتوسطة والابتكار والاندماج في سلاسل القيمة الدولية.
ويكتسب هذا التوجه أهمية في اقتصاد يحتاج إلى توسيع قاعدة الإنتاج وخلق فرص عمل مستدامة. غير أن تحسين مناخ الأعمال لا يتحقق فقط بتعديل النصوص القانونية أو الإعلان عن برامج تحفيزية.
فالمقاولات الصغيرة تواجه تحديات تتعلق بالتمويل وآجال الأداء والمنافسة والولوج إلى الصفقات والأسواق. وقد تحد هذه الصعوبات من قدرتها على التوسع، حتى عندما تتحسن المؤشرات العامة للاستثمار.
ولهذا، ينبغي أن تقيس الحكومة نتائج الإصلاح بعدد المقاولات التي تمكنت فعلياً من الاستثمار والتوظيف، وبمدى استفادة المؤسسات الصغيرة من الفرص الاقتصادية الجديدة.
كما يتطلب الأمر التمييز بين الاستثمار الذي يخلق نشاطاً إنتاجياً دائماً، والاستثمارات التي تحقق آثاراً محدودة على التشغيل أو تعتمد أساساً على امتيازات عمومية.
فالغاية ليست رفع حجم الاستثمار في حد ذاته، بل تحسين مساهمته في الإنتاج والتشغيل والتنمية المجالية.
الشراكة بين العام والخاص.. فرصة أم نقل للمخاطر؟
يتضمن التمويل دعماً لتحديث إطار الشراكة بين القطاعين العام والخاص. ويمكن لهذه الصيغة أن تساعد على تعبئة موارد وخبرات إضافية لإنجاز بعض المشاريع، خصوصاً عندما تتوفر شروط واضحة لتوزيع المسؤوليات والمخاطر.
غير أن الشراكة لا تعني أن المشروع أصبح أقل تكلفة على الدولة بصورة تلقائية. فقد تترتب عنها التزامات مالية طويلة الأمد، أو ضمانات عمومية، أو عقود تؤثر في تكلفة الخدمات المقدمة للمواطنين.
ولهذا، ينبغي أن تقارن الحكومة بين كلفة إنجاز المشاريع بالتمويل العمومي المباشر وكلفتها عبر الشراكة مع القطاع الخاص. كما يتعين أن تشمل المقارنة جودة الخدمات والمخاطر المالية والالتزامات المستقبلية.
وتكتسب الشفافية أهمية خاصة في هذا المجال، لأن العقود طويلة الأمد قد تؤثر في الميزانيات المقبلة، حتى عندما لا تظهر جميع تكاليفها في سنة التوقيع.
ومن ثم، فإن تحديث الإطار القانوني ينبغي أن يرافقه نشر معلومات كافية حول المشاريع والالتزامات والنتائج، مع احترام الضوابط القانونية المتعلقة بالمعطيات المحمية.
الماء والكهرباء في قلب الإصلاح
يركز المحور الثاني للبرنامج على تحديث حكامة قطاعي الماء والكهرباء، وتعزيز قدرة المغرب على مواجهة التغيرات المناخية والصدمات المرتبطة بالطاقة.
وتشكل هذه المجالات جزءاً أساسياً من الحياة اليومية للمواطنين، كما تؤثر في تكلفة الإنتاج بالنسبة إلى المقاولات. ولذلك، فإن تحسين تدبيرها قد يحقق فوائد اقتصادية واجتماعية واسعة.
لكن مفهوم الحكامة يحتاج إلى ترجمة عملية. ففي قطاع الماء، يمكن أن يشمل تحسين التخطيط والتنسيق بين المتدخلين وتقليص الهدر ورفع كفاءة استعمال الموارد. أما في الكهرباء، فتبرز قضايا جودة الخدمة وكلفة الإنتاج والتوزيع وتطوير مصادر الطاقة.
ولا يعني إدراج هذه الأهداف ضمن برنامج التمويل أن أسعار الماء أو الكهرباء ستنخفض تلقائياً. فالتسعير يتأثر بعوامل متعددة، منها تكلفة الإنتاج والاستثمار والصيانة والسياسات الاجتماعية المعتمدة.
ولهذا، ينبغي أن تحدد الحكومة النتائج المنتظرة من الإصلاح، وأن توضح كيف ستوازن بين استدامة المؤسسات وحماية القدرة الشرائية للأسر.
الصمود أمام الأزمات لا يلغي آثارها الاجتماعية
يربط البنك الإفريقي للتنمية التمويل الجديد بالحاجة إلى تعزيز قدرة المغرب على مواجهة الصدمات الخارجية، خصوصاً ارتفاع تكاليف الطاقة والنقل المرتبط بالتوترات الدولية.
ويعني الصمود الاقتصادي قدرة المؤسسات والمالية العمومية على امتصاص جزء من هذه الصدمات دون تعطيل الاستثمار أو الإنفاق الأساسي. لكنه لا يعني بالضرورة منع انتقال آثارها إلى أسعار السلع والخدمات.
فقد تتمكن الدولة من الحفاظ على توازناتها المالية، بينما تستمر بعض الأسر في مواجهة ارتفاع تكاليف المعيشة. كما قد تتحسن مؤشرات الاقتصاد الكلي دون أن تنعكس بالوتيرة نفسها على التشغيل والدخل.
ولهذا، ينبغي أن يقترن تقييم البرنامج بمؤشرات اجتماعية، تشمل أثر الإصلاحات على الخدمات وفرص العمل وتكاليف المعيشة، وليس فقط مؤشرات الاستثمار والمالية العمومية.
كما تحتاج الحكومة إلى توضيح كيفية حماية الإنفاق الاجتماعي عند مواجهة الضغوط الاقتصادية، حتى لا تتحول المحافظة على التوازنات المالية إلى هدف منفصل عن مستوى عيش المواطنين.
المرحلة الثالثة تفرض تقييم المرحلتين السابقتين
بدأ برنامج دعم الحكامة الاقتصادية والصمود أمام التغيرات المناخية سنة 2024، عندما وافق البنك الإفريقي للتنمية على تمويل أولي بقيمة 120 مليون يورو. وتبعته مرحلة ثانية سنة 2025 بتمويل قدره 181.8 مليون يورو.
ويجعل هذا التسلسل من الضروري تقييم ما تحقق خلال المرحلتين السابقتين، خصوصاً أن التمويل الجديد يهدف إلى استكمال إصلاحات بدأت بالفعل.
فإذا كانت المؤسسات العمومية قد شرعت في إعادة الهيكلة، فمن المهم معرفة مدى تقدم هذه العملية. وإذا جرى تعديل قواعد الشراكة مع القطاع الخاص، فينبغي توضيح أثر ذلك على الاستثمار وجودة المشاريع.
كما يحتاج المواطن إلى معرفة ما إذا كانت إصلاحات الماء والكهرباء قد حسنت التدبير أو قلصت الاختلالات، وما هي الصعوبات التي ما تزال قائمة.
ولا يكفي أن يعلن البنك أو الحكومة استمرار البرنامج باعتباره دليلاً على نجاحه. فاستمرارية التمويل تعكس قراراً مؤسساتياً بمواصلة الدعم، لكنها لا تغني عن تقييم مستقل للنتائج.
ما شروط التمويل وما تكلفته؟
يمثل مبلغ 487 مليون دولار مورداً مالياً مهماً، لكنه يطرح أسئلة حول طبيعة التمويل وشروطه والتزاماته المستقبلية.
فالبيان الرسمي الصادر عن البنك يوضح أهداف العملية ومجالات الإصلاح، لكنه لا يتضمن جميع التفاصيل المالية اللازمة لتقييم تكلفتها، مثل سعر الفائدة النهائي وأجل السداد وفترة السماح وجدول الصرف.
ولا ينبغي افتراض أن التمويل منحة لا ترد، أو أنه قرض بشروط تجارية محددة، دون الرجوع إلى الاتفاقية والوثائق المالية المعتمدة.
كما أن تقييم أثر العملية على الدين العمومي يتطلب معرفة شروطها ومقارنتها ببدائل التمويل الأخرى، مع مراعاة أثر سعر الصرف والالتزامات المستقبلية.
وتتحمل الحكومة مسؤولية تقديم هذه المعلومات إلى البرلمان والرأي العام وفق مقتضيات الشفافية المالية، لأن تكلفة التمويل جزء أساسي من تقييم جدواه.
هل تصل الإصلاحات إلى المدن الصغيرة والمناطق القروية؟
تظهر أهمية البرامج الاقتصادية الكبرى عندما تتحول نتائجها إلى تحسينات ملموسة في مختلف الجهات. فالمقاولة الصغيرة في مدينة ناشئة تحتاج إلى شروط تمويل ومنافسة عادلة، كما تحتاج الأسرة في منطقة قروية إلى خدمات ماء وكهرباء موثوقة.
لكن الإصلاحات الوطنية قد تحقق نتائج متفاوتة بين المجالات الترابية. فقد تستفيد المناطق التي تتمتع ببنيات تحتية واستثمارات قوية بصورة أسرع، بينما تحتاج الجهات الأقل تجهيزاً إلى إجراءات إضافية.
ولهذا، ينبغي أن يتضمن تقييم البرنامج مؤشرات مجالية تكشف توزيع المنافع بين الجهات، ومدى استفادة المقاولات المحلية من تحسين مناخ الاستثمار.
كما أن تحديث حكامة الماء والكهرباء يجب أن يراعي اختلاف الحاجيات بين المدن الكبرى والمناطق القروية، حتى لا يقتصر أثر الإصلاح على تحسين التوازنات المالية للمؤسسات.
وتصبح العدالة المجالية معياراً ضرورياً للحكم على مدى شمولية النمو الذي يستهدفه التمويل الجديد.
البرلمان مطالب بمساءلة الحكومة عن النتائج
تمنح الموافقة على التمويل الجديد البرلمان فرصة لمساءلة الحكومة بشأن حصيلة المراحل السابقة والأهداف المحددة للمرحلة الثالثة.
ويمكن أن تشمل المساءلة طبيعة الالتزامات المرتبطة بالتمويل، وتقدم إصلاح المؤسسات العمومية، وعدد المقاولات المستفيدة من تحسين مناخ الأعمال، ونتائج تحديث حكامة الماء والكهرباء.
كما ينبغي أن تقدم الحكومة جدولاً زمنياً يحدد مراحل التنفيذ ومؤشرات التقييم، مع نشر حصائل دورية تسمح بمتابعة النتائج.
ولا ينبغي أن يتحول النقاش إلى رفض مبدئي للتمويل الخارجي أو اعتباره نجاحاً بمجرد الموافقة عليه. فالقروض الموجهة إلى الإصلاح قد توفر موارد مفيدة عندما تستخدم ضمن سياسة واضحة، لكنها تظل التزامات تحتاج إلى إدارة مسؤولة ومحاسبة مستمرة.
وتتحمل المعارضة مسؤولية فحص الأرقام والالتزامات، بينما تقع على الأغلبية الحكومية مسؤولية إثبات أن الموارد الجديدة ستساهم في تحقيق نتائج تتناسب مع تكلفتها.
التمويل ليس إنجازاً قبل ظهور نتائجه
تمثل موافقة البنك الإفريقي للتنمية على تمويل بقيمة 487 مليون دولار خطوة جديدة في التعاون المالي والمؤسساتي مع المغرب. وقد تساعد هذه الموارد على مواصلة إصلاحات مهمة في الحكامة الاقتصادية والاستثمار والماء والطاقة.
غير أن حجم التمويل لا يكفي للحكم على نجاح البرنامج. فالاختبار الحقيقي يتعلق بقدرة الحكومة على تحسين أداء المؤسسات العمومية، وتوسيع فرص الاستثمار المنتج، وخلق وظائف مستدامة، وتطوير الخدمات الأساسية.
كما أن استكمال المرحلة الثالثة يفرض تقديم حصيلة واضحة للمرحلتين السابقتين، حتى لا يصبح تجديد التمويل بديلاً عن تقييم الإصلاح.
ويحتاج المواطن إلى نتائج يمكن ملاحظتها في حياته اليومية، لا إلى أرقام إضافية في بيانات المؤسسات المالية. فنجاح القروض الموجهة إلى الإصلاح لا يقاس فقط بقدرة الدولة على تعبئة الموارد، بل بمدى تحويلها إلى اقتصاد أكثر إنتاجية وخدمات أفضل وعدالة اجتماعية ومجالية أوسع.
وبين موافقة البنك على التمويل وتحقيق هذه الأهداف، تبقى المسؤولية الأساسية على عاتق الحكومة المغربية، التي يتعين عليها إثبات أن الإصلاحات الممولة ستتجاوز النصوص والبرامج إلى نتائج قابلة للقياس والمحاسبة.
