f x ig yt
الإثنين، 26 أكتوبر 2026
جديد الإختيار

الحكومة الجديدة ومحاربة الوسطاء.. هل تملك أدوات فعلية لضبط الأسواق؟

تعود الحكومة إلى الحديث عن الاحتكار والريع وارتفاع هوامش الوساطة، لكن حماية القدرة الشرائية تتطلب إصلاح أسواق الجملة وتعزيز المنافسة وكشف مسارات تكوين الأسعار، بعيداً عن تحميل الوسطاء وحدهم مسؤولية الغلاء.

اقتصاد المغرب 📅 26 أكتوبر 2026 ⏱ 8 دقائق
أسواق الجملة بالمغرب تشكل حلقة أساسية في توزيع المنتجات الفلاحية، وسط مطالب بتحديث تنظيمها وتعزيز شفافية الأسعار.

أعادت التصريحات الحكومية المصاحبة لتقديم مشروع قانون المالية لسنة 2027 قضية الوسطاء والمضاربة والاحتكار إلى قلب النقاش الاقتصادي بالمغرب. فقد أصبح إصلاح أسواق الجملة وتقليص تكاليف الوساطة جزءاً من الخطاب الرسمي المرتبط بحماية القدرة الشرائية، في اعتراف ضمني بأن الإجراءات الاجتماعية والضريبية لا تكفي وحدها لتحسين ظروف عيش المواطنين إذا ظلت اختلالات توزيع السلع قائمة.

لكن الانتقال من تشخيص المشكلة إلى معالجتها يطرح أسئلة أكثر تعقيداً من مجرد الدعوة إلى محاربة الوسطاء. فالأسواق لا تعمل دون خدمات النقل والتخزين والتجميع والتوزيع، وهي أنشطة تؤدي أدواراً اقتصادية ضرورية. أما الاختلال فيظهر عندما تتحول بعض حلقات الوساطة إلى مصدر لأرباح غير مبررة، أو عندما تسمح بنية السوق بممارسات تحد من المنافسة وتضعف قدرة المنتج والمستهلك على التفاوض.

ومن هنا، فإن الاختبار الحقيقي للحكومة لا يتعلق بقدرتها على توجيه انتقادات حادة إلى المضاربين، بل بمدى امتلاكها أدوات قانونية وتنظيمية ومعلوماتية تسمح بتحديد مصادر الاختلال، وضبط الممارسات المخالفة، وتحسين شفافية الأسعار دون تعطيل النشاط التجاري المشروع.

من خطاب محاربة الغلاء إلى إصلاح بنية السوق

تعتمد الحكومات عادة على مجموعة من الأدوات لمواجهة ارتفاع الأسعار، تشمل المراقبة الإدارية ودعم بعض المواد وتعديل الضرائب وتشجيع الإنتاج. لكن أثر هذه التدابير قد يظل محدوداً إذا لم تعالج الاختلالات المرتبطة بتنظيم الأسواق وسلاسل التوزيع.

فقد يرتفع سعر منتج فلاحي بين الضيعة ونقطة البيع النهائية نتيجة تكاليف حقيقية، مثل النقل والتبريد والتلف والتخزين. وقد ترتفع الهوامش أيضاً بسبب ضعف المنافسة أو تعدد المعاملات غير الضرورية أو ممارسات تجارية مخالفة للقانون.

ولا يمكن التمييز بين الحالتين اعتماداً على الفرق بين سعر المنتج وسعر المستهلك وحده. فذلك الفرق يحتاج إلى تفكيك اقتصادي يوضح تكلفة كل مرحلة، والمخاطر التي يتحملها المتدخلون، وهوامش الربح الفعلية.

ولهذا، فإن إعلان الحكومة نيتها تقليص الوساطة ينبغي أن يرافقه نظام لجمع المعطيات وتحليلها، حتى لا تتحول السياسة العمومية إلى إجراءات عامة تستهدف فئات مهنية دون إثبات مسؤوليتها عن الاختلالات.

أسواق الجملة.. إصلاح مؤجل أم بداية تغيير؟

تمثل أسواق الجملة إحدى الحلقات الأساسية في توزيع المنتجات الفلاحية والغذائية بالمغرب. وتؤثر طريقة تنظيمها في شروط وصول السلع إلى التجار والمستهلكين، كما ترتبط بتدبير الجماعات الترابية والرسوم والخدمات اللوجستية.

وتبرز الحاجة إلى تحديث هذه الأسواق عندما تصبح بنياتها غير ملائمة لحجم المبادلات أو عندما تتعدد الإجراءات والرسوم والخدمات دون أن تتحسن كفاءة التوزيع.

لكن الإصلاح لا ينبغي أن يقتصر على تحديث المباني أو نقل الأسواق إلى مواقع جديدة. فهو يحتاج إلى مراجعة قواعد الولوج والشفافية والتدبير، وتطوير وسائل تتبع المعاملات والأسعار، وتحسين شروط التخزين والنقل.

كما يتطلب التنسيق بين الوزارات المعنية والجماعات الترابية والمهنيين، لأن توزيع الاختصاصات قد يجعل تنفيذ الإصلاح أبطأ من الإعلان عنه.

وتتحمل الحكومة مسؤولية تحديد جدول زمني واضح، مع بيان الأسواق التي ستشملها الإصلاحات، والكلفة المالية المتوقعة، والمؤشرات التي ستستخدم لتقييم النتائج.

هل كل وسيط مسؤول عن الغلاء؟

غالباً ما يقدم النقاش العمومي الوسطاء باعتبارهم سبباً مباشراً لارتفاع الأسعار. غير أن هذا التصور يتجاهل الوظائف التي يؤديها عدد كبير من المتدخلين في نقل السلع وتجميعها وتمويل تداولها وتحمل مخاطر تلفها.

فالمنتج الصغير قد لا يمتلك الوسائل اللازمة لنقل محصوله إلى أسواق بعيدة أو تخزينه إلى حين تحسن ظروف البيع. وفي هذه الحالة، يوفر الوسيط خدمة اقتصادية حقيقية، وإن كان من الضروري أن تتم المعاملات وفق شروط عادلة وشفافة.

وتظهر المشكلة عندما يفتقر المنتج إلى بدائل للبيع، أو عندما يسيطر عدد محدود من المتدخلين على قنوات التوزيع، أو عندما تفرض ممارسات غير قانونية تكاليف إضافية على المعاملات.

ومن ثم، فإن محاربة الوساطة غير المنتجة تختلف عن إلغاء الوساطة باعتبارها نشاطاً اقتصادياً. فالأولى تستهدف الاختلالات، بينما قد تؤدي الثانية إلى اضطراب التوزيع وارتفاع التكاليف إذا لم تتوفر بدائل فعالة.

مجلس المنافسة وحدود التدخل الحكومي

يؤدي مجلس المنافسة دوراً محورياً في حماية المنافسة الحرة والمشروعة، وفق الاختصاصات التي يحددها القانون. ويمكن لتدخلاته وآرائه ودراساته أن تساعد على كشف الممارسات التي تحد من المنافسة داخل بعض الأسواق.

لكن المجلس لا يحل محل جميع المؤسسات المكلفة بتنظيم التجارة أو مراقبة الجودة والأسعار أو تدبير الأسواق. كما أن وجود أسعار مرتفعة لا يثبت وحده وقوع اتفاقات احتكارية أو استغلال تعسفي لوضع مهيمن.

ولهذا، ينبغي أن تستند إجراءات الحكومة إلى توزيع واضح للمسؤوليات بين أجهزة المنافسة والمراقبة والإدارة الترابية والسلطات القطاعية.

كما يتعين احترام استقلالية المؤسسات المختصة، حتى لا تتحول مكافحة الاحتكار إلى تدخل سياسي انتقائي يستهدف بعض الفاعلين ويتجاهل آخرين.

وتزداد أهمية هذا المبدأ عندما يتعلق الأمر بأسواق تضم شركات كبيرة ومقاولات صغيرة وتجاراً مستقلين، لأن حماية المنافسة تقتضي تطبيق القواعد على الجميع دون تمييز غير مبرر.

من يراقب هوامش الربح؟

تتطلب معرفة كيفية تكوين الأسعار تتبع المراحل التي تمر منها السلعة، بدءاً من الإنتاج أو الاستيراد وصولاً إلى البيع النهائي.

ويمكن للسلطات المختصة تطوير أنظمة للرصد تعتمد على بيانات الأسعار والكميات والتكاليف، مع مراعاة خصوصية القطاعات واختلاف المنتجات والمواسم.

لكن مراقبة الهوامش لا تعني بالضرورة فرض هامش ربح موحد على جميع الأنشطة. فالتكاليف تختلف بحسب المسافات وحجم المعاملات ومدة التخزين ومخاطر التلف.

كما أن فرض قيود سعرية دون دراسة قد يؤدي في بعض الحالات إلى تراجع العرض أو انتقال المعاملات إلى قنوات غير منظمة.

ولهذا، ينبغي أن تقوم السياسة الحكومية على تشخيص قطاعي دقيق، يحدد أين توجد اختلالات المنافسة، وأين ترتبط الأسعار بعوامل إنتاجية أو مناخية أو لوجستية.

ويصبح نشر المعطيات الإجمالية حول تكوين الأسعار وسيلة مهمة لتعزيز الشفافية، شريطة ألا تكشف المعلومات التجارية المحمية قانوناً.

الفلاح الصغير والمستهلك في طرفي السلسلة

قد يواجه الفلاح الصغير صعوبة في الحصول على سعر مناسب لمنتوجه، بينما يدفع المستهلك سعراً مرتفعاً في السوق النهائي. ولا يعني هذا التناقض بالضرورة أن طرفاً واحداً يستحوذ على جميع الأرباح، لكنه يشير إلى الحاجة لفهم طريقة توزيع القيمة داخل السلسلة.

ويمكن أن يساعد تطوير التعاونيات ومنصات التسويق المنظمة والبنيات اللوجستية على تحسين قدرة المنتجين على الوصول إلى الأسواق.

كما قد تساهم رقمنة المعاملات ونشر المعلومات حول الأسعار في تقليص تفاوت المعرفة بين المتدخلين، خصوصاً عندما تتوفر أدوات سهلة الاستعمال ومناسبة للمنتجين الصغار.

لكن هذه الحلول تحتاج إلى مواكبة تقنية وتمويلية، حتى لا يستفيد منها الفاعلون الكبار وحدهم.

وتبرز هنا أهمية إدراج مصالح الفلاحين الصغار والتجار المستقلين ضمن إصلاح الأسواق، بدل تصميم إجراءات قد تزيد الأعباء عليهم دون أن تحقق تخفيضاً فعلياً للأسعار.

المضاربة والاحتكار.. ضرورة الفصل بين المفاهيم

يستخدم الخطاب السياسي أحياناً مفاهيم المضاربة والاحتكار والريع باعتبارها تعبيرات متقاربة عن المشكلة نفسها. غير أن لكل مفهوم معنى اقتصادياً وقانونياً مختلفاً.

فالاحتكار قد يرتبط ببنية سوق يهيمن عليها فاعل واحد أو عدد محدود من الفاعلين، بينما تشير المضاربة إلى ممارسات شراء وبيع تستهدف الاستفادة من تغير الأسعار. ولا تكون جميع هذه الممارسات مخالفة للقانون بمجرد تحقيق أرباح.

أما الريع الاقتصادي فيرتبط بعوائد قد تنتج عن امتيازات أو قيود على المنافسة أو أوضاع لا تعكس بالضرورة مساهمة إنتاجية متناسبة.

وتحتاج الحكومة إلى استعمال هذه المفاهيم بدقة، لأن مواجهة كل اختلال تتطلب أدوات مختلفة. فالممارسة الاحتكارية المخالفة تستدعي تطبيق قانون المنافسة، بينما قد تحتاج اختلالات التوزيع إلى إصلاح البنيات والرسوم والمساطر.

ولا يخدم النقاش العمومي توجيه اتهامات عامة إلى قطاعات كاملة دون تحقيقات ومعطيات تدعمها.

هل تستطيع الحكومة خفض الأسعار بقرار إداري؟

لا تملك الحكومة القدرة على التحكم المباشر في جميع الأسعار داخل اقتصاد تتأثر أسواقه بالإنتاج والمناخ والتجارة الدولية وتكاليف الطاقة والنقل.

لكنها تملك أدوات للتأثير في ظروف المنافسة، وتحسين البنيات اللوجستية، ومراقبة المخالفات، وتنظيم بعض الأسواق، وتوجيه الدعم وفق الأطر القانونية.

وتتحدد فعالية هذه الأدوات بمدى ملاءمتها لطبيعة كل قطاع. فقد يحتاج سوق معين إلى تعزيز المنافسة، بينما يحتاج آخر إلى تطوير التخزين أو تحسين الإنتاج أو معالجة اختلالات التوزيع.

ولهذا، فإن الوعود العامة بخفض الأسعار لا تكفي لتقييم السياسة الحكومية. والأجدى تحديد السلع والأسواق المستهدفة، والإجراءات المقررة، والنتائج التي يمكن قياسها خلال فترة زمنية معلنة.

كما ينبغي تجنب تقديم انخفاض الأسعار الموسمي أو الناتج عن تحسن العرض باعتباره دليلاً تلقائياً على نجاح التدخل الحكومي، دون تحليل العوامل التي أدت إليه.

القدرة الشرائية تحتاج إلى سياسة متكاملة

يرتبط إصلاح الأسواق مباشرة بالقدرة الشرائية، لكنه لا يمثل الحل الوحيد لتحسينها. فمستوى عيش الأسر يتحدد أيضاً بالأجور وفرص العمل والضرائب والسكن والنقل والخدمات العمومية.

وقد يؤدي تحسين كفاءة التوزيع إلى تخفيف بعض التكاليف، لكن أثره قد يظل محدوداً إذا استمرت ضغوط أخرى على ميزانيات الأسر.

ولهذا، ينبغي أن ينسجم إصلاح الأسواق مع السياسات الاجتماعية والضريبية والاستثمارية، حتى لا تعمل الإجراءات الحكومية في اتجاهات متناقضة.

كما أن تحسين القدرة الشرائية لا ينبغي أن يتحقق على حساب المنتجين الصغار أو العمال العاملين في سلاسل التوزيع، لأن الضغط غير المدروس على الأسعار قد ينقل الأعباء إلى فئات اقتصادية أضعف.

وتحتاج الحكومة إلى موازنة مصالح المستهلكين والمنتجين والتجار، ضمن قواعد تضمن المنافسة والشفافية والاستدامة الاقتصادية.

البرلمان مطالب بمساءلة الحكومة عن أدوات التنفيذ

تتيح مناقشة مشروع مالية 2027 فرصة لمساءلة الحكومة بشأن الإجراءات التي تعتزم اتخاذها لإصلاح أسواق الجملة وتقليص تكاليف الوساطة.

ويمكن أن تشمل هذه المساءلة الاعتمادات المخصصة لتحديث الأسواق، والجدول الزمني للإصلاح، وتوزيع المسؤوليات بين المؤسسات، وآليات تتبع الأسعار.

كما ينبغي أن توضح الحكومة كيفية تقييم أثر الإجراءات على المنتجين والمستهلكين، وما إذا كانت ستنشر تقارير دورية حول النتائج.

وتتحمل المعارضة مسؤولية تقديم مقترحات قابلة للتنفيذ، بينما تقع على الأغلبية مسؤولية تفسير الاختيارات الحكومية ومراقبة نتائجها.

ولا ينبغي أن يتحول النقاش إلى منافسة في إدانة الوسطاء والمضاربين دون تحديد الوقائع والاختلالات التي تستدعي التدخل.

ضبط الأسواق يبدأ بالمعرفة قبل العقوبات

تملك الحكومة المغربية أدوات قانونية ومؤسساتية يمكن أن تساعد على تحسين تنظيم الأسواق وحماية المنافسة. لكنها تحتاج إلى استعمالها ضمن سياسة واضحة تستند إلى المعطيات وتحدد المسؤوليات والأهداف.

فمحاربة الممارسات المخالفة للقانون ضرورية، لكنها لا تعوض إصلاح البنيات اللوجستية وتحديث أسواق الجملة وتحسين شروط المنافسة والشفافية.

كما أن الوسطاء ليسوا فئة اقتصادية متجانسة، ولا يجوز تحميلهم جميعاً مسؤولية ارتفاع الأسعار. فبعضهم يؤدي خدمات ضرورية، بينما تحتاج الممارسات غير المنتجة أو المخالفة إلى معالجة دقيقة وفق القانون.

ويبقى الاختبار الحقيقي للحكومة في قدرتها على الانتقال من نقد الريع والاحتكار إلى إصلاحات ملموسة، تتيح للمنتج الحصول على مقابل عادل، وللمستهلك شراء السلع بأسعار تعكس التكاليف والمنافسة الفعلية.

أما النجاح السياسي، فلن يتحقق بمجرد الإعلان عن محاربة الوسطاء، بل بإثبات أن الأسواق أصبحت أكثر شفافية وكفاءة، وأن نتائج الإصلاح انعكست على القدرة الشرائية دون الإضرار بالنشاط الاقتصادي المشروع.

شارك المقال فيسبوك إكس تيليغرام

اقرأ أيضاً

اترك تعليقاً