تعود قضية العدالة المجالية في التعليم العالي إلى واجهة النقاش البرلماني المغربي، اليوم الاثنين 26 أكتوبر 2026، مع برمجة أسئلة شفوية بمجلس النواب تتناول توزيع المؤسسات الجامعية ومراجعة الخريطة الجامعية وضمان تكافؤ الفرص بين الطلبة. ويأتي هذا النقاش في وقت تتزايد فيه أهمية التعليم العالي بوصفه مدخلاً للتأهيل المهني والارتقاء الاجتماعي، بينما تظل ظروف الولوج إليه مرتبطة، بدرجات متفاوتة، بالموقع الجغرافي والإمكانات الاقتصادية للأسر.
ولا تتعلق المشكلة بعدد الجامعات وحده، بل بمدى قدرة المنظومة على توفير تكوين مناسب وقريب من حاجيات الشباب والاقتصاد الوطني. فالطالب الذي يقيم في مدينة لا تتوفر فيها المؤسسة أو الشعبة التي يرغب في الالتحاق بها قد يجد نفسه مضطراً إلى الانتقال نحو مدينة أخرى، مع ما يترتب عن ذلك من تكاليف السكن والنقل والمعيشة.
وتصبح هذه الأعباء أكثر تأثيراً عندما تكون موارد الأسرة محدودة، أو عندما يتطلب المسار الدراسي سنوات طويلة من الإقامة خارج مكان السكن الأصلي. وهكذا، قد يتحول الحق القانوني في الولوج إلى التعليم العالي إلى فرصة متفاوتة عملياً، بحسب قدرة الأسر على تحمل تكاليف الاستفادة منه.
الخريطة الجامعية ليست مجرد توزيع للمباني
تطرح مراجعة الخريطة الجامعية سؤالاً يتجاوز إحداث كليات ومؤسسات جديدة. فالتوزيع العادل للتعليم العالي يحتاج إلى النظر في حجم الطلب الاجتماعي على الدراسة، والتطور الديمغرافي للجهات، وحاجيات سوق العمل، وتوفر الأساتذة والتجهيزات والخدمات الجامعية.
وقد يبدو إحداث مؤسسة جامعية في مدينة صغيرة حلاً مباشراً لمشكلة البعد الجغرافي، لكنه لا يحقق النتائج المنتظرة إذا افتقرت المؤسسة إلى التأطير البيداغوجي أو المختبرات أو التخصصات المطلوبة. كما أن افتتاح شعب جديدة دون دراسة لحاجيات الطلبة وفرص الإدماج المهني قد يؤدي إلى توسيع العرض الجامعي من حيث العدد دون تحسين جودته.
وفي المقابل، لا ينبغي أن تتحول الاعتبارات المرتبطة بالكلفة والنجاعة إلى مبرر دائم لتركيز التكوينات في المدن الكبرى. فالمناطق الأقل استفادة من الاستثمار الجامعي تحتاج إلى حلول تراعي خصوصياتها وتحد من انتقال شبابها القسري نحو المراكز الجامعية البعيدة.
ويقتضي ذلك إعداد خريطة واضحة للاحتياجات، مع الإعلان عن معايير اختيار مواقع المؤسسات والتخصصات الجديدة، حتى لا يخضع التوزيع الجامعي لمنطق الوعود المحلية أو الحسابات السياسية الظرفية.
تكاليف الدراسة الخفية تثقل كاهل الأسر
غالباً ما ينحصر النقاش حول تكافؤ فرص التعليم العالي في شروط التسجيل والقبول والمنح. لكن الكلفة الفعلية للدراسة تشمل عناصر أخرى قد تكون حاسمة في قدرة الطالب على متابعة مساره الجامعي.
فالسكن في مدينة أخرى يفرض مصاريف شهرية إضافية، كما يرفع النقل والتغذية والكتب والوسائل الرقمية من العبء المالي على الأسرة. وقد تتضاعف هذه المصاريف عندما يتابع أكثر من فرد من الأسرة دراسته خارج مدينة الإقامة.
ولا يعني ذلك أن جميع الطلبة القادمين من المناطق البعيدة يواجهون الظروف نفسها، إذ تختلف أوضاعهم بحسب مستوى الدخل والمنح والخدمات المتاحة. غير أن هذه الفوارق تجعل تقييم العدالة الجامعية بحاجة إلى مؤشرات اجتماعية، لا إلى إحصاء المقاعد البيداغوجية وحدها.
ومن هنا، فإن توسيع العرض الجامعي ينبغي أن يسير بالتوازي مع تحسين السكن الجامعي والنقل والمنح والخدمات الاجتماعية، حتى لا تتحول إمكانية التسجيل في الجامعة إلى حق يصعب استعماله عملياً.
الجامعات الكبرى والضغط على جودة التكوين
تواجه المؤسسات الجامعية التي تستقبل أعداداً كبيرة من الطلبة تحديات مرتبطة بالتأطير والتجهيزات والقدرة الاستيعابية. وقد يؤثر هذا الضغط في ظروف الدراسة والاستفادة من المكتبات والمختبرات والخدمات الإدارية.
لكن معالجة الاكتظاظ لا تتحقق بمجرد توزيع الطلبة على مؤسسات جديدة، لأن جودة التكوين تتطلب موارد بشرية ومادية مناسبة. كما أن بعض التخصصات تحتاج إلى تجهيزات متقدمة وشراكات علمية يصعب توفيرها في كل موقع جامعي بالدرجة نفسها.
ولهذا، فإن الإصلاح يحتاج إلى توازن بين توسيع القرب الجغرافي والحفاظ على شروط الجودة الأكاديمية. ويمكن أن يشمل هذا التوازن تطوير أقطاب جهوية متخصصة، وتحسين التنسيق بين المؤسسات، وتوفير مسارات انتقال واضحة للطلبة الراغبين في متابعة تخصصات غير متاحة محلياً.
كما ينبغي أن تخضع المؤسسات الجديدة والقديمة لمعايير تقييم متقاربة، حتى لا ينشأ تفاوت جديد بين جامعات تتوفر على إمكانات قوية وأخرى تقدم تكويناً محدوداً بسبب نقص الموارد.
المدن الصغيرة تحتاج إلى جامعة مرتبطة بمحيطها
يمكن للمؤسسات الجامعية أن تؤدي دوراً تنموياً يتجاوز التدريس، خصوصاً في المدن الصغيرة والناشئة. فهي تساهم في تنشيط الاقتصاد المحلي، وتخلق طلباً على الخدمات، وتفتح إمكانات للتعاون مع المقاولات والجماعات الترابية والمؤسسات الثقافية.
لكن هذا الدور لا يتحقق تلقائياً بمجرد افتتاح كلية أو مدرسة عليا. فنجاح المؤسسة يرتبط بمدى ارتباط تخصصاتها بحاجيات محيطها الاقتصادي والاجتماعي، وبقدرتها على تطوير البحث التطبيقي وتكوين الكفاءات.
وقد تحتاج بعض الجهات إلى تكوينات مرتبطة بالصناعات المحلية أو الفلاحة أو الخدمات الصحية أو التحول الرقمي، بينما تتطلب جهات أخرى مسارات مختلفة. ولذلك، فإن نسخ النموذج الجامعي نفسه في جميع المدن قد يؤدي إلى عرض تكويني لا ينسجم مع الحاجيات الفعلية.
ولا ينبغي، في الوقت نفسه، اختزال وظيفة الجامعة في تلبية طلب سوق العمل المباشر. فالتعليم العالي يؤدي أيضاً دوراً معرفياً وثقافياً ونقدياً، ويحتاج إلى الحفاظ على التكوينات الأساسية والبحث العلمي.
هل تكفي الرقمنة لتجاوز المسافة؟
يتيح تطوير التعليم الرقمي إمكانات جديدة لتوسيع الوصول إلى بعض الموارد البيداغوجية، وتسهيل التواصل بين الطلبة والأساتذة، ودعم التكوين المستمر.
لكن الرقمنة لا تمثل بديلاً شاملاً عن المؤسسات الجامعية، خصوصاً في التخصصات التي تتطلب أعمالاً تطبيقية ومختبرات وتدريباً ميدانياً. كما أن الاستفادة من التعليم الرقمي ترتبط بتوفر الاتصال بالإنترنت والأجهزة المناسبة والمهارات التقنية.
ولهذا، فإن اعتماد حلول رقمية دون معالجة الفوارق في التجهيز والاتصال قد يعيد إنتاج الاختلالات نفسها بأشكال جديدة.
ويمكن للتعليم المدمج أن يشكل جزءاً من الحل عندما يرافقه تأطير بيداغوجي جيد ومراكز محلية مجهزة، لكنه لا ينبغي أن يستخدم ذريعة لتأجيل الاستثمار في المؤسسات والخدمات الجامعية بالمناطق الأقل استفادة.
الحكومة أمام امتحان الأرقام والالتزامات
تمنح الأسئلة البرلمانية المبرمجة اليوم فرصة لمساءلة الحكومة عن المعايير التي تعتمدها في توزيع مؤسسات التعليم العالي، ومدى تقدم مراجعة الخريطة الجامعية، والإجراءات الموجهة إلى المناطق التي تواجه صعوبات في الولوج إلى التكوين.
ومن الضروري أن تقدم الحكومة معطيات مفصلة عن التوزيع الجهوي للمؤسسات والتخصصات والموارد البشرية، إلى جانب مؤشرات تتعلق بالمنح والسكن الجامعي والطاقة الاستيعابية.
كما ينبغي توضيح المشاريع المبرمجة ومراحل إنجازها، والتمييز بين المؤسسات التي توجد في طور الدراسة وتلك التي رصدت لها اعتمادات فعلية، حتى لا تتحول الإعلانات إلى وعود يصعب تتبع تنفيذها.
وتتحمل المعارضة مسؤولية مساءلة الحكومة على أساس الفوارق الموثقة والنتائج، بينما ينبغي أن تلتزم الأغلبية بتقييم السياسات العمومية بعيداً عن الاكتفاء بالدفاع عن حصيلة المؤسسات التي تديرها.
العدالة الجامعية تقاس بقدرة الطالب على الاستمرار
لا يقتصر تكافؤ الفرص على قبول الطالب في مؤسسة جامعية، بل يشمل قدرته على الاستمرار في الدراسة والاستفادة من تكوين جيد واستكمال مساره دون عوائق يمكن تفاديها.
فقد ينجح الطالب في الحصول على مقعد جامعي، لكنه يواجه صعوبات مالية أو اجتماعية تؤثر في انتظام حضوره وتحصيله. كما قد يجد خريج مؤسسة بعيدة عن المراكز الاقتصادية نفسه أمام تحديات إضافية في الولوج إلى التدريب وفرص العمل.
ولهذا، فإن قياس العدالة المجالية يحتاج إلى تتبع مسارات الطلبة منذ التسجيل حتى التخرج، مع دراسة أسباب الانقطاع والتأخر في الحصول على الشهادات والتفاوت في فرص الإدماج المهني.
كما يتطلب إشراك الجامعات والطلبة والفاعلين الترابيين في تقييم الحاجيات، لأن التخطيط المركزي وحده قد لا يعكس جميع الصعوبات التي تظهر في الحياة الجامعية اليومية.
من توزيع الجامعات إلى توزيع الفرص
يعيد النقاش البرلماني حول الخريطة الجامعية طرح سؤال أساسي يتعلق بطبيعة التنمية التي يريدها المغرب. فوجود مؤسسات للتعليم العالي خارج المدن الكبرى لا يمثل مجرد مطلب محلي، بل يرتبط بتوزيع فرص المعرفة والتأهيل والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي بين الجهات.
غير أن العدالة لا تتحقق بإحداث مؤسسات متفرقة دون ضمان جودتها، كما لا تتحقق بحصر التخصصات والموارد في عدد محدود من المراكز الجامعية. والمطلوب سياسة تجمع بين القرب الجغرافي والتأطير الجيد والخدمات الاجتماعية والارتباط بحاجيات التنمية.
وسيكون على الحكومة أن توضح ما إذا كانت مراجعة الخريطة الجامعية ستؤدي إلى تقليص الفوارق الفعلية، أم ستكتفي بإضافة مؤسسات جديدة إلى شبكة ما تزال تعاني اختلالات في توزيع الموارد والفرص.
فالجامعة العادلة ليست بالضرورة الأقرب إلى منزل كل طالب، لكنها الجامعة التي لا تجعل مكان الولادة أو دخل الأسرة عاملاً حاسماً في فرص الحصول على تعليم عالٍ جيد.
