دخلت المشاورات داخل مجلس الأمن الدولي بشأن الصحراء مرحلة جديدة، بعدما وزعت الولايات المتحدة الأمريكية نسخة منقحة من مشروع القرار المرتقب حول النزاع، تضمنت تعديلات مهمة على صياغة الحل السياسي ومستقبل بعثة الأمم المتحدة، دون التخلي عن الموقع المركزي الذي تحتله المبادرة المغربية للحكم الذاتي في المسار التفاوضي.
وتكشف التعديلات، وفق المضامين التي نشرتها وسائل إعلام اطلعت على المسودة، عن محاولة أمريكية للتوفيق بين تعزيز المرجعية التفاوضية للمقترح المغربي وبين استيعاب التحفظات التي أثارتها الصياغة الأولى لدى بعض الأطراف. وقد شملت المراجعة توصيف الحكم الذاتي، والإشارة إلى مبدأ تقرير المصير، والجدول الزمني المتعلق بمستقبل بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية، المعروفة اختصاراً باسم «مينورسو».
غير أن القراءة السياسية لهذه التطورات تقتضي التمييز بين مشروع قرار قيد التفاوض وقرار نهائي معتمد. فالوثيقة المتداولة لا تكتسب صفة القرار الملزم لمجلس الأمن إلا بعد استكمال إجراءات التصويت واعتماد النص النهائي، الذي قد يشهد تعديلات إضافية.
من «الحل الوحيد» إلى «الحل الأكثر قابلية للتطبيق»
يمثل تعديل العبارة المتعلقة بمآل التسوية أحد أبرز الفروق بين المسودة الأولى والنسخة المنقحة.
ففي الصيغة الأولية، وصفت المبادرة المغربية للحكم الذاتي بأنها الحل الوحيد القابل للتطبيق. أما النسخة الجديدة، فقد استبدلت هذا الوصف بعبارة تفيد أنها الحل الأكثر قابلية للتطبيق، مع الإبقاء على المقترح المغربي الموسع والمحدث باعتباره الأساس الوحيد للمفاوضات.
ويحمل هذا التمييز دلالة دبلوماسية مهمة. فاعتبار مقترح معين أساساً وحيداً للتفاوض يحدد الإطار الذي يُطلب من الأطراف مناقشته، لكنه لا يساوي قانونياً إعلان أن التسوية النهائية قد حُسمت بصورة مسبقة.
أما الانتقال من «الوحيد» إلى «الأكثر قابلية للتطبيق»، فيخفف درجة القطع في توصيف النتيجة النهائية، مع الإبقاء على أفضلية واضحة للحكم الذاتي في التصور الذي تتبناه واشنطن.
وبالنسبة إلى المغرب، فإن الحفاظ على المبادرة المغربية مرجعيةً مركزية للمفاوضات يمثل استمراراً للدعم الذي اكتسبه هذا المقترح خلال السنوات الأخيرة. غير أن هذا التقدم السياسي لا يلغي الحاجة إلى اتفاق نهائي وآليات لتنفيذه، كما لا يحول مشروع القرار، في حد ذاته، إلى تسوية مكتملة للنزاع.
لماذا أعادت واشنطن إدراج مبدأ تقرير المصير؟
تضمنت المراجعات أيضاً تأكيداً أوضح على مبدأ تقرير المصير، في سياق الحديث عن حل سياسي عادل ودائم ومقبول من الأطراف، وفق ميثاق الأمم المتحدة.
ويكتسب هذا التعديل أهمية خاصة بالنظر إلى الوضع القانوني للصحراء الغربية ضمن منظومة الأمم المتحدة، حيث لا يزال الإقليم مدرجاً في قائمة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي.
ويعتبر المغرب أن مبادرة الحكم الذاتي تحت سيادته توفر إطاراً واقعياً لممارسة السكان صلاحيات تدبير شؤونهم المحلية ضمن الدولة المغربية. وفي المقابل، تتمسك جبهة البوليساريو بتفسير لمبدأ تقرير المصير يتضمن خيار الاستقلال، وترفض حصر التسوية مسبقاً في الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.
ومن ثم، فإن إعادة الإشارة إلى تقرير المصير لا تحسم الخلاف القانوني والسياسي بين الطرفين، لكنها تؤكد أن الصياغة الأممية مطالبة بمراعاة المرجعيات القانونية التي يستند إليها مسار التسوية.
وتكشف هذه النقطة تحديداً أن دعم مجلس الأمن لمسار تفاوضي قائم على المبادرة المغربية لا يعني بالضرورة أن جميع المسائل القانونية والسياسية المرتبطة بالنزاع قد انتهت.
مستقبل مينورسو.. تأجيل الحسم بدل الإنهاء التلقائي
يمثل مستقبل بعثة «مينورسو» أحد أكثر الملفات حساسية في مشروع القرار الجديد. فقد تضمنت المسودة الأولية مقترحات لإعادة هيكلة البعثة وتحويل طبيعة مهمتها ضمن جدول زمني محدد، بينما اتجهت النسخة المنقحة إلى ترك مساحة أكبر لمجلس الأمن لتحديد الخطوات المقبلة.
وبحسب التغطيات المنشورة اليوم، تراجعت المسودة الجديدة عن الإنهاء التلقائي لمهام حفظ السلام في أبريل 2027، وعن التقليص الإلزامي السريع لعدد أفراد البعثة. كما تضمنت طلباً لتقديم مقترحات أممية بشأن مستقبلها قبل نهاية يناير 2027.
ولا يعني تأجيل إعادة الهيكلة أن البعثة ستستمر بالضرورة بصيغتها الحالية إلى أجل غير محدد. كما لا يعني أن قرار إنهائها قد اتخذ بالفعل. فالمسألة ما زالت مرتبطة بتقييم الاحتياجات الميدانية والتقدم السياسي ومداولات مجلس الأمن.
ويكتسب هذا النقاش أهمية إضافية لأن «مينورسو» تأسست سنة 1991 بموجب القرار 690، وأُنيطت بها مهام مرتبطة بمراقبة وقف إطلاق النار ودعم مسار التسوية. ولذلك، فإن أي تغيير في طبيعتها أو ولايتها يتجاوز الجانب الإداري إلى طبيعة الدور الذي ستواصل الأمم المتحدة أداءه في المنطقة.
الأمم المتحدة تستعيد موقعها في الصياغة المنقحة
أعادت النسخة المعدلة، وفق المعلومات المتاحة، إبراز الدور القيادي للأمم المتحدة والأمين العام ومبعوثه الشخصي ستافان دي ميستورا في تيسير المفاوضات.
ويأتي ذلك في سياق دور أمريكي متقدم في صياغة مشروع القرار ودعم المسار التفاوضي القائم على المقترح المغربي.
ولا يوجد تعارض ضروري بين الدور الأمريكي في الوساطة وبين الاختصاصات الأممية، لكن العلاقة بينهما تطرح سؤالاً بشأن الجهة التي تضبط إيقاع المفاوضات والضمانات السياسية والقانونية المرتبطة بأي اتفاق محتمل.
ومن هذا المنظور، يمكن فهم التعديلات باعتبارها محاولة لتوسيع قاعدة التوافق حول مشروع القرار، دون إعادة فتح جميع الخيارات السياسية التي كانت مطروحة في مراحل سابقة من النزاع.
بين المكسب الدبلوماسي وحدود التسوية النهائية
بالنسبة إلى المغرب، يحمل الإبقاء على الحكم الذاتي أساساً وحيداً للمفاوضات دلالة سياسية مهمة، لأنه يعزز موقع المبادرة المغربية داخل الصياغة المقترحة للقرار.
لكن التقييم الموضوعي لهذا التطور يقتضي عدم الخلط بين ثلاثة مستويات: دعم مقترح تفاوضي، واعتماد قرار أممي، والتوصل إلى اتفاق نهائي قابل للتنفيذ.
فالمسودة، مهما بلغت قوة عباراتها، لا تحسم بمفردها جميع القضايا المرتبطة بالتسوية. كما أن نجاح المسار السياسي سيتوقف على قبول الأطراف بآليات التفاوض، وعلى تحديد مضمون الترتيبات المستقبلية وضمانات تنفيذها.
وفي المقابل، ترى جبهة البوليساريو أن حصر المفاوضات في الحكم الذاتي يقيد الخيارات التي تعتبرها جزءاً من ممارسة تقرير المصير. وقد عبّر ممثلها لدى الأمم المتحدة عن اعتراضه على الاتجاه الذي اتخذته المسودة الأمريكية الأولى.
ويظل هذا الخلاف أحد أبرز التحديات التي تواجه أي محاولة لتحويل الدعم الدبلوماسي إلى اتفاق سياسي مستدام.
التصويت المرتقب.. ما الذي ينبغي مراقبته؟
تتجه الأنظار إلى جلسة التصويت المرتقبة يوم الجمعة 30 أكتوبر، قبل انتهاء الولاية الحالية للبعثة في 31 أكتوبر. ويستند هذا الموعد الأخير إلى القرار الأممي 2797 المعتمد سنة 2025.
وستكون هناك ثلاث مسائل أساسية لتقييم النص النهائي: الصياغة التي سيعتمدها المجلس بشأن الحكم الذاتي، ومدى وضوح الإشارة إلى تقرير المصير، ثم طبيعة القرارات المتعلقة بتمديد ولاية مينورسو أو إعادة هيكلتها.
كما ستكون مواقف أعضاء مجلس الأمن ذات أهمية في تحديد مستوى التوافق الدولي. فاعتماد القرار لا يلغي بالضرورة وجود تحفظات سياسية، مثلما أن الاختلاف بشأن بعض عباراته لا يعني بالضرورة رفض المسار التفاوضي برمته.
اختبار الانتقال من إدارة النزاع إلى تسويته
تكشف النسخة المنقحة عن اتجاه دبلوماسي يسعى إلى جعل المبادرة المغربية للحكم الذاتي محور المفاوضات، مع تخفيف بعض العبارات التي قد تعرقل التوافق داخل مجلس الأمن.
غير أن القيمة السياسية لهذا التوجه ستتحدد بما يحدث بعد التصويت، وليس بالصياغة وحدها. فنجاح أي مسار تفاوضي يتطلب انتقال الأطراف من تثبيت مواقفها إلى مناقشة ترتيبات قابلة للتنفيذ، تحت إشراف أممي واضح.
وعليه، فإن التطور الأبرز لا يتمثل في إعلان حل نهائي للنزاع، بل في إعادة تحديد الإطار الذي قد تجري داخله المفاوضات المقبلة، مع إبقاء مستقبل البعثة الأممية مفتوحاً أمام قرارات لاحقة.
