f x ig yt
الخميس، 15 أكتوبر 2026
جديد الإختيار

بنك المغرب يثبّت الفائدة عند 2.25%.. اقتصاد بلا تضخم يسلّم الحكومة المقبلة ملفات ثقيلة

الأرقام النقدية مطمئنة، لكن ارتفاع أسعار المحروقات وضعف التشغيل يذكّران بأن الاستقرار الماكرو-اقتصادي لا يصل تلقائياً إلى جيوب الأسر

اقتصاد 📅 27 سبتمبر 2026 ⏱ 4 دقائق
مقر بنك المغرب بالرباط

قرر مجلس بنك المغرب، في اجتماعه الفصلي المنعقد يوم 22 شتنبر، الإبقاء على سعر الفائدة الرئيسي في حدود 2.25%. القرار لم يفاجئ المتتبعين، فالمعطيات التي بنى عليها البنك المركزي تقديراته تتحدث عن تضخم شبه متوقف، إذ لم يتجاوز متوسطه 0.3% خلال الأشهر الثمانية الأولى من السنة، مع توقع أن ينهي سنة 2026 في حدود 0.7%. ويرى البنك أن هذا المستوى لا يستدعي تشديداً نقدياً، كما لا يبرر خفضاً جديداً في ظرفية دولية تطبعها تقلبات أسعار الطاقة وعدم اليقين الجيوسياسي.

ويأتي القرار في لحظة سياسية خاصة. فالانتخابات التشريعية أفرزت نتائجها النهائية، والبلاد تنتظر تعيين رئيس الحكومة وتشكيل فريقه. لذلك يصعب قراءة الرسائل النقدية بمعزل عن السياق. فالبنك المركزي، بتثبيته الفائدة، يسلّم الحكومة المقبلة إطاراً نقدياً مستقراً، ويترك لها في الوقت نفسه مسؤولية الملفات التي لا تحلها أدوات السياسة النقدية.

أرقام تمنح هامشاً مريحاً للتدبير

تبدو المؤشرات الكلية التي عرضها بنك المغرب في صالح الاقتصاد الوطني. فالبنك يتوقع نمواً في حدود 4.4% هذه السنة، وهو رقم قريب من تقديرات صندوق النقد الدولي التي تحدثت عن 4.9%. أما الاحتياطيات الرسمية من العملة الصعبة فبلغت نحو 502.8 مليار درهم، وهو مستوى يوفّر للمملكة حماية مريحة أمام صدمات الأسواق الخارجية ويعزز ثقة المستثمرين والمقرضين الدوليين.

هذه الأرقام تعني عملياً أن الحكومة المقبلة لن تبدأ ولايتها في أجواء أزمة مالية، وأنها تملك هامشاً للاقتراض والتمويل بشروط معقولة. كما أن استقرار الأسعار يخفف الضغط على الميزانية المخصصة لدعم المواد الأساسية مقارنة بسنوات الموجة التضخمية التي أعقبت الحرب في أوكرانيا، حين تجاوز التضخم عتبة 6% وأرغم البنك المركزي على رفع الفائدة في أكثر من مناسبة.

التضخم الرسمي لا يطابق إحساس المواطن

غير أن القراءة النقدية لا تكتمل دون التوقف عند المسافة بين المؤشر الإحصائي والواقع المعيش. فمتوسط تضخم لا يتجاوز 0.3% لا يعني أن الأسعار انخفضت، بل يعني فقط أنها توقفت عن الارتفاع بالوتيرة السابقة، بعد أن استقرت عند مستويات مرتفعة أصلاً. والأسرة المغربية التي امتصت موجة الغلاء بين 2022 و2024 لم تسترجع قدرتها الشرائية، لأن الأجور لم تواكب تلك القفزة في معظم القطاعات.

ويزيد من حدة هذا الإحساس ما عرفته أسعار المحروقات من زيادات في الأسابيع الأخيرة، وهي زيادات انعكست مباشرة على مهنيي النقل الذين عادوا للمطالبة بآليات حماية تحفظ توازن نشاطهم. والمحروقات في المغرب ليست سلعة كغيرها، فهي تدخل في كلفة نقل الخضر والفواكه والمواد المصنعة، وأي ارتفاع فيها يتسرب تدريجياً إلى سلة الاستهلاك اليومي، حتى وإن ظل المؤشر العام للأسعار هادئاً في الإحصاءات الرسمية.

حدود ما يمكن أن تفعله السياسة النقدية

يدرك بنك المغرب أن أداته الأساسية، أي سعر الفائدة، فعالة في كبح التضخم الناتج عن فائض الطلب، لكنها قليلة الجدوى أمام تضخم مستورد مصدره أسعار الطاقة في الأسواق الدولية. ولهذا ظل خطابه في السنوات الأخيرة يؤكد أن معالجة ارتفاع أسعار المحروقات والمواد الغذائية تتطلب تدخلاً على مستوى السياسات القطاعية والمنافسة وهوامش الربح، وهي مجالات تقع في صميم مسؤولية الحكومة ومجلس المنافسة، لا في اختصاص البنك المركزي.

ومن هنا تكتسب مسألة المنافسة في سوق المحروقات راهنيتها. فالنقاش حول هوامش أرباح شركات التوزيع لم يُحسم بعد، رغم الغرامات التي فرضها مجلس المنافسة والتقارير البرلمانية التي أثارت الملف منذ تحرير الأسعار سنة 2015. والحكومة المقبلة، أياً كانت تركيبتها، ستجد نفسها مطالبة بتقديم جواب واضح في هذا الملف، لأن استمرار الغموض فيه يفرغ الاستقرار النقدي من معناه الاجتماعي.

التشغيل يبقى الحلقة الأضعف

إلى جانب القدرة الشرائية، يظل التشغيل الملف الذي لا تعكسه أرقام النمو بشكل كاف. فالاقتصاد المغربي حقق في السنوات الماضية معدلات نمو محترمة في بعض الفترات، لكنها لم تترجم إلى خلق مناصب شغل بالوتيرة المطلوبة، خصوصاً لفائدة الشباب وحاملي الشهادات وسكان العالم القروي الذين تأثروا بسنوات الجفاف المتتالية.

والمطلوب في هذا السياق ليس فقط رفع نسبة النمو، بل تغيير طبيعته، بحيث يقوم على قطاعات كثيفة التشغيل كالصناعة التحويلية والسياحة والخدمات، وعلى دعم حقيقي للمقاولات الصغيرة والمتوسطة التي تشكو من صعوبة الولوج إلى التمويل رغم انخفاض أسعار الفائدة. فالقروض الرخيصة لا تكفي إذا ظلت شروط الضمانات والمساطر الإدارية حاجزاً أمام المقاول الصغير.

إرث مستقر وانتظارات مرتفعة

يترك قرار بنك المغرب إذن صورة مزدوجة. فمن جهة، يستلم الفريق الحكومي المرتقب اقتصاداً متوازناً على المستوى الكلي، بتضخم متحكم فيه واحتياطيات مريحة وآفاق نمو إيجابية. ومن جهة أخرى، يرث انتظارات اجتماعية مرتفعة عبّرت عنها الحملة الانتخابية نفسها، حين تصدرت القدرة الشرائية والتشغيل والصحة والتعليم وعود مختلف الأحزاب.

والاختبار الحقيقي للمرحلة المقبلة لن يكون في الحفاظ على التوازنات الماكرو-اقتصادية، فهذه مسألة أثبتت المؤسسات المغربية قدرتها على تدبيرها، بل في تحويل هذا الاستقرار إلى أثر ملموس في حياة المواطنين. وهي مهمة تتجاوز اجتماعات مجلس بنك المغرب لتصبح مسؤولية سياسية بالدرجة الأولى، يُحاسَب عليها من يتولى تدبير الشأن العام خلال السنوات الخمس المقبلة.

شارك المقال فيسبوك إكس تيليغرام

اقرأ أيضاً

اترك تعليقاً