قد تختفي الخيمة ولا تختفي العصبية. قد تنتقل الجماعة من البادية إلى المدينة، ويحل الحزب محل القبيلة، والمؤسسة محل العشيرة، والهاتف المحمول محل مجلس الجماعة، لكن الإنسان لا يتخلص بسهولة من حاجته إلى الانتماء إلى «نحن» تمنحه الحماية والمعنى والقوة في مواجهة «هم». بعد أكثر من ستة قرون على ابن خلدون، يبدو السؤال مثيراً: هل انتهت العصبية التي وضعها في قلب تفسيره للعمران والدولة، أم أنها تعلمت ببساطة أن تعيش في عالم مختلف؟
يمكن تسمية هذا العالم، بشيء من الجرأة المفهومية، «ما بعد القبلية». والمقصود ليس مرحلة تاريخية انتهت فيها القبيلة، فالقبائل والروابط القرابية ما تزال حاضرة بدرجات متفاوتة في مجتمعات كثيرة، كما أن مفهوم «ما بعد القبلية» هنا ليس مصطلحاً خلدونياً ولا نظرية أكاديمية مكتملة. إنه اقتراح للقراءة: ماذا يحدث للعصبية عندما تضعف رابطة الدم، بينما تستمر الحاجة الاجتماعية إلى التضامن والانتماء والتحالف والتمييز بين الداخل والخارج؟
ابن خلدون لم يكن يتحدث عن القبيلة وحدها
يختزل تقديم ابن خلدون أحياناً في العبارة الشهيرة التي تجعله «مؤسس علم الاجتماع»، بينما تكمن أهمية المقدمة في شيء أكثر تعقيداً. لقد حاول الرجل أن يفهم القواعد التي تجعل الاجتماع البشري ممكناً، وأن يفسر قيام الدول وصعودها وتحولها، واضعاً «العصبية» في قلب جانب مهم من هذه الحركة.
العصبية عنده مرتبطة بالنسب والقرابة، لكنها ليست مرادفاً بسيطاً للقبيلة. فابن خلدون نفسه يوسع مجالها عندما يناقش الولاء والحلف والالتحام الاجتماعي، ويلاحظ أن النسب يكتسب قوته من آثاره الاجتماعية؛ أي من شعور الجماعة بالقرب والنصرة والتضامن.
بهذا المعنى، ليست المسألة أن يحمل الناس اسماً عائلياً واحداً، بل أن يشعروا بأن ما يصيب الواحد منهم يعني الآخرين، وأن الجماعة قادرة على التحرك بوصفها قوة متماسكة.
وهنا تكمن عبقرية المفهوم، وفي الوقت نفسه خطر إساءة استعماله. فإذا جعلنا كل تضامن حديث «عصبية» فلن يعود المفهوم يفسر شيئاً، لأن كل جماعة ستصبح قبيلة جديدة. أما إذا احتفظنا بخصائصه الأساسية، فقد يساعدنا على طرح أسئلة غير متوقعة عن مجتمعاتنا.
من رابطة الدم إلى رابطة المصلحة
الدولة الحديثة غيرت جزءاً كبيراً من الشروط التي كتب فيها ابن خلدون. المواطن من حيث المبدأ لا يحتاج إلى حماية قبيلته لكي يحصل على حقه، لأن القانون والمؤسسات يفترض أن يقوما بهذه الوظيفة. والوظيفة العمومية يفترض ألا تمنح بسبب النسب، والعقد لا يحتاج إلى رابطة قرابة حتى يكون ملزماً، والانتخابات والأحزاب والنقابات والجمعيات توفر أشكالاً من التنظيم لم تكن موجودة في العالم الخلدوني.
لكن قيام المؤسسات لم يُلغ الشبكات غير الرسمية.
ففي مجتمعات حديثة كثيرة ما زالت القرابة والصداقة والانتماء المحلي والمصلحة المشتركة والعلاقات الشخصية قادرة على فتح الأبواب أو إغلاقها. وقد لا يسأل الشخص: «إلى أي قبيلة تنتمي؟»، لكنه قد يسأل السؤال نفسه بلغة مختلفة: من تعرف؟ ومن يقف وراءك؟ وإلى أي شبكة تنتمي؟
هنا تبدأ «ما بعد القبلية». فالعصبية لا تحتاج بالضرورة إلى شجرة نسب؛ يمكن أن تجد بديلاً لها في شبكة المصالح.
لكن ينبغي التمييز. التعاون بين الأصدقاء ليس عصبية بالضرورة، والانتماء إلى حزب أو نقابة أو جمعية ليس شكلاً مرضياً من القبلية. المجتمع الحديث لا يستطيع أن يوجد من دون جماعات وتنظيمات وسيطة. تبدأ المشكلة حين تصبح رابطة الجماعة أقوى من القاعدة المشتركة، فيُدافع عن «واحد منا» لأنه منا، لا لأن موقفه صحيح، ويُرفض الآخر لأنه خارج الجماعة، لا لأن حجته ضعيفة.
المدينة لم تقتل العصبية
كان يمكن الاعتقاد أن المدينة الحديثة ستفعل بالعصبية ما فعلته بأشكال أخرى من التنظيم التقليدي. فالحياة الحضرية تجمع الغرباء، وتفرض التعامل اليومي مع أشخاص لا تجمعنا بهم قرابة، وتجعل السوق والإدارة والمدرسة والعمل والقانون وسائط بين الأفراد.
غير أن المدينة لم تنتج الفرد المستقل فقط؛ أنتجت أيضاً جماعات جديدة.
في الحي يمكن أن تتشكل هوية محلية قوية، وفي المهنة تضامن مهني، وفي النادي الرياضي جمهور يشعر بأن ألوان فريقه جزء من هويته، وفي السياسة انتماء حزبي، وفي الثقافة جماعات تتقاسم اللغة والرموز والذاكرة. بعض هذه الروابط يثري المجتمع ويمنح أفراده القدرة على التعاون، وبعضها قد يتحول إلى إقصاء واستقطاب.
وهذا ما يجعل ابن خلدون مفيداً من جديد، شريطة ألا نجبره على تفسير عالم لم يعشه. فهو لم يكتب عن المدينة الصناعية الحديثة، ولا الدولة الوطنية، ولا الحزب الجماهيري، ولا الإنترنت. ما نستعيره منه ليس الإجابات، بل السؤال عن القوة التي تجعل مجموعة من الأفراد تتصرف كما لو كانت جسداً واحداً.
هل الحزب قبيلة حديثة؟
الإغراء كبير بأن نقول نعم، لكن الإجابة السهلة تفسد الفكرة.
الحزب في تعريفه الحديث تنظيم سياسي يقوم، نظرياً، على برنامج ومصالح ورؤية للحكم، بينما تقوم القبيلة التقليدية على روابط اجتماعية وتاريخية مختلفة. لذلك لا يصح وضعهما في خانة واحدة.
غير أن الحزب يمكن أن يكتسب سلوكاً عصبياً عندما تتحول العضوية من اتفاق على أفكار قابلة للنقد إلى ولاء للجماعة نفسها، وعندما يصبح الدفاع عن القيادة واجباً بصرف النظر عن أفعالها، أو عندما ينظر الأعضاء إلى النقد الخارجي باعتباره اعتداء على هويتهم الجماعية.
الأمر نفسه يمكن أن يحدث داخل مؤسسة أو حركة اجتماعية أو جماعة ثقافية، بل حتى بين أنصار شخصية عامة. ليست المشكلة في الانتماء، وإنما في اللحظة التي يتوقف فيها الانتماء عن قبول المسافة النقدية.
عندها يصبح السؤال الخلدوني معاصراً بصورة مدهشة: ما الذي يجعل الجماعة متماسكة إلى درجة أنها تقدم بقاءها على القواعد التي يفترض أنها تؤمن بها؟
ثم جاءت الخوارزمية
هنا ندخل إلى منطقة لم يكن بإمكان ابن خلدون تصورها.
الجماعة الخلدونية كانت تحتاج إلى القرب والتنشئة والقرابة والتحالف والتجربة المشتركة. أما الإنسان الرقمي فيستطيع اليوم أن يشعر بانتماء قوي إلى آلاف الأشخاص لم يقابل واحداً منهم قط.
تمنح المنصات الرقمية الفرد جماعات جاهزة حول السياسة والرياضة والثقافة ونمط الحياة والأفكار والهويات. وحين تتكرر أمامه المواقف التي تشبه موقفه، قد يبدو له أن جماعته تمثل الواقع كله، بينما يصبح المختلف أكثر بعداً وغرابة.
لكن القول إن «الخوارزمية تصنع العصبية» يحتاج إلى احتراز. أنظمة التوصية لا تملك قبيلة ولا ولاء بالمعنى الخلدوني، كما أن تأثير المنصات على الاستقطاب يختلف بحسب المنصة والمجتمع والسياق. الأصح أن نقول إن البيئة الرقمية تستطيع تسهيل شروط تشكل جماعات شديدة التماسك حول هوية أو قضية أو خصم مشترك.
وهنا يظهر شكل جديد من «ما بعد القبلية»: جماعة بلا نسب، وربما بلا مكان، لكنها تمتلك رموزها ولغتها وخصومها وذاكرتها الداخلية.
من «أنا أفكر» إلى «نحن نعتقد»
الخطر الأعمق في العصبية لا يكمن في وجود الجماعة، بل في قدرتها على الحلول محل حكم الفرد.
حين تصبح هوية الإنسان مرتبطة بشدة بجماعته، يصبح تغيير الرأي مكلفاً نفسياً واجتماعياً. الاعتراف بخطأ فكرة قد يبدو اعترافاً بخطأ الجماعة، ونقد الزعيم قد يتحول إلى خيانة، والاستماع إلى الخصم قد يُقرأ باعتباره ضعفاً في الولاء.
وهنا يلتقي ابن خلدون بعلم النفس الاجتماعي الحديث من دون أن نخلط بينهما. فقد درست أبحاث الهوية الاجتماعية لاحقاً كيف يصنف البشر أنفسهم والآخرين ضمن جماعات، وكيف يمكن للانتماء الجماعي أن يؤثر في الإدراك والحكم والسلوك. وهذه الأدبيات نشأت في سياق علمي مختلف تماماً عن المقدمة، لكنها تجعل المقارنة مثمرة: الإنسان لا يدخل المجال العام بوصفه عقلاً فردياً مجرداً دائماً؛ يدخل أيضاً محملاً بانتماءاته.
ولذلك يمكن أن تتغير القبيلة بينما يبقى أحد منطقها الأساسي حياً: قوة «نحن».
المغرب بين المؤسسة والرابطة
تكتسب قراءة ابن خلدون معنى خاصاً في المغرب والمجتمعات العربية، لأن الحداثة السياسية والاجتماعية لم تمح الروابط القديمة، بل جعلتها تتعايش مع مؤسسات حديثة.
فالإنسان يمكن أن يكون مواطناً داخل دولة حديثة، وعضواً في حزب أو جمعية، وينتمي في الوقت نفسه إلى عائلة ومنطقة وشبكة مهنية ومحلية. لا يوجد تناقض حتمي بين هذه الانتماءات، بل يمكن أن تكون مصدراً للثقة والتضامن.
المشكلة تبدأ عندما تدخل الرابطة الخاصة إلى المجال الذي يفترض أن تحكمه قاعدة عامة.
إذا أصبح القريب أولى بالوظيفة لأنه قريب، والصديق أولى بالخدمة لأنه صديق، وعضو الجماعة محصناً من النقد لأنه «منا»، نكون قد انتقلنا من التضامن إلى الامتياز. وهنا لا يعود السؤال متعلقاً ببقاء القبيلة، وإنما بقدرة الدولة الحديثة على جعل المؤسسة أقوى من العصبية عندما يتعارضان.
فالدولة الحديثة لا تطلب من الإنسان أن يعيش بلا روابط، بل أن يقبل بأن القانون لا يعرف أقاربه.
هل أخطأ ابن خلدون إذن أم سبق عصره؟
كلا التعبيرين يحتاج إلى الحذر.
لم يكتب ابن خلدون نظرية عن المجتمعات الديمقراطية الحديثة أو الشبكات الرقمية، ولا ينبغي تحويله إلى مفكر «تنبأ» بكل ما جاء بعده. وفي المقابل، فإن حصره داخل مجتمعات القبائل في القرن الرابع عشر يفقدنا القيمة التحليلية لسؤال طرحه مبكراً وبقوة: كيف تتحول رابطة اجتماعية إلى قوة سياسية، وكيف تحتاج السلطة إلى التضامن، وكيف يتغير هذا التضامن عندما تنتقل الجماعة من الهامش إلى مركز الدولة؟
ربما تكون قيمة المفكر الكبير في أن مفاهيمه لا تعطينا الأجوبة نفسها بعد ستة قرون، لكنها تجبرنا على صياغة أسئلة جديدة.
وهذا بالضبط ما تفعله العصبية اليوم.
ما بعد القبلية
القبيلة لم تختف من العالم، ولذلك لا تعني «ما بعد القبلية» إعلان وفاتها. إنها تسمية لحالة أكثر تعقيداً: مجتمع تستطيع فيه العصبية أن تنفصل عن النسب وتبحث عن أوعية جديدة.
قد تسكن الحزب، أو الشبكة الاقتصادية، أو الجماعة المحلية، أو جمهوراً رياضياً، أو مجتمعاً رقمياً. وقد تكون قوة للتعاون والتكافل، مثلما يمكن أن تتحول إلى وسيلة للإقصاء والمحسوبية والاستقطاب.
ولهذا ربما لا يكون السؤال المعاصر: هل ما زلنا قبليين؟
السؤال الأدق هو ماذا فعلنا بالحاجة القديمة إلى «نحن» بعد أن تغيرت القبيلة نفسها. فإذا كانت الحداثة قد منحت الفرد حقوقاً مستقلة عن جماعته، فإن العالم الرقمي يعيد في الوقت نفسه إنتاج جماعات جديدة بسرعة غير مسبوقة، بعضها لا يحتاج إلى أرض ولا نسب ولا تاريخ طويل لكي يصنع شعوراً قوياً بالانتماء.
وهنا يعود ابن خلدون، لا بوصفه عرّافاً رأى الإنترنت قبل ستة قرون، بل بوصفه مفكراً أدرك شيئاً أكثر بساطة وعمقاً: الإنسان يستطيع أن يكون فرداً، لكنه حين يدخل التاريخ لا يفعل ذلك منفرداً دائماً.
أما «ما بعد القبلية»، فربما تكون المفارقة فيها أن القبيلة تستطيع أن تتراجع، بينما تبقى العصبية حية؛ تغير اسمها ولباسها ووسائل اتصالها، ثم تعود لتطرح السؤال الخلدوني القديم بصيغة جديدة: من هم «نحن»، ومن الذي نضعه خارجها؟
