f x ig yt
الأربعاء، 28 أكتوبر 2026
جديد الإختيار

إصلاح التقاعد يعود إلى واجهة النقاش.. حكومة المنصوري أمام امتحان حماية المعاشات

النقابات تطالب باستكمال العمل الذي أنجزته اللجنة التقنية، والحكومة تتعهد بالحفاظ على الحقوق المكتسبة ورفع الحد الأدنى للمعاشات تدريجياً. لكن مستقبل الإصلاح يظل مرتبطاً بالتمويل والتوافق الاجتماعي.

الحكومة والبرلمان 📅 28 أكتوبر 2026 ⏱ 5 دقائق
إصلاح التقاعد في المغرب ومستقبل معاشات المتقاعدين في ظل الحوار الاجتماعي.

عاد ملف إصلاح أنظمة التقاعد إلى واجهة النقاش الاجتماعي بالمغرب، مع بداية عمل الحكومة الجديدة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري. وتنتظر المركزيات النقابية استئناف الحوار حول هذا الورش، بعدما انتهت الولاية الحكومية السابقة دون التوصل إلى صيغة نهائية للإصلاح.

وتطالب النقابات بالبناء على نتائج التشخيص الذي أنجزته اللجنة التقنية خلال الأشهر الماضية. كما تدعو إلى الكشف عن التقرير التفصيلي الذي يفترض أن يجمع خلاصات الاجتماعات والملاحظات المسجلة بشأن وضعية صناديق التقاعد.

ويأتي هذا التطور في سياق تعهدات حكومية بتحسين دخل المتقاعدين وضمان استدامة الأنظمة. غير أن الانتقال من التشخيص إلى القرارات يطرح أسئلة تتعلق بالتمويل والعدالة الاجتماعية وتوزيع كلفة الإصلاح.

النقابات ترفض العودة إلى نقطة الصفر

أكد عبد الحق حيسان، عضو اللجنة التقنية عن الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، أن تغيير الحكومة لا ينبغي أن يؤدي إلى إعادة التشخيص من بدايته.

وأوضح، في تصريحات نشرتها هسبريس يوم 28 أكتوبر 2026، أن اللجنة أنهت لقاءاتها خلال الولاية السابقة. غير أن النقابات لم تتوصل بعد بالتقرير النهائي الذي كان يجري إعداده.

وتطالب المركزيات النقابية باستئناف الاجتماعات مع مسؤولي صناديق التقاعد، ثم عرض حصيلة التشخيص على اللجنة الوطنية المختصة. وترى أن هذه الخطوة ضرورية قبل الانتقال إلى بلورة الخيارات النهائية للإصلاح.

ويكشف هذا الموقف عن إشكال يتجاوز الجانب الإداري. فاستمرارية السياسات العمومية تقتضي الحفاظ على نتائج العمل المؤسساتي، حتى عند تغير الحكومات.

ولا يعني ذلك أن الحكومة الجديدة مطالبة بتبني جميع الخيارات السابقة. لكنه يفرض عليها توضيح ما ستحتفظ به من نتائج التشخيص، وما تعتزم مراجعته، والأسباب التي تبرر ذلك.

أربعة صناديق واختلالات مختلفة

شملت مرحلة التشخيص أربعة صناديق رئيسية، هي الصندوق المغربي للتقاعد، والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، والنظام الجماعي لمنح رواتب التقاعد، والصندوق المهني المغربي للتقاعد.

وأظهرت المناقشات اختلافات بين هذه الأنظمة في وضعيتها المالية ومستويات المساهمات وقيمة المعاشات وآليات الحكامة.

كما أثارت النقابات مسألة تمثيليتها داخل بعض هيئات التسيير. وطالبت بتحسين مراقبة الصناديق وإعادة تقييم المعاشات، خصوصاً تلك التي لا توفر دخلاً كافياً لمواجهة تكاليف المعيشة.

وتعني هذه الاختلافات أن إصلاح التقاعد لا يمكن اختزاله في إجراء موحد يطبق على جميع الأنظمة دون تمييز.

فلكل صندوق تركيبته الديمغرافية وموارده والتزاماته. ولذلك، يحتاج الإصلاح إلى دراسة أثر كل خيار على المنخرطين والمتقاعدين والمالية العمومية.

ثلاثة آلاف درهم.. وعد اجتماعي ينتظر آليات التنفيذ

أعلنت رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري، خلال تقديم البرنامج الحكومي يوم 19 أكتوبر، عزم الحكومة الرفع التدريجي للحد الأدنى للمعاشات الرئيسية إلى ثلاثة آلاف درهم شهرياً.

وقدمت هذا التوجه ضمن إصلاح شامل يستهدف تحسين دخل المتقاعدين وتوسيع الحماية الاجتماعية. كما أكدت ضرورة الحفاظ على الحقوق المكتسبة والتوصل إلى توافق مع الشركاء الاجتماعيين والاقتصاديين.

ويحمل الإعلان أهمية اجتماعية، خصوصاً بالنسبة إلى المتقاعدين ذوي المعاشات المحدودة. لكنه يثير في المقابل أسئلة عملية لم تتضح أجوبتها التفصيلية بعد.

فما الجدول الزمني للرفع التدريجي؟ وما الأنظمة والفئات التي سيشملها؟ وكيف ستوفر الحكومة الموارد اللازمة لتمويل هذه الزيادة؟

كما ينبغي توضيح كيفية التعامل مع تفاوت المعاشات بين الصناديق. فإقرار حد أدنى جديد يحتاج إلى قواعد دقيقة، تضمن العدالة وتمنع خلق اختلالات إضافية.

ولا يمكن اعتبار مبلغ ثلاثة آلاف درهم حقاً مطبقاً حالياً لمجرد الإعلان عنه في البرنامج الحكومي. فتنفيذه يتطلب قرارات ونصوصاً وآليات تمويل محددة.

الاستدامة المالية لا ينبغي أن تتحول إلى عبء على الأجراء

تؤكد الحكومة أن إصلاح أنظمة التقاعد يستهدف ضمان استمراريتها على المدى البعيد. ويشير مشروع قانون مالية 2027 إلى اعتماد مقاربة شمولية تراعي التوازنات المالية والحقوق المكتسبة.

كما تنص التوجهات المعلنة على مواصلة عمل اللجنة التقنية، ومناقشة السيناريوهات الممكنة مع الشركاء الاجتماعيين.

لكن الخلاف الأساسي يتعلق بكيفية توزيع كلفة الإصلاح.

فقد عبرت الكونفدرالية الديمقراطية للشغل عن رفضها تحميل الأجراء وحدهم تبعات الاختلالات المالية. ويشمل هذا الرفض رفع سن التقاعد وزيادة الاقتطاعات وتقليص المعاشات.

ويضع هذا الموقف الحكومة أمام ضرورة البحث عن حلول متوازنة. فالاستدامة المالية هدف مشروع، لكنها لا تنفصل عن العدالة الاجتماعية.

كما أن تحسين التوازنات الحسابية للصناديق لا يكفي وحده للحكم على نجاح الإصلاح. إذ ينبغي تقييم أثر القرارات على دخل المتقاعدين وظروف عمل الأجراء وحقوق الأجيال المقبلة.

بين الحقوق المكتسبة والوعود الجديدة

تتعهد الحكومة بالحفاظ على الحقوق المكتسبة للمنخرطين والمتقاعدين إلى حين دخول الإصلاح حيز التنفيذ. وهو توجه ورد ضمن المذكرة التقديمية لمشروع قانون مالية 2027.

غير أن هذا الالتزام يحتاج إلى ترجمة تشريعية واضحة. فالمطلوب تحديد الحقوق المشمولة بالحماية، وكيفية الانتقال بين الأنظمة، والضمانات التي سترافق أي تعديل.

وتبرز هنا أهمية الشفافية في عرض السيناريوهات المالية والاجتماعية. فالمواطن المعني بالتقاعد يحتاج إلى معرفة أثر الإصلاح على مستقبله، لا الاكتفاء بالتصريحات العامة.

كما أن الحوار الاجتماعي لا ينبغي أن يقتصر على إبلاغ النقابات بالقرارات بعد إعدادها. فالتوافق الحقيقي يقتضي إتاحة المعطيات ومناقشة البدائل قبل الحسم في الخيارات.

حكومة المنصوري أمام اختبار التنفيذ

لم يعد ملف التقاعد بحاجة إلى تشخيص جديد يعيد إنتاج الأسئلة نفسها. فقد أنجزت اللجنة التقنية مرحلة مهمة من العمل، وأصبحت الحكومة مطالبة بتوضيح الخطوات التالية.

ويبدأ ذلك بنشر خلاصات التشخيص وتحديد موعد لاستئناف الحوار. ثم يأتي عرض السيناريوهات الممكنة، مع بيان كلفة كل خيار وانعكاساته على الفئات المعنية.

وفي الوقت نفسه، تحتاج الحكومة إلى توضيح شروط تنفيذ وعد رفع الحد الأدنى للمعاشات. فالإعلان عن تحسين الدخل ينبغي أن يقترن بجدول زمني وتمويل قابلين للتقييم.

ولا تقع مسؤولية الإصلاح على الحكومة وحدها. فالنقابات وأرباب العمل والمؤسسات المسيرة للصناديق معنيون أيضاً بتقديم مقترحات واقعية، تستند إلى معطيات مالية واجتماعية دقيقة.

ومع ذلك، تبقى المسؤولية السياسية الأولى لدى السلطة التنفيذية، باعتبارها الجهة المكلفة بإعداد الخيارات وعرضها على المؤسسات المختصة.

إن نجاح إصلاح التقاعد لن يقاس بسرعة الإعلان عن التوافق، ولا بعدد الاجتماعات التي تعقدها اللجان. بل سيقاس بمدى قدرة المنظومة الجديدة على ضمان معاشات عادلة ومستدامة.

وبين تطلعات المتقاعدين ومخاوف الأجراء والتحديات المالية للصناديق، تجد حكومة المنصوري نفسها أمام امتحان اجتماعي حقيقي: كيف تضمن مستقبل التقاعد دون أن تجعل الفئات المعنية تتحمل وحدها كلفة الاختلالات المتراكمة؟

شارك المقال فيسبوك إكس تيليغرام

اقرأ أيضاً

اترك تعليقاً