إعداد: ليلى الشاوي
يشهد استخدام الذكاء الاصطناعي داخل الإدارات والمؤسسات العمومية توسعاً متزايداً في مختلف دول العالم، بما فيها المغرب. وتسعى هذه المؤسسات إلى تحسين جودة الخدمات وتسهيل وصول المواطنين إلى المعلومات عبر المساعدات الرقمية وروبوتات المحادثة.
غير أن هذا التحول الرقمي يثير في المقابل أسئلة مهمة حول دقة المعلومات التي تقدمها هذه الأنظمة، خاصة مع ظهور ما يعرف تقنياً بـ”هلوسات الذكاء الاصطناعي”، وهي الأجوبة الخاطئة أو غير الدقيقة التي قد تبدو صحيحة ومقنعة للمستخدم.
أصبحت روبوتات المحادثة أداة أساسية في العديد من المواقع الإلكترونية التابعة للمؤسسات العمومية. وتساعد هذه الأنظمة على الإجابة عن الأسئلة المتكررة وتوجيه المرتفقين نحو الخدمات المناسبة.
وتتيح هذه الحلول تقليص مدة الانتظار وتحسين التواصل مع المواطنين. كما تخفف الضغط على مراكز الاتصال والموارد البشرية.
لكن معظم هذه الأنظمة لا تعتمد على الذكاء الاصطناعي التوليدي الحديث، بل على قواعد بيانات معدة مسبقاً ومسارات إجابة محددة.
يقصد بالهلوسة قيام النظام الذكي بتوليد معلومات غير صحيحة أو غير موجودة فعلياً، مع تقديمها للمستخدم بصيغة تبدو دقيقة وموثوقة.
وتحدث هذه الظاهرة أحياناً عندما لا يجد النظام معطيات كافية للإجابة عن سؤال معين. فيلجأ إلى إنشاء إجابة قد تبدو منطقية لكنها تفتقر إلى الدقة.
ولهذا السبب تتعامل المؤسسات العمومية بحذر مع تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي، خصوصاً في المجالات القانونية والإدارية الحساسة.
تعتمد العديد من الإدارات على أنظمة محادثة مغلقة وموجهة مسبقاً. ويعود ذلك إلى حاجتها إلى التحكم الكامل في المعلومات المقدمة للمواطنين.
فأي خطأ في تفسير قانون أو مسطرة إدارية قد يؤدي إلى إشكالات حقيقية بالنسبة للمرتفق أو المؤسسة نفسها.
كما تسمح هذه الأنظمة بضمان تتبع مصادر المعلومات والتأكد من مطابقتها للوثائق الرسمية المعتمدة.
رغم مستوى الأمان الذي توفره الأنظمة التقليدية، فإنها تواجه تحديات متزايدة مع تطور توقعات المستخدمين.
فالمواطن اليوم يبحث عن أجوبة دقيقة ومفصلة وقادرة على فهم الأسئلة المعقدة والمتنوعة. وهو ما لا تستطيع العديد من روبوتات المحادثة القديمة توفيره.
كما أن اعتمادها على أسئلة محددة مسبقاً يجعلها أقل مرونة في التعامل مع الحالات الجديدة أو غير المتوقعة.
توفر النماذج الحديثة للذكاء الاصطناعي إمكانيات أكبر في فهم اللغة الطبيعية وتحليل الأسئلة وصياغة الأجوبة.
وتستطيع هذه الأنظمة التعامل مع استفسارات أكثر تعقيداً وتقديم معلومات بطريقة أكثر سلاسة وتفاعلاً.
لكن هذه القدرات المتقدمة تفرض في الوقت نفسه تحديات مرتبطة بالدقة والموثوقية وحماية المعطيات الشخصية.
يتجه عدد متزايد من المؤسسات حول العالم نحو اعتماد ما يعرف بنموذج “التوليد المعزز بالاسترجاع” أو RAG.
ويقوم هذا النموذج على ربط الذكاء الاصطناعي بقواعد بيانات ووثائق رسمية خاصة بالمؤسسة. وبذلك يعتمد النظام على معلومات موثقة أثناء توليد الأجوبة.
ويعتبر العديد من الخبراء أن هذا الحل يساهم في تقليص نسبة الأخطاء ويعزز موثوقية المعلومات المقدمة للمستخدمين.
لا يتعلق نجاح مشاريع الذكاء الاصطناعي بالتكنولوجيا وحدها. فهناك عوامل أخرى لا تقل أهمية، مثل حماية المعطيات الشخصية وأمن المعلومات.
وتحتاج المؤسسات العمومية إلى وضع ضوابط واضحة لكيفية معالجة البيانات وتخزينها واستخدامها.
كما يتطلب الأمر تكوين الموارد البشرية القادرة على إدارة هذه الأنظمة ومراقبة أدائها بشكل مستمر.
يتفق الخبراء على أن مستقبل الخدمات العمومية سيكون أكثر ارتباطاً بالذكاء الاصطناعي. غير أن نجاح هذا التحول يقتضي الجمع بين الابتكار والموثوقية.
فالمواطن يحتاج إلى خدمات سريعة وفعالة، لكنه يحتاج أيضاً إلى معلومات دقيقة وموثوقة يمكن الاعتماد عليها.
ومن هنا تبرز أهمية تطوير مساعدات رقمية ذكية تستفيد من أحدث التقنيات، مع الحفاظ على الرقابة البشرية وضمان جودة المعلومات. فالتحدي الحقيقي لا يكمن في استخدام الذكاء الاصطناعي فقط، بل في توظيفه بطريقة تجعل التكنولوجيا في خدمة المواطن والإدارة معاً.
