بعد إعلان النتائج النهائية للانتخابات التشريعية، أصبحت خريطة مجلس النواب الجديد واضحة المعالم. حزب الأصالة والمعاصرة تصدّر المشهد بـ97 مقعداً، وجاء التجمع الوطني للأحرار ثانياً بـ66 مقعداً، متبوعاً بحزب الاستقلال بـ65 مقعداً، ثم العدالة والتنمية بـ54 مقعداً. وحلت الحركة الشعبية خامسة بـ29 مقعداً، ثم الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بـ26، والتقدم والاشتراكية بـ19، والاتحاد الدستوري بـ17 مقعداً. أما باقي مقاعد المجلس، البالغ عددها الإجمالي 395، فتوزعت على أحزاب صغيرة لم يتجاوز أي منها عتبة التأثير الوازن في التوازنات البرلمانية.
هذه الأرقام لا تكتسب معناها الكامل إلا حين توضع بجانب نتائج 2021. فالمقارنة بين الاستحقاقين تكشف أن الناخب المغربي أعاد ترتيب المشهد بطريقة لافتة، فعاقب أحزاباً وأعاد الاعتبار لأخرى، في رسالة سياسية تستحق القراءة بعيداً عن منطق الربح والخسارة الضيق.
الأحرار يدفعون ثمن قيادة الحكومة
الخاسر الأكبر في هذا الاقتراع هو التجمع الوطني للأحرار. فالحزب الذي تصدر انتخابات 2021 بـ102 مقعد وقاد الحكومة طيلة خمس سنوات، تراجع إلى 66 مقعداً، أي أنه فقد 36 مقعداً، وهو ما يعادل أكثر من ثلث حضوره البرلماني السابق. وهذا التراجع ليس مفاجئاً تماماً لمن تابع السنوات الأخيرة، إذ ارتبطت الولاية الحكومية المنتهية في أذهان فئات واسعة بموجة الغلاء وارتفاع أسعار المحروقات والجدل حول تضارب المصالح، وهي ملفات ظلت حاضرة بقوة في النقاش العمومي وفي الحملة الانتخابية نفسها.
ويبدو أن ما يُعرف في الأدبيات السياسية بـ”كلفة التدبير” اشتغل هنا بوضوح. فالحزب الذي يقود الحكومة يتحمل عادة المسؤولية السياسية عن حصيلتها بأكملها، حتى في الملفات التي تتقاسمها معه أحزاب الأغلبية الأخرى. ومع ذلك، فإن احتفاظ الأحرار بالمرتبة الثانية يعني أن قاعدته الانتخابية لم تنهر، وأنه سيبقى رقماً أساسياً في أي معادلة برلمانية مقبلة، سواء داخل الأغلبية أو خارجها.
الأصالة والمعاصرة يستثمر موقعه داخل الأغلبية
في المقابل، انتقل حزب الأصالة والمعاصرة من 87 مقعداً في 2021 إلى 97 مقعداً اليوم، محققاً المرتبة الأولى لأول مرة منذ تأسيسه. واللافت أن الحزب حقق هذا التقدم رغم مشاركته في الحكومة المنتهية ولايتها، وهو ما يعني أنه نجح في فصل صورته نسبياً عن حصيلة الأغلبية التي كان جزءاً منها، أو على الأقل في إقناع شريحة من الناخبين بأن مسؤولية الإخفاقات تقع أساساً على الحزب القائد.
غير أن هذا التصدر يبقى نسبياً. فـ97 مقعداً تمثل أقل من ربع مقاعد المجلس، والأغلبية المطلقة تتطلب 198 مقعداً على الأقل. معنى ذلك أن الحزب المتصدر، مثل كل من سبقه في التجارب الانتخابية المغربية، لن يستطيع تشكيل أي أغلبية دون الدخول في تحالف مع حزبين آخرين على الأقل، وهو ما يعيد إلى الواجهة الطبيعة التوافقية للنظام الحزبي المغربي، حيث لا يمنح الاقتراع لأي طرف قدرة الحكم منفرداً.
العدالة والتنمية يستعيد جزءاً من حضوره
التحول الأكثر إثارة للانتباه جاء من حزب العدالة والتنمية. فالحزب الذي انهار في 2021 إلى 13 مقعداً فقط بعد عقد كامل في قيادة الحكومة، عاد اليوم بـ54 مقعداً، أي أنه ضاعف حضوره أكثر من أربع مرات. وهي عودة لا تعيده إلى مستوياته السابقة، حين حصد 125 مقعداً في 2016، لكنها تنقله من الهامش إلى موقع القوة الرابعة في البرلمان.
وتقرأ هذه العودة من زاويتين. الأولى أن جزءاً من الناخبين الذين عاقبوا الحزب قبل خمس سنوات عاد إليه، ربما بدافع التصويت الاحتجاجي على الحكومة المنتهية ولايتها أكثر من الاقتناع ببرنامجه. والثانية أن الحزب نجح في ترميم تنظيمه الداخلي بعد صدمة 2021، واستعاد جزءاً من قدرته على التعبئة. وأياً كانت القراءة، فإن حضوره بـ54 مقعداً سيمنح المعارضة المقبلة، إن اختار موقعها، صوتاً أقوى مما عرفته الولاية السابقة.
الاستقلال يتراجع والأحزاب الوسطى تحافظ على مواقعها
حزب الاستقلال فقد بدوره 16 مقعداً، منتقلاً من 81 إلى 65، لكنه حافظ على موقع متقدم يجعله طرفاً لا يمكن تجاوزه في مشاورات تشكيل الأغلبية. أما الحركة الشعبية فبقيت مستقرة تقريباً، إذ ارتفعت من 28 إلى 29 مقعداً، في حين عرف الاتحاد الاشتراكي تراجعاً من 34 إلى 26 مقعداً، والتقدم والاشتراكية من 22 إلى 19، والاتحاد الدستوري من 18 إلى 17.
وتؤكد هذه الأرقام أن الأحزاب الوسطى والصغرى حافظت على قواعدها التقليدية، لكنها لم تستفد من تراجع الأحرار. فالأصوات التي غادرت الحزب القائد للحكومة ذهبت أساساً نحو الأصالة والمعاصرة والعدالة والتنمية، وهو ما يعكس استقطاباً بين قطبين أكثر مما يعكس تشتتاً للأصوات.
مشاركة متراجعة تطرح سؤال التمثيلية
يبقى الرقم الأكثر إثارة للقلق هو نسبة المشاركة. فقد بلغت 38.02%، مقابل 50.35% في 2021، أي بتراجع يتجاوز 12 نقطة. صحيح أن اقتراع 2021 استفاد من تزامن الانتخابات التشريعية مع الانتخابات الجماعية والجهوية في يوم واحد، وهو ما رفع التعبئة بشكل استثنائي، لكن هذا التفسير وحده لا يكفي لتبرير عزوف ما يقارب ثلثي المسجلين عن التوجه إلى صناديق الاقتراع.
والنتيجة أن البرلمان الجديد، ومعه الحكومة التي ستنبثق عنه، سيشتغلان بشرعية انتخابية تستند إلى أقلية من الكتلة الناخبة. وهذا لا يطعن في قانونية المؤسسات، لكنه يضع على عاتقها عبئاً سياسياً إضافياً، يتمثل في استعادة ثقة المواطنين بالعمل الحزبي والمؤسساتي عبر الأداء والنتائج الملموسة، لا عبر الخطاب وحده.
حسابات الأغلبية مفتوحة على أكثر من احتمال
من الناحية الحسابية، تتيح الخريطة الجديدة أكثر من صيغة لتشكيل أغلبية تتجاوز 198 مقعداً. غير أن الحسم في هذا الملف يمر أولاً عبر التعيين الملكي لرئيس الحكومة، وفق ما ينص عليه الفصل 47 من الدستور، ثم عبر مشاورات سياسية ستكشف مدى قدرة الأحزاب على تجاوز خلافات الحملة الانتخابية وبناء تحالف منسجم.
وإلى أن تتضح هذه الصورة، تبقى الأرقام وحدها الشاهد الأوضح على ما قاله الناخبون. فقد أرادوا معاقبة الحكومة المنتهية ولايتها، ومنح الفرصة لقوى أخرى، وتذكير الجميع، بعزوف واسع، بأن الثقة في السياسة ليست مكسباً دائماً بل رصيد يُبنى ويُستنزف.
