أعادت منظمة العفو الدولية، الخميس فاتح أكتوبر 2026، ملف المراقبة الرقمية في المغرب إلى الواجهة، بعدما نشرت تقريراً جديداً تتهم فيه السلطات باستخدام منظومة واسعة تجمع، بحسب ما خلص إليه تحقيقها، بين تقنيات التجسس الرقمي ووسائل مراقبة أخرى لاستهداف صحفيين ومدافعين عن حقوق الإنسان وأصوات منتقدة.
ويحمل التقرير عنوان «نحن نبدأ بالحكم: في قلب منظومة المراقبة المغربية»، وتقول المنظمة إن الجديد فيه لا يقتصر على إعادة طرح الاتهامات السابقة المرتبطة ببرنامج «بيغاسوس»، بل يتمثل في جمع شهادة شخص قدمته باعتباره موظفاً سابقاً في المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني مع أبحاث للتحليل الجنائي الرقمي ومقابلات مع عشرة أشخاص قالت إنهم تعرضوا للمراقبة، فضلاً عن بيانات مسربة مرتبطة بعمليات المراقبة وموردي تقنياتها.
واستخدمت أمنستي الاسم المستعار «سفير» للإشارة إلى مصدرها، وقالت إن مقابلات متعددة أُجريت معه على مدى سنوات أتاحت لها الحصول على معلومات من داخل الجهاز بشأن أدوات وأساليب المراقبة. وأضافت أنها تحققت من جوانب أساسية من شهادته عبر مصادر مستقلة وأدلة تقنية ومقابلات مع مدافعين عن حقوق الإنسان.
ولا تستطيع «الاختيار24» التحقق بصورة مستقلة من هوية المصدر أو جميع الوقائع الواردة في شهادته، ولذلك تبقى هذه المعطيات والاتهامات منسوبة إلى تحقيق منظمة العفو الدولية.
من شهادة «سفير» إلى 103 أرقام هاتف
يتوقف التقرير عند برنامج «بيغاسوس» الذي سبق أن كان محور جدل واسع في المغرب وخارجه، لكنه يقدم هذه المرة بيانات أكثر تفصيلاً عن مرحلة مبكرة من استخدامه المزعوم.
وتقول أمنستي إنها حللت أرقام الهواتف التي أُدخلت إلى نظام «بيغاسوس» المرتبط بالمغرب بين شتنبر ودجنبر 2017، وتمكنت من مطابقة 103 أرقام هاتف مغربية مع أشخاص قالت إنهم اختيروا كأهداف محتملة. ومن بين هؤلاء، صنفت المنظمة 65 ضمن المجتمع المدني، بينهم 34 مدافعاً عن حقوق الإنسان و22 صحفياً أو عاملاً في الإعلام وخمسة محامين وأربعة أكاديميين. كما شملت القائمة، بحسب التقرير، 25 شخصية سياسية أو رسمية وخمسة دبلوماسيين أو ممثلين لمنظمات دولية، إضافة إلى ثمانية أشخاص من فئات أخرى.
وتنسب المنظمة إلى المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني مسؤولية تشغيل «بيغاسوس» في المغرب واستهداف صحفيين ونشطاء خلال الفترة الممتدة من 2017 إلى 2021. وهي خلاصة تتبناها أمنستي استناداً إلى ما تصفه بمزيج من الأدلة التقنية وشهادة المصدر والبيانات المسربة والوثائق التي ظهرت في قضايا قضائية مرتبطة بالشركة المنتجة للبرنامج.
غير أن التقرير يذهب أبعد من «بيغاسوس»، إذ يقول إن منظومة المراقبة التي حققت فيها المنظمة شملت تقنيات ووسائل أخرى لتتبع المستهدفين ومراقبة اتصالاتهم وتحركاتهم. وتورد أمنستي تفاصيل عديدة في هذا الجانب، لكن جوهر الاتهام يتمثل في أن التجسس الرقمي، بحسب استنتاجاتها، لم يكن أداة منفصلة، وإنما جزءاً من منظومة مراقبة أوسع.
ويعيد هذا الجانب من التقرير النقاش من سؤال امتلاك برنامج تجسس بعينه إلى سؤال أوسع يتعلق بالضمانات القانونية والرقابة على استخدام تقنيات المراقبة عندما يكون المستهدفون صحفيين ومدافعين عن حقوق الإنسان.
المغرب سبق أن نفى الاتهامات
في المقابل، يظل الموقف المغربي جزءاً أساسياً من الصورة. فالتقرير نفسه يشير إلى أن المغرب نفى مراراً استخدام برامج التجسس للتجسس على مواطنيه. وتقول منظمة العفو الدولية إنها وجهت إلى السلطات المغربية، قبل أربعة أسابيع من نشر تقريرها، مراسلة تتضمن أبرز النتائج التي توصلت إليها، لكنها لم تتلق رداً حتى موعد النشر.
وحتى إعداد هذه المادة، لم يظهر في المصادر الرسمية التي أمكن مراجعتها رد مغربي جديد ومفصل على تقرير فاتح أكتوبر، وهو ما يجعل من الضروري التمييز بين نتائج التحقيق التي تقدمها أمنستي وبين موقف السلطات المغربية السابق النافي للاتهامات.
كما أن الجدل ليس جديداً بالكامل. فمنظمة العفو الدولية سبق أن نشرت منذ 2019 تحليلات تقنية قالت إنها وثقت محاولات استهداف هواتف حقوقيين مغاربة، ثم أعلنت في 2020 توثيق استهداف الصحفي عمر الراضي. وقد رفض المغرب على امتداد الجدل المرتبط بملف «بيغاسوس» اتهامه بالتجسس على مواطنين وشخصيات عامة.
الجديد في تقرير 2026، وفق المنظمة، هو محاولة ربط تلك الحالات السابقة بصورة أشمل لطريقة عمل منظومة المراقبة، اعتماداً على شهادة مصدر تقول إنه عمل من داخل الجهاز الأمني وعلى سجلات ووثائق وتحليلات تقنية إضافية.
وتطالب أمنستي السلطات المغربية بوقف ما تصفه بالمراقبة غير القانونية للصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان، وإجراء تحقيق مستقل وفعال في الحالات التي وثقتها. كما توجه مطالب إلى الدول والشركات التي توفر تقنيات المراقبة، معتبرة أن مسؤولية حماية الحقوق لا تقتصر على الدولة التي تستخدم التكنولوجيا، بل تشمل الجهات التي تصدرها وتبيعها أيضاً.
وبين اتهامات منظمة العفو الدولية والنفي المغربي السابق، يعيد التقرير ملفاً شديد الحساسية إلى النقاش العام، خصوصاً مع توسع سوق تقنيات المراقبة عالمياً وقدرتها المتزايدة على الوصول إلى الهواتف والبيانات الشخصية. غير أن تحديد المسؤوليات في الحالات التي يوردها التقرير يظل مرتبطاً بما يمكن إثباته بصورة مستقلة، وبأي رد تفصيلي قد تصدره السلطات المغربية على الأدلة الجديدة التي تقول المنظمة إنها جمعتها.
