حين تنتهي الانتخابات تبدأ عادة لغة الأرقام: هذا الحزب حصل على مقاعد أكثر، وذاك تراجع، وثالث أصبح ضرورياً لتكوين أغلبية. تبدو السياسة، في تلك اللحظة، وكأنها مسألة حسابية يمكن حلها بجمع المقاعد حتى الوصول إلى العدد المطلوب.
لكن نيكولو ميكيافيلي، الذي كتب «الأمير» قبل أكثر من خمسة قرون، كان سيدفع القارئ إلى النظر خلف هذه الأرقام. فالوصول إلى موقع الحكم شيء، والقدرة على ممارسة السلطة والمحافظة عليها وتحويلها إلى قرارات شيء آخر تماماً.
وهنا تكمن راهنية كتاب صغير كتب في سياق إيطاليا القرن السادس عشر، لكنه ما يزال يثير النقاش كلما تغيرت حكومة أو انهار تحالف أو اكتشف حزب فائز أن صناديق الاقتراع منحته المقاعد، لكنها لم تمنحه وحده القدرة على الحكم.
كتاب وُلد بعد سقوط صاحبه من السلطة
لم يكتب ميكيافيلي «الأمير» من داخل قصر حاكم منتصر.
كان موظفاً ودبلوماسياً في جمهورية فلورنسا، واكتسب خلال أربعة عشر عاماً خبرة مباشرة في شؤون الدولة والحرب والدبلوماسية. وعندما عاد آل ميديتشي إلى السلطة سنة 1512، فقد منصبه، ثم اعتُقل بعد الاشتباه خطأ في تورطه بمؤامرة، قبل أن ينسحب إلى مزرعته خارج فلورنسا.
هناك، في نهاية 1513 وبداية 1514 تقريباً، كتب «الأمير». ولم يصدر الكتاب مطبوعاً إلا بعد وفاته، سنة 1532. ولذلك لم يكن نصاً فلسفياً مجرداً بقدر ما كان حصيلة رجل شاهد السلطة من الداخل ثم وجد نفسه فجأة خارجها.
هذه السيرة مهمة لفهم الكتاب. ميكيافيلي لم يكن يسأل كيف ينبغي أن يكون الحاكم في عالم مثالي، بل كيف تعمل السلطة عندما تصطدم المصالح بالطموح والخوف والتحالفات وتغير الظروف.
السياسة كما تقع لا كما نتمنى أن تقع
قبل ميكيافيلي، ارتبط جانب مهم من الكتابة السياسية الأوروبية بفكرة الحاكم الفاضل: إذا كان الأمير عادلاً وحكيماً وصالحاً، فإنه يستحق الحكم ويستطيع المحافظة عليه.
ميكيافيلي قلب زاوية النظر.
اهتم بما سماه الواقع الفعلي للأشياء، أي مراقبة السياسة كما تجري فعلاً بدلاً من بناء صورة مثالية لها. ولهذا أصبح اسمه مرتبطاً بما سيعرف لاحقاً بالواقعية السياسية.
لكن هذه الفكرة تعرضت بدورها إلى تبسيط شديد.
فميكيافيلي لا يمكن اختزاله في نصيحة للحكام بأن يكونوا بلا أخلاق، كما أن العبارة المتداولة «الغاية تبرر الوسيلة» ليست اقتباساً حرفياً من «الأمير». ما يفعله الكتاب أكثر تعقيداً: إنه يفصل بين امتلاك الصفات الأخلاقية وبين امتلاك الأدوات السياسية التي تسمح للحاكم بالمحافظة على الدولة.
وهذا بالضبط ما جعل الكتاب مزعجاً طوال خمسة قرون.
الفوز ليس هو الحكم
لو نقلنا السؤال الميكيافيلي إلى الديمقراطية المعاصرة، مع الانتباه إلى الاختلاف الهائل بين فلورنسا القرن السادس عشر والدولة الدستورية الحديثة، فسنجد تمييزاً مفيداً.
الحزب يمكن أن يفوز في الانتخابات، لكنه قد لا يملك أغلبية منفردة. عندها يحتاج إلى شركاء. والشركاء لا يدخلون الحكومة بأرقامهم فقط، بل بشروطهم وبرامجهم ومصالحهم ووزنهم التفاوضي.
وهكذا تتحول النتيجة الانتخابية من جواب إلى بداية سؤال جديد.
من يستطيع بناء تحالف؟ ومن يستطيع الحفاظ عليه؟ وهل تستطيع الأحزاب التي تنافست بالأمس أن تتفق اليوم على برنامج واحد؟ وكيف تتحول الأغلبية العددية داخل البرلمان إلى قدرة على اتخاذ القرار؟
«الأمير» لم يناقش الديمقراطية البرلمانية الحديثة، وبالتالي سيكون من الخطأ جعله دليلاً مباشراً لتفسير حكومات القرن الحادي والعشرين. لكنه يساعد على رؤية الفرق بين الحصول على موقع السلطة وامتلاك القدرة السياسية على استخدامه.
«الفضيلة» التي لا تعني الأخلاق
واحدة من الكلمات المركزية عند ميكيافيلي هي virtù.
ترجمتها الحرفية قد توحي بالفضيلة الأخلاقية، لكن المقصود عنده أوسع وأقرب إلى الكفاءة والجرأة والقدرة على المبادرة والتكيف مع الظروف. فالحاكم الناجح في منطقه هو الذي يستطيع قراءة اللحظة السياسية والتصرف عندما تتغير الظروف.
ويقابل ذلك مفهوم آخر هو fortuna، أي الحظ أو الظروف التي لا يتحكم فيها السياسي بالكامل.
بين الاثنين تتحرك السياسة: هناك ما يستطيع الفاعل السياسي فعله، وهناك أحداث تفرض نفسها عليه.
وفي السياسة الحديثة يمكن رؤية الفكرة من دون استعارة وصفة ميكيافيلي للحكم. فقد تصل حكومة إلى السلطة ببرنامج محدد، ثم تواجه أزمة اقتصادية أو حرباً خارجية أو كارثة طبيعية أو تحولاً اجتماعياً لم يكن موجوداً يوم الانتخابات.
عندها لا تكفي الوعود السابقة وحدها؛ تظهر قدرة المؤسسات والقيادات على التكيف واتخاذ القرار.
لكن هناك ميكيافيلي آخر
الصورة الشعبية لميكيافيلي تركز على «الأمير» وحده، وهذا يحجب جانباً مهماً من فكره.
في كتابه «المطارحات على الكتب العشرة الأولى لتيتوس ليفيوس» يظهر اهتمامه بالجمهورية والحرية السياسية والمشاركة العامة. وتشير الدراسات الحديثة إلى أن هذا الجانب الجمهوري أساسي لفهم فكره، وأن اختزاله في منظّر للحاكم الفرد لا يقدم الصورة كاملة.
بل إن ميكيافيلي رأى في بعض نصوصه أن الصراع الاجتماعي المنظم داخل المؤسسات يمكن أن يساهم في حماية الحرية، وأن الجمهور قادر على الحكم بين الآراء المتنافسة عندما تتاح له إمكانية الاستماع والنقاش.
وهنا يصبح الرجل أكثر إثارة للاهتمام.
فالكاتب الذي اشتهر عالمياً بنصائح الأمير كتب أيضاً عن الجمهورية والمواطن والمؤسسات والصراع السياسي.
وماذا يقول لنا ذلك عن المغرب اليوم؟
المغرب يعيش بعد انتخابات 23 شتنبر مرحلة تشكيل حكومة جديدة. الأحزاب حصلت على مقاعدها، لكن المرحلة التالية تحكمها قواعد دستورية ومؤسساتية ومفاوضات سياسية بين قوى مختلفة.
ولا نحتاج إلى وصف حزب بأنه «ميكيافيلي»، ولا إلى البحث عن «أمير» مغربي معاصر. مثل هذه المقارنات تختزل الكتاب والواقع المغربي معاً.
الفائدة الأعمق هي استخدام ميكيافيلي لطرح فرق تحليلي بسيط: الانتخابات توزع التمثيل السياسي، لكنها لا تختصر كل عملية الحكم.
بعد إعلان النتائج تأتي عملية تكوين الأغلبية، ثم البرنامج الحكومي، ثم ممارسة السلطة داخل مؤسسات لها قواعد واختصاصات وحدود، وبعد ذلك يأتي الامتحان الأصعب: تحويل القرارات إلى نتائج يمكن للمواطن قياسها.
ولهذا فإن قراءة السياسة من ليلة الانتخابات وحدها تشبه قراءة كتاب من صفحته الأولى.
بعد خمسة قرون.. السؤال لم يمت
يمكن رفض جانب كبير من وصفات «الأمير»، ويمكن الاعتراض على الفصل الحاد الذي أقامه ميكيافيلي بين السياسة والأخلاق، وهو نقاش لم يتوقف منذ القرن السادس عشر. وقد تراوحت قراءات الباحثين له بين اعتباره منظّراً للواقعية السياسية، وقراءته من زاوية جمهورية ترى في أعماله دفاعاً أكثر تعقيداً عن الحرية والمؤسسات.
لكن قوة الكتاب ليست في إعطائنا نموذجاً نقلده.
إنها في إجبارنا على التمييز بين أشياء تبدو متشابهة وهي ليست كذلك: المنصب والسلطة، الفوز والقدرة على الحكم، التحالف والانسجام، الشرعية الانتخابية والفعالية السياسية.
ولهذا، عندما تنتهي الانتخابات وتبدأ مفاوضات الحكومة، لا يصبح ميكيافيلي نبياً يخبرنا بمن سينجح ومن سيفشل.
إنه يفعل شيئاً أكثر فائدة للقارئ: يجعله ينظر إلى ما يحدث بعد إعلان النتائج.
