أعاد الحريق الغابوي الذي اندلع بمنطقة كباش التابعة لبني حسان، بإقليم تطوان، ملف حماية الغابات إلى واجهة النقاش البيئي بالمغرب. فقد استنفرت السلطات، يوم السبت 24 أكتوبر، فرقاً ميدانية وطائرات متخصصة لمحاصرة النيران ومنع انتشارها نحو المجالات المجاورة. وجاء الحادث في منطقة جبلية قريبة من إقليم شفشاون، حيث تزيد التضاريس الوعرة وكثافة الغطاء النباتي من صعوبة التدخل.
وبحسب المعطيات التي نشرتها وسائل إعلام محلية، شارك نحو 170 عنصراً من مختلف المصالح في عمليات الإخماد. وشملت التعبئة السلطات المحلية والوقاية المدنية والوكالة الوطنية للمياه والغابات، إلى جانب أجهزة أخرى ومتطوعين من الساكنة. كما استعانت الفرق بطائرات «كنادير» لدعم التدخلات الأرضية.
وأفادت التقارير الأولية بعدم تسجيل خسائر بشرية أو أضرار مادية كبيرة حتى مساء السبت، بينما ظلت المساحة الغابوية المتضررة قيد التقييم. ولم تتوفر، عند إعداد هذا التقرير، حصيلة رسمية نهائية تؤكد السيطرة الكاملة على الحريق أو تحدد أسبابه.
وتعكس هذه التعبئة قدرة الأجهزة المعنية على حشد الموارد في مواجهة الخطر. لكنها تطرح أيضاً سؤالاً يتجاوز الحادث نفسه: إلى أي حد يستطيع المغرب تقليص احتمالات اندلاع الحرائق وانتشارها، بدل الاعتماد أساساً على سرعة التدخل بعد وقوعها؟
بني حسان.. تدخل واسع في مجال جبلي حساس
تتميز المناطق الغابوية الممتدة بين تطوان وشفشاون بتضاريس جبلية تجعل الوصول إلى بعض المواقع صعباً. وتزداد تعقيدات التدخل عندما تقترب النيران من المداشر أو المسالك المحدودة، حيث تحتاج الفرق إلى حماية السكان والممتلكات بالتوازي مع إخماد الحريق.
وتشير المعلومات المنشورة بشأن حريق كباش إلى تعبئة جوية وبرية وتنسيق بين المصالح المتدخلة في الإقليمين. كما تحدثت التقارير عن متابعة ميدانية من السلطات الإقليمية، بهدف دعم عمليات الإخماد وتأمين المناطق المجاورة.
ولا تسمح هذه المعطيات وحدها بتقييم سرعة الاستجابة أو فعالية جميع التدخلات. فالحكم على الأداء يتطلب معرفة توقيت اكتشاف الحريق، والمدة التي استغرقتها تعبئة الفرق، والظروف الجوية التي رافقت انتشاره، والمساحة التي أتت عليها النيران.
وتحتاج هذه المعلومات إلى تقرير رسمي بعد انتهاء العمليات. ومن شأن نشره أن يساعد على تحديد نقاط القوة والاختلالات، بعيداً عن الاكتفاء بصور الطائرات وفرق الإطفاء التي تتصدر التغطيات الإخبارية عادة.
المغرب استثمر في الوقاية قبل اندلاع الحريق
لا يمكن اعتبار حرائق الغابات دليلاً تلقائياً على غياب سياسة وطنية للوقاية. فقد أعلنت الوكالة الوطنية للمياه والغابات، خلال أبريل 2026، تخصيص نحو 150 مليون درهم لبرنامج الوقاية ومكافحة الحرائق برسم السنة الجارية.
وشملت الاستعدادات المعلنة تطوير وسائل الرصد والإنذار المبكر، وتعزيز التدخلات الميدانية، وتحسين التنسيق بين المؤسسات. كما نظم المغرب خلال ماي الماضي مناورات وطنية لمحاكاة حرائق الغابات، بهدف اختبار الجاهزية قبل موسم ارتفاع المخاطر.
وفي غشت 2026، عرضت معطيات رسمية حجم الوسائل الجوية والبشرية التي تعبئها المملكة. وتضمنت هذه الوسائل طائرات «كنادير» و«توربو ثراش» ومروحيات، إلى جانب فرق المراقبة والتدخل البري.
وتؤكد هذه الإجراءات أن الدولة انتقلت، على مستوى التخطيط المعلن، إلى اعتماد أدوات استباقية تتجاوز الإطفاء التقليدي. غير أن وجود التجهيزات والبرامج لا يكفي وحده لإثبات فعاليتها في جميع المناطق.
فالاختبار الحقيقي يكمن في قدرة منظومة الوقاية على اكتشاف المخاطر مبكراً، وتحديد المناطق الأكثر هشاشة، وتقليص المساحات المتضررة عندما تقع الحرائق.
الإنذار المبكر يحتاج إلى حضور محلي دائم
تعتمد الوقاية من حرائق الغابات على مراقبة مستمرة للظروف المناخية وحالة الغطاء النباتي والأنشطة البشرية داخل المجالات الغابوية ومحيطها.
وقد طورت المؤسسات المختصة وسائل للرصد تعتمد على الخرائط الرقمية والتنبؤ بمستويات الخطر. لكن فعالية هذه الأدوات ترتبط بقدرة المصالح الميدانية على تحويل المعلومات إلى قرارات عملية في الوقت المناسب.
فإصدار نشرة تحذيرية بشأن ارتفاع خطر الحرائق لا يحقق هدفه إذا لم يصاحبه تواصل واضح مع السكان والجماعات المحلية والفاعلين الذين يستعملون المجال الغابوي.
كما أن المناطق الجبلية تحتاج إلى شبكات مراقبة قريبة من المداشر والمسالك، لأن سرعة اكتشاف الحريق قد تكون حاسمة في تقليص نطاق انتشاره.
ومن هنا، تبرز أهمية الربط بين التكنولوجيا الحديثة والمعرفة المحلية بالمجال. فالسكان يعرفون طبيعة التضاريس والمسالك ومناطق النشاط البشري، ويمكن أن يشكلوا جزءاً مهماً من منظومة الإبلاغ المبكر عندما تتوفر قنوات تواصل منظمة وآمنة.
الجماعات الترابية ومسؤولية الوقاية
غالباً ما تتصدر المؤسسات الوطنية عمليات مكافحة الحرائق الكبرى، بحكم توفرها على الوسائل الجوية والتجهيزات المتخصصة. لكن الوقاية المستدامة تتطلب أيضاً مشاركة الجماعات الترابية في تدبير المخاطر المرتبطة بمجالاتها.
وتشمل هذه المسؤولية، ضمن الاختصاصات والإمكانات المتاحة، دعم التوعية البيئية وتحسين التنسيق المحلي والمساهمة في حماية المسالك والمناطق المحاذية للتجمعات السكنية.
كما تحتاج الجماعات إلى إدراج المخاطر البيئية ضمن أولويات التخطيط الترابي، خصوصاً في المناطق التي تتداخل فيها الغابات والأنشطة الفلاحية والسياحية والسكنية.
ولا ينبغي تحميل الجماعات مسؤوليات تتجاوز صلاحياتها أو مواردها المالية. لكن غياب التنسيق بين المؤسسات الوطنية والمستوى المحلي قد يضعف أثر الاستثمارات المخصصة للوقاية.
ولهذا، يصبح من الضروري توضيح دور كل متدخل، وتحديد آليات التمويل والتنسيق، حتى لا تظل الوقاية مسؤولية عامة يصعب قياس نتائجها.
السكان بين التعرض للخطر والمشاركة في الحماية
لا تمثل الغابات مجرد مساحات طبيعية منفصلة عن الحياة اليومية. ففي مناطق واسعة من شمال المغرب، ترتبط بها أنشطة اقتصادية واجتماعية، كما توجد تجمعات سكنية بالقرب من المجالات المعرضة للحرائق.
وقد تؤدي الحرائق إلى تهديد المساكن والموارد الطبيعية والأنشطة المحلية، حتى عندما لا تسفر عن خسائر بشرية. كما يمكن أن تترك آثاراً طويلة الأمد على التربة والتنوع البيولوجي والموارد المائية.
وتشير تغطيات حريق بني حسان إلى مساهمة بعض السكان في دعم جهود التدخل. وتعكس هذه المشاركة أهمية التضامن المحلي، لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى بديل عن الفرق المؤهلة أو إلى مشاركة غير منظمة تعرض المواطنين للخطر.
فالدور الأكثر استدامة للساكنة يبدأ بالتوعية والإبلاغ المبكر واحترام التدابير الوقائية، إلى جانب المشاركة في برامج حماية المجال الطبيعي وفق تأطير المؤسسات المختصة.
كما تحتاج المناطق القريبة من الغابات إلى معلومات واضحة حول الإجراءات الرسمية المتبعة عند ارتفاع مستوى الخطر، وسبل حماية السكان دون تعريضهم لمخاطر إضافية.
التغير المناخي يزيد تعقيد إدارة الغابات
تواجه الغابات المتوسطية ضغوطاً متزايدة ترتبط بارتفاع درجات الحرارة وتغير أنماط التساقطات وتكرار فترات الجفاف في بعض المناطق. وتؤثر هذه العوامل في حالة الغطاء النباتي وقابليته للاشتعال، لكنها لا تفسر وحدها اندلاع كل حريق.
فالأسباب المباشرة للحرائق قد تختلف بين العوامل الطبيعية والأنشطة البشرية، ولا يجوز تحديد سبب حريق بني حسان قبل صدور نتائج التحقيقات المختصة.
غير أن التحولات المناخية تجعل من الضروري إدراج إدارة مخاطر الحرائق ضمن سياسة بيئية طويلة الأمد. ويشمل ذلك حماية التنوع البيولوجي وتحسين تدبير الغطاء النباتي ومراقبة المناطق الأكثر تعرضاً للمخاطر.
كما تبرز أهمية إعادة تأهيل المجالات المتضررة وفق خصائصها البيئية، بدل التعامل مع التشجير باعتباره الحل الوحيد لكل الأضرار.
فالوقاية البيئية لا تقتصر على منع النيران، بل تشمل تعزيز قدرة المنظومات الطبيعية على التعافي والاستمرار في أداء وظائفها.
هل تكفي الميزانيات المعلنة؟
يمثل تخصيص 150 مليون درهم لبرنامج الوقاية ومكافحة الحرائق خلال 2026 مؤشراً على تعبئة مالية مهمة. لكن تقييم هذا المجهود يحتاج إلى معرفة كيفية توزيع الاعتمادات ونتائج المشاريع التي مولتها.
فمن الضروري التمييز بين النفقات المخصصة للتجهيزات الجوية والبرية، وتلك التي تدعم المراقبة والإنذار المبكر وتهيئة المجال الغابوي والتوعية.
كما ينبغي معرفة مدى استفادة المناطق الأكثر عرضة للخطر من هذه الاستثمارات، ومدى ملاءمة الوسائل المتوفرة لطبيعة تضاريسها وحاجياتها.
ولا يمكن الحكم على نجاح سياسة الوقاية اعتماداً على عدد الحرائق وحده، لأن الظروف المناخية تختلف من سنة إلى أخرى. لذلك يحتاج التقييم إلى مؤشرات تشمل المساحات المتضررة وسرعة الاكتشاف وفعالية التدخل وتطور مستوى المخاطر.
وتستطيع المؤسسات المختصة تعزيز الثقة في برامجها من خلال نشر حصائل دورية توضح هذه النتائج، وتفسر الاختلافات بين الجهات والسنوات.
من إدارة الطوارئ إلى إدارة المخاطر
يكشف حريق بني حسان أهمية الاستجابة السريعة والتنسيق بين الأجهزة، لكنه يذكر أيضاً بأن حماية الغابات لا تبدأ لحظة اندلاع النيران.
فالمقاربة الوقائية تتطلب معرفة دقيقة بالمناطق الحساسة، واستثماراً مستمراً في المراقبة والتجهيز والتكوين، وتعاوناً واضحاً بين المؤسسات والساكنة المحلية.
كما تحتاج الدولة إلى تقييم ما يحدث بعد كل حريق، ليس فقط لحصر الخسائر، وإنما لاستخلاص الدروس التي تساعد على تحسين الاستعداد مستقبلاً.
ويكتسب هذا التقييم أهمية خاصة في المناطق الجبلية، حيث قد يؤدي تأخر محدود في اكتشاف النيران أو الوصول إليها إلى تعقيد عمليات السيطرة عليها.
ولا يتعلق الأمر بالمفاضلة بين شراء طائرات الإطفاء وتمويل الوقاية الأرضية، لأن المنظومة تحتاج إلى الجانبين. وإنما يتعلق بضمان التكامل بينهما، وتوجيه الموارد وفق طبيعة المخاطر في كل مجال.
حماية الغابات لا تنتهي بإخماد النيران
تظهر التعبئة التي رافقت حريق بني حسان أن المغرب يمتلك قدرات مؤسساتية وبشرية لمواجهة الحرائق الغابوية. غير أن هذا الحادث يعيد طرح ضرورة قياس فعالية الوقاية، وتوضيح أثر الاستثمارات المعلنة على حماية المجالات الطبيعية والسكان.
ولا تسمح المعلومات المتاحة حتى الآن بإصدار حكم نهائي بشأن أسباب الحريق أو مدى نجاح جميع مراحل التدخل. كما أن غياب حصيلة رسمية نهائية يفرض الحذر في تقدير الأضرار والنتائج.
لكن الحادث يوفر مناسبة لمساءلة السياسات العمومية من زاوية أوسع. فالمطلوب ليس الاكتفاء بالإشادة بالتعبئة الميدانية، ولا توجيه اتهامات غير مثبتة إلى الجهات المسؤولة، بل المطالبة بتقييم شفاف يحدد ما نجح وما يحتاج إلى تحسين.
وتبقى حماية الغابات مسؤولية مستمرة تتقاسمها المؤسسات المختصة والجماعات الترابية والفاعلون المحليون، كل في حدود اختصاصاته. أما معيار النجاح، فلا يقتصر على القدرة على إخماد الحريق بعد اندلاعه، بل يشمل تقليص احتمال وقوعه وحماية السكان والثروة الطبيعية قبل وصول الخطر إليهما.
