f x ig yt
الإثنين، 26 أكتوبر 2026
جديد الإختيار

ميزانية الصحة 2027.. لماذا لا تكفي زيادة الاعتمادات لإنهاء أزمة المستشفيات؟

الرفع المقترح لميزانية الصحة يضع الحكومة أمام اختبار تحسين الخدمات وتقليص الفوارق المجالية، في وقت يحتاج فيه المواطنون إلى أطباء وتجهيزات ومواعيد علاج، لا إلى أرقام مالية وحدها.

صحة 📅 26 أكتوبر 2026 ⏱ 8 دقائق
الاعتمادات الجديدة المقترحة لقطاع الصحة الحكومة أمام تحدي تحسين الخدمات بالمستشفيات العمومية وتقليص الفوارق في الولوج إلى العلاج.

تضع الاعتمادات المالية المقترحة لقطاع الصحة ضمن مشروع قانون المالية لسنة 2027 الحكومة المغربية أمام امتحان يتجاوز حجم الإنفاق العمومي إلى طبيعة النتائج التي ينتظرها المواطنون. فزيادة الموارد المخصصة للمستشفيات والبنيات الصحية والتوظيف تمثل خطوة ضرورية، لكنها لا تضمن بمفردها تحسين جودة العلاج أو تقليص فترات الانتظار أو معالجة الفوارق القائمة بين الجهات.

وتشير المعطيات المتداولة حول المشروع إلى تخصيص نحو 45.5 مليار درهم لقطاع الصحة والحماية الاجتماعية. غير أن تقييم هذا الغلاف المالي يحتاج إلى معرفة تفاصيل توزيعه بين نفقات التسيير والاستثمار والموارد البشرية والبرامج المختلفة. كما يتطلب التمييز بين الاعتمادات التي يقترحها مشروع القانون والمبالغ التي ستصرف فعلياً بعد المصادقة والتنفيذ.

ويأتي هذا النقاش في سياق إصلاحات هيكلية عرفها القطاع خلال السنوات الأخيرة، شملت إعادة تنظيم المنظومة الصحية وتطوير حكامة المؤسسات الاستشفائية وإحداث المجموعات الصحية الترابية. لكن الانتقال من الإصلاح التشريعي إلى تحسين الخدمة اليومية يظل التحدي الأكثر حساسية، خصوصاً بالنسبة إلى المرضى الذين يواجهون صعوبات في الحصول على العلاج داخل المؤسسات العمومية.

ميزانية أكبر.. لكن بأي نتائج؟

غالباً ما تقدم الحكومات ارتفاع الاعتمادات المالية باعتباره دليلاً على إعطاء الأولوية لقطاع معين. ويكتسب هذا المؤشر أهمية في الصحة، لأن تحسين الخدمات يتطلب استثمارات مستمرة في المستشفيات والتجهيزات والأدوية والموارد البشرية.

لكن حجم الميزانية لا يكشف وحده كفاءة استعمال الأموال. فقد ترتفع الاعتمادات دون أن تتحسن الخدمة بالوتيرة نفسها، إذا واجهت المشاريع تأخراً في التنفيذ أو اختلالاً في توزيع الموارد أو صعوبات في التدبير.

كما ينبغي التمييز بين بناء مؤسسة صحية جديدة وتشغيلها بكامل طاقتها. فالمستشفى يحتاج إلى أطباء وممرضين وتقنيين وأدوية وتجهيزات وصيانة، إلى جانب نظام إداري يضمن انتظام الخدمات.

ولهذا، فإن النقاش البرلماني حول مالية 2027 ينبغي أن يركز على الأهداف التي ستتحقق بفضل الزيادة المقترحة، لا على حجم الاعتمادات وحده. ومن الضروري تحديد عدد المؤسسات التي ستدخل الخدمة، والطاقات الاستيعابية الجديدة، والتخصصات التي ستتعزز، والمناطق التي ستستفيد من الاستثمارات.

الموارد البشرية.. التوظيف لا يكفي دون توزيع عادل

تظل الموارد البشرية من أبرز التحديات التي تواجه المنظومة الصحية المغربية. فتوفر البنيات التحتية لا يضمن تقديم العلاج عندما تعاني المؤسسات نقصاً في الأطباء والممرضين والأطر التقنية.

ويتضمن مشروع مالية 2027 إحداث مناصب مالية جديدة لفائدة القطاع، في إطار مواصلة تعزيز الموارد البشرية. لكن عدد المناصب المقترحة لا يعادل بالضرورة عدد الأطر التي ستلتحق فعلياً بالمستشفيات خلال السنة نفسها.

فالتوظيف يمر بمراحل إدارية وتكوينية، كما أن بعض المناصب قد تعوض مغادرين بسبب التقاعد أو الانتقال إلى وضعيات مهنية أخرى. ولهذا، ينبغي تقييم الحصيلة الصافية للموارد البشرية، وليس الاكتفاء بعدد المناصب المحدثة.

وتبرز كذلك مشكلة التوزيع الجغرافي. فقد تستفيد مؤسسات موجودة في المدن الكبرى من أطر إضافية، بينما تستمر مناطق قروية وجبلية في مواجهة صعوبات استقطاب المهنيين الصحيين.

ولا يمكن معالجة هذا التفاوت بالتوظيف وحده، بل يحتاج إلى ظروف عمل مناسبة، وتحفيزات مهنية واجتماعية، وتجهيزات تسمح للأطباء والممرضين بأداء مهامهم بصورة فعالة.

المجموعات الصحية الترابية أمام اختبار التطبيق

يمثل إحداث المجموعات الصحية الترابية أحد التحولات المؤسسية التي تستهدف إعادة تنظيم العرض الصحي وتحسين التنسيق بين المؤسسات داخل المجال الترابي.

ويقوم هذا التوجه على تدبير أكثر تكاملاً للموارد والخدمات، بما يسمح بتطوير مسارات العلاج وتحسين العلاقة بين الرعاية الصحية الأولية والمستشفيات الإقليمية والجهوية.

لكن نجاح الإصلاح يرتبط بوضوح الصلاحيات والمسؤوليات وآليات التمويل والمحاسبة. فقد يؤدي تغيير البنية الإدارية دون معالجة المشكلات التشغيلية إلى استمرار الصعوبات نفسها تحت تسميات مؤسساتية جديدة.

كما ينبغي أن تتوفر المجموعات الصحية على معطيات دقيقة حول حاجيات السكان وتوزيع الموارد، حتى تستطيع توجيه الاستثمارات والتوظيفات وفق أولويات كل منطقة.

ومن الضروري أيضاً توضيح كيفية تقييم أداء هذه المجموعات، ومدى مساهمتها في تقليص فترات الانتظار وتحسين جودة الخدمات وضمان استمرارية العلاج.

المستشفيات الجديدة ليست بديلاً عن إصلاح القديمة

تشكل مشاريع بناء المستشفيات وتوسيعها جزءاً مهماً من السياسة الصحية. فهي تتيح تعزيز الطاقة الاستيعابية وتوفير خدمات متخصصة في مناطق تحتاج إلى استثمارات إضافية.

غير أن التركيز على المؤسسات الجديدة لا ينبغي أن يؤدي إلى إهمال المستشفيات القائمة، التي تحتاج بدورها إلى الصيانة وتحديث المعدات وتحسين ظروف الاستقبال.

فقد تمتلك مؤسسة صحية تجهيزات متقدمة لكنها تواجه صعوبات في تشغيلها بسبب نقص الأطر أو تعطل الصيانة أو ضعف التنسيق الإداري. كما يمكن أن يؤدي غياب بعض المستلزمات الأساسية إلى الحد من الاستفادة من استثمارات مكلفة.

ولهذا، فإن تقييم الإنفاق الاستثماري يجب أن يشمل جاهزية المؤسسات واستمرارية خدماتها، وليس فقط عدد المشاريع التي افتتحت أو بلغت مراحل متقدمة من الإنجاز.

كما ينبغي تخصيص موارد كافية للصيانة والتشغيل، حتى لا تتحول التجهيزات الجديدة إلى أعباء مالية دون أثر مستدام.

المواعيد الطبية تكشف جودة الإصلاح

بالنسبة إلى المواطن، لا تظهر جودة المنظومة الصحية في النصوص القانونية أو الاعتمادات المالية، وإنما في قدرته على الحصول على موعد طبي مناسب، وإجراء الفحوص الضرورية، وتلقي العلاج دون تأخير غير مبرر.

وتحتاج الحكومة إلى اعتماد مؤشرات تقيس فترات الانتظار في التخصصات المختلفة، ومدى توفر الأدوية والفحوص، ونسب تشغيل المعدات الطبية.

كما ينبغي نشر هذه المؤشرات بصورة دورية، مع مراعاة اختلاف المؤسسات والجهات. فمن دون معطيات قابلة للمقارنة، يصعب تحديد المجالات التي تحققت فيها تحسينات فعلية وتلك التي ما تزال تحتاج إلى تدخل.

ولا يتعلق الأمر بتحميل الأطر الصحية مسؤولية جميع الاختلالات. فكثير من المشكلات ترتبط بتنظيم العمل وتوزيع الموارد وطبيعة الطلب على الخدمات، وهي عوامل تتجاوز قدرة الطبيب أو الممرض على معالجتها بصورة فردية.

ومن هنا، فإن إصلاح ظروف العمل داخل المستشفيات يشكل جزءاً من إصلاح جودة العلاج المقدم للمواطنين.

التغطية الصحية لا تعني الحصول التلقائي على العلاج

عرف المغرب توسعاً في منظومة الحماية الاجتماعية والتغطية الصحية خلال السنوات الأخيرة. ويمثل هذا المسار تحولاً مهماً في الاعتراف بحق فئات أوسع في الاستفادة من خدمات العلاج.

لكن الانتساب إلى نظام للتغطية الصحية لا يضمن وحده توفر الطبيب أو المستشفى أو الفحص المطلوب. فقد يحصل المواطن على حق قانوني في التعويض عن العلاج، بينما يواجه صعوبات في الوصول إلى الخدمة أو تحمل بعض التكاليف.

ولهذا، فإن نجاح التغطية الصحية يرتبط بقدرة المنظومة على توفير عرض صحي كافٍ وعادل. كما يحتاج إلى وضوح مساطر التعويض وتبسيط الإجراءات وحماية الأسر من الأعباء المالية المرتبطة بالمرض.

وتبرز هنا أهمية التنسيق بين إصلاح التمويل الصحي وتطوير المستشفيات العمومية، حتى لا يؤدي توسيع التغطية إلى زيادة الطلب على خدمات لم تتعزز طاقتها بالقدر الكافي.

العدالة المجالية.. هل يصل الاستثمار إلى المناطق الأكثر حاجة؟

تختلف حاجيات السكان الصحية بين المدن الكبرى والمراكز الصغيرة والمناطق القروية والجبلية. كما تتفاوت المؤسسات من حيث التجهيزات والتخصصات والموارد البشرية.

ويحتاج توزيع اعتمادات مالية 2027 إلى مراعاة هذه الفوارق، حتى لا تتركز الاستثمارات الجديدة في المناطق التي تمتلك أصلاً عرضاً صحياً أفضل.

فالمواطن الذي يضطر إلى السفر لمسافات طويلة لإجراء فحص متخصص يتحمل تكاليف إضافية للنقل والإقامة، وقد يواجه تأخراً في التشخيص والعلاج.

ولا يمكن معالجة هذه المشكلة ببناء مستشفيات متخصصة في كل جماعة، لأن ذلك قد لا يكون ممكناً أو فعالاً من الناحية الطبية والمالية. لكن يمكن تطوير شبكات الإحالة والنقل الصحي والتطبيب عن بعد، مع تعزيز الخدمات الأساسية بالقرب من السكان.

كما ينبغي أن تعتمد الحكومة معايير معلنة لتوزيع الاستثمارات، تأخذ في الاعتبار عدد السكان ومستوى الخصاص وصعوبة الولوج إلى الخدمات.

الحكامة والمحاسبة قبل المطالبة بالمزيد من الموارد

لا تعني المطالبة بتحسين حكامة القطاع الصحي التقليل من أهمية التمويل. فالمستشفيات تحتاج إلى موارد كافية، لكن حسن تدبير هذه الموارد يحدد جزءاً كبيراً من أثرها.

وتشمل الحكامة تحسين الصفقات العمومية وتدبير المخزون والصيانة والموارد البشرية، إلى جانب تطوير أنظمة المعلومات والرقابة الداخلية.

كما تحتاج المؤسسات الصحية إلى صلاحيات واضحة تسمح لها بمعالجة المشكلات التشغيلية دون تأخير إداري غير ضروري، مع إخضاع قراراتها للتقييم والمحاسبة.

ومن الضروري أيضاً تعزيز شفافية المعطيات المتعلقة بأداء المؤسسات، حتى يستطيع البرلمان والهيئات الرقابية والرأي العام متابعة أثر السياسات العمومية.

ولا ينبغي أن تتحول المحاسبة إلى البحث عن مسؤول فردي عن كل اختلال، بل يجب أن تشمل تقييم القواعد التنظيمية والقرارات المالية والإدارية التي تؤثر في جودة الخدمات.

القطاع الخاص شريك محتمل لا بديل عن الخدمة العمومية

يساهم القطاع الصحي الخاص في توفير جزء من خدمات العلاج والتشخيص، ويمكن أن يؤدي دوراً تكميلياً ضمن منظومة صحية متوازنة.

لكن الاعتماد المتزايد على الخدمات الخاصة يطرح أسئلة حول تكلفتها وإمكانية الولوج إليها، خصوصاً بالنسبة إلى الأسر محدودة الدخل.

ولهذا، فإن تطوير الشراكات بين القطاعين العام والخاص يحتاج إلى قواعد واضحة تضمن جودة الخدمات وشفافية الأسعار وحماية حقوق المرضى.

كما ينبغي ألا يؤدي التعاون مع القطاع الخاص إلى إضعاف قدرة المستشفيات العمومية على الاحتفاظ بأطرها أو أداء وظائفها الأساسية.

فالهدف هو تحسين العرض الصحي الوطني، مع الحفاظ على خدمة عمومية قوية تضمن الحد الأدنى من المساواة في الولوج إلى العلاج.

البرلمان مطالب بمساءلة الحكومة عن أثر كل درهم

تتيح مناقشة مشروع قانون المالية لسنة 2027 فرصة لفحص الاختيارات الصحية من زاوية النتائج المنتظرة. ويمكن للبرلمان مطالبة الحكومة بتقديم مؤشرات دقيقة حول التوظيف والتجهيزات والمشاريع الجديدة وفترات الانتظار.

كما ينبغي أن توضح الوزارة كيفية توزيع الاعتمادات بين الجهات، ونسبة تنفيذ الاستثمارات السابقة، والأهداف التي ستتحقق خلال السنة المقبلة.

وتتحمل المعارضة مسؤولية تقديم أسئلة ومقترحات تستند إلى المعطيات، بينما تقع على الأغلبية مسؤولية الدفاع عن خياراتها وتفسير نتائجها.

ولا يكفي أن تتبادل الأطراف السياسية الاتهامات بشأن وضع المستشفيات. فالمواطن يحتاج إلى معرفة الإجراءات التي ستعالج الاختلالات، والمدة اللازمة لتنفيذها، والجهة المسؤولة عن متابعتها.

أزمة المستشفيات لا تعالجها الميزانية وحدها

تشكل زيادة الاعتمادات المخصصة للصحة في مشروع مالية 2027 فرصة لتعزيز قدرات المنظومة الصحية المغربية. لكنها لا تمثل ضمانة تلقائية لتحسين الخدمات أو إنهاء الصعوبات التي يواجهها المرضى داخل المستشفيات.

فالنتائج تتوقف على التوظيف الفعلي والتوزيع العادل للأطر، وجاهزية التجهيزات، وتحسين الحكامة، وتقليص الفوارق بين الجهات. كما تحتاج الحكومة إلى ربط التمويل بمؤشرات أداء واضحة تسمح بتقييم الإصلاح.

ولا يمكن اختزال أزمة المستشفيات في نقص الموارد وحده، كما لا يصح تحميل التدبير الإداري مسؤولية جميع المشكلات دون الاعتراف بالحاجيات المالية والبشرية القائمة.

ويبقى الاختبار الحقيقي للحكومة في قدرتها على تحويل الاعتمادات إلى خدمات يلمسها المواطن: موعد طبي في وقت مناسب، وفحص متاح، ودواء موجود، ومستشفى يقدم العلاج في ظروف تحفظ كرامة المريض.

أما الأرقام المالية، مهما ارتفعت، فستظل مؤشرات على النيات والوسائل إلى أن تتحول إلى نتائج قابلة للقياس داخل المؤسسات الصحية.

شارك المقال فيسبوك إكس تيليغرام

اقرأ أيضاً

اترك تعليقاً