تعتزم مجموعة المكتب الشريف للفوسفاط رفع استثماراتها إلى نحو 31.31 مليار درهم خلال سنة 2027، وفق التوقعات الواردة في تقرير المؤسسات والمقاولات العمومية المرافق لمشروع قانون المالية للسنة المقبلة. ويأتي هذا التوجه في سياق مواصلة المجموعة تنفيذ مشاريع صناعية وطاقية كبرى، رغم الضغوط التي تواجه تكاليف الإنتاج وأسواق المواد الأولية.
وتشير المعطيات المالية الرسمية للمجموعة إلى تحقيق نتيجة صافية بلغت نحو 1.98 مليار دولار سنة 2025، أي ما يقارب 20 مليار درهم بحسب سعر الصرف المستخدم في التحويل. غير أن هذا الرقم يعبر عن الربح الصافي المحقق خلال السنة، ولا يمثل الموارد المخصصة تلقائياً لتمويل الاستثمارات الجديدة.
استثمارات مرتقبة في سياق تقلب التكاليف
تندرج الاستثمارات المتوقعة ضمن برنامج أوسع لتطوير القدرات الإنتاجية للمجموعة، يشمل المنشآت الصناعية والمناجم والبنيات اللوجستية ومشاريع تحلية المياه والطاقات المتجددة.
وتكتسي هذه المشاريع أهمية بالنسبة إلى موقع المغرب في السوق العالمية للفوسفاط والأسمدة، لكنها ترتبط أيضاً بتقلب أسعار المدخلات الصناعية والطلب الدولي.
وبحسب المعطيات المنشورة حول توقعات المجموعة، يرتقب أن يرتفع حجم الاستثمار سنة 2027 مقارنة بتقديرات السنة الجارية، بعد فترة من ضبط الإنفاق. ومع ذلك، فإن الرقم المتوقع يظل دون مستوى الاستثمار المسجل سنة 2025، وهو ما يبرز ضرورة التمييز بين التعافي النسبي في الإنفاق الاستثماري والعودة إلى مستويات السنوات السابقة.
1الأرباح لا تكفي وحدها لقياس الأداء
تظهر النتائج المالية لسنة 2025 قدرة المجموعة على تحقيق أرباح مهمة، مدعومة بمكانتها الصناعية والتصديرية.
لكن تقييم الأداء الاقتصادي لمؤسسة بحجم OCP لا ينبغي أن يقتصر على الربح الصافي أو رقم المعاملات.
فالمؤشرات الأساسية تشمل كذلك حجم المديونية، وتكلفة التمويل، والتدفقات النقدية، ومردودية الاستثمارات، وقدرة المشاريع الجديدة على تحسين تنافسية الإنتاج.
كما أن التوسع الصناعي يفرض التزامات مالية طويلة الأمد، وقد تتأثر نتائجه بتطور أسعار المواد الأولية وتكاليف الطاقة والظروف الاقتصادية الدولية.
ومن ثم، فإن إعلان استثمارات بمليارات الدراهم لا يسمح وحده بالجزم بأنها ستحقق مردودية محددة أو ستؤدي تلقائياً إلى ارتفاع الأرباح.
التشغيل المحلي بين التوقعات والنتائج
يطرح حجم الاستثمارات المرتقبة سؤالاً يتعلق بانعكاسها على فرص العمل، خصوصاً في المناطق التي تحتضن الأنشطة المنجمية والصناعية للمجموعة.
فالمشاريع الكبرى قد توفر فرصاً خلال مراحل البناء والتجهيز والتشغيل، سواء داخل المجموعة أو لدى المقاولات المتعاقدة معها.
لكن عدد الوظائف الفعلية وطبيعتها يظلان مرتبطين بالتخصصات المطلوبة، ومستوى الأتمتة، ومدة الأشغال، وسياسات التوظيف المعتمدة.
ولهذا، فإن التقييم الموضوعي يستدعي نشر معطيات دقيقة عن الوظائف الدائمة والمؤقتة، وحصة الكفاءات المحلية، وبرامج التكوين المرتبطة بالمشاريع الجديدة.
ولا تتوافر في الرقم الإجمالي للاستثمارات وحده معلومات تسمح بتقدير عدد فرص العمل التي ستحدث خلال سنة 2027.
الماء والطاقة في قلب التحول الصناعي
يشكل تدبير الموارد المائية أحد أبرز التحديات المرتبطة بالصناعات الفوسفاطية، بالنظر إلى احتياجات بعض مراحل الإنتاج والتحويل الصناعي.
وقد جعلت المجموعة مشاريع تحلية مياه البحر والطاقات المتجددة جزءاً من برنامجها الاستثماري، في إطار تقليص الاعتماد على الموارد المائية التقليدية وتطوير مصادر الطاقة المستخدمة في أنشطتها.
غير أن الحكم على الأثر البيئي لهذه المشاريع يحتاج إلى مؤشرات قابلة للتحقق، تشمل كميات المياه المحلاة والمستخدمة فعلياً، وتطور استهلاك المياه العذبة، وكلفة الطاقة، ونتائج المراقبة البيئية.
كما ينبغي تقييم انعكاس المنشآت الجديدة على المجالات الترابية المحيطة بها، من حيث فرص التشغيل والبنيات الأساسية وجودة الحياة.
فالتوسع الصناعي لا ينفصل عن المسؤولية البيئية والاجتماعية، خاصة عندما يتعلق الأمر بمشاريع ذات امتداد طويل الأمد.
التنمية المحلية.. سؤال توزيع المنافع
تمثل مجموعة OCP أحد أبرز الفاعلين الاقتصاديين في المغرب، بالنظر إلى حجم نشاطها الصناعي ومساهمتها في الصادرات والاستثمار.
لكن هذا الموقع يطرح سؤالاً يتجاوز النتائج المالية للمجموعة: إلى أي مدى تستفيد المناطق المنجمية والصناعية من القيمة الاقتصادية التي تنتجها؟
وتتطلب الإجابة التمييز بين الاستثمارات الصناعية المباشرة، والمشاريع الاجتماعية، والبنيات التحتية المنجزة لفائدة السكان، والمساهمات الاقتصادية غير المباشرة.
كما تستدعي قياس النتائج بمؤشرات واضحة، مثل فرص العمل المحلية وجودة الخدمات والتكوين وتأهيل المقاولات الصغرى والمتوسطة.
ولا يمكن افتراض وجود علاقة مباشرة بين ارتفاع أرباح المجموعة وتحسن جميع المؤشرات الاجتماعية في المناطق المعنية. فهذه العلاقة تحتاج إلى بيانات مستقلة تسمح بتقييم النتائج على أرض الواقع.
استثمارات 2027 أمام اختبار التنفيذ
تشير التوقعات إلى استمرار مجموعة OCP في توجيه موارد مالية كبيرة نحو تطوير قدراتها الصناعية، بما يعزز أهمية القطاع الفوسفاطي في الاقتصاد الوطني.
لكن الفارق بين الاستثمارات المبرمجة والمبالغ المنفذة فعلياً يظل مؤشراً أساسياً ينبغي تتبعه خلال السنة المقبلة.
كما سيكون من الضروري تقييم مدى احترام الآجال المعلنة، وتطور كلفة المشاريع، والنتائج الاقتصادية والبيئية والاجتماعية التي تحققها.
وبين الأرباح المحققة والاستثمارات المرتقبة، يظل السؤال الأساسي هو قدرة المجموعة على تحويل توسعها الصناعي إلى قيمة اقتصادية مستدامة، تنعكس بصورة قابلة للقياس على التشغيل والتنمية المحلية وحماية الموارد الطبيعية.
