أعاد برنامج الدعم المباشر للسكن النقاش حول قدرة السياسات العمومية على معالجة أزمة الولوج إلى العقار بالمغرب. فقد اختارت الدولة تقديم مساعدة مالية مباشرة للمشترين المستوفين للشروط، بدلاً من الاقتصار على آليات الدعم السابقة الموجهة إلى إنتاج السكن.
ويهدف هذا التحول إلى تسهيل اقتناء المسكن الرئيسي، خصوصاً بالنسبة إلى الأسر التي تواجه صعوبة في توفير المبلغ الأولي للشراء. كما يسعى إلى تنشيط الطلب على العقارات التي تستجيب للشروط القانونية والمالية للبرنامج.
غير أن وجود الدعم لا يعني بالضرورة أن السكن أصبح متاحاً لجميع الفئات المستهدفة. فعملية الشراء ترتبط بعوامل أخرى، من بينها مستوى الدخل، والادخار، وأسعار العقارات، وشروط الحصول على قرض بنكي.
وهنا يبرز السؤال المركزي: هل نجح الدعم المباشر في تخفيف العوائق التي تواجه الأسر، أم أن ارتفاع تكاليف التملك ما زال يحد من أثره الاجتماعي؟
أرقام المستفيدين.. ماذا تكشف وماذا تخفي؟
أعلنت السلطات الحكومية، في يونيو 2026، أن عدد المستفيدين من برنامج الدعم المباشر للسكن تجاوز 105 آلاف شخص. وأظهرت المعطيات المعلنة أن الشباب دون الأربعين يمثلون 52% من المستفيدين. كما بلغت حصة المغاربة المقيمين بالخارج 24%.
وتشير هذه الحصيلة إلى وجود إقبال على البرنامج، وإلى وصوله لفئات مختلفة من المشترين. لكنها لا تكفي وحدها لتقييم نجاحه في تحقيق العدالة السكنية.
فعدد المستفيدين يعكس حجم العمليات التي استفادت من المساعدة. لكنه لا يوضح بالضرورة نسبة الأسر محدودة الدخل، أو توزيع المستفيدين بين المدن والمناطق القروية.
كما لا يكشف الرقم عن الأشخاص الذين استوفوا الشروط الأولية، ثم تعذر عليهم إتمام الشراء. وقد يرتبط ذلك بصعوبة الحصول على التمويل أو عدم العثور على مسكن مناسب.
ولهذا، يحتاج تقييم البرنامج إلى معطيات إضافية. من بينها الدخل الفعلي للمستفيدين، ومتوسط أثمان المساكن، وقيمة القروض، وتوزيع العمليات حسب الجهات.
ومن دون هذه التفاصيل، تظل الحصيلة العددية مؤشراً مهماً على النشاط، لكنها لا تقدم صورة مكتملة عن الأثر الاجتماعي.
الدعم المالي.. خطوة مهمة لا تحل جميع العوائق
يقوم البرنامج على منح مساعدة مباشرة لاقتناء مسكن رئيسي يستوفي الشروط المحددة. وتبلغ المساعدة 100 ألف درهم بالنسبة إلى المساكن التي لا يتجاوز ثمنها 300 ألف درهم. أما المساكن التي يزيد ثمنها على 300 ألف درهم ولا يتجاوز 700 ألف درهم، فتستفيد من دعم قدره 70 ألف درهم.
وتمثل هذه المبالغ مساهمة مهمة في تمويل عملية الشراء. وقد تساعد الأسر على تقليص المبلغ الذي تحتاج إلى اقتراضه أو توفيره من مدخراتها.
لكن المشكلة لا تتوقف عند قيمة الدعم. فالأسرة مطالبة بتغطية بقية ثمن العقار، إلى جانب المصاريف المرتبطة بإتمام عملية التملك.
وتبرز هنا أهمية الدخل الشهري واستقراره. فالمشتري الذي لا يتوفر على موارد منتظمة قد يواجه صعوبة في الحصول على التمويل البنكي، حتى عندما يكون مؤهلاً للاستفادة من المساعدة.
كما أن الأسر العاملة في القطاع غير المهيكل قد تواجه تحديات إضافية في إثبات قدرتها على السداد.
وهكذا، يمكن أن يستفيد شخص من تخفيض الكلفة الإجمالية للشراء، دون أن يصبح قادراً فعلياً على امتلاك المسكن.
إن الدعم يعالج جزءاً من المشكلة، لكنه لا يعوض الحاجة إلى دخل كافٍ وتمويل ملائم وعرض عقاري يتناسب مع الإمكانات المتاحة.
أسعار العقارات.. هل تلتهم جزءاً من المساعدة؟
يشكل تطور أسعار العقارات عاملاً حاسماً في تقييم السياسة السكنية. فكل زيادة في ثمن المسكن قد تقلص الأثر الذي تحققه المساعدة العمومية.
وأظهرت بيانات بنك المغرب والمحافظة العقارية ارتفاع مؤشر أسعار الأصول العقارية بنسبة 0.7% خلال الربع الثاني من سنة 2026 مقارنة بالربع السابق. كما ارتفعت أسعار العقارات السكنية بنسبة 1% خلال الفترة نفسها.
ولا تعني هذه المؤشرات أن برنامج الدعم هو سبب الارتفاع. فالسوق العقارية تتأثر بعوامل متعددة، تشمل كلفة البناء وأسعار الأراضي والطلب والتمويل وموقع العقار.
لكنها تفرض سؤالاً يستحق البحث: هل تواكب أسعار المساكن المؤهلة للدعم القدرة الشرائية للفئات المستهدفة؟
فإذا ارتفعت أسعار بعض العقارات بالتزامن مع توسع الطلب، فقد تتراجع الفائدة الفعلية التي يحصل عليها المشتري. أما إذا ساهم البرنامج في زيادة العرض الملائم، فقد يساعد على تحسين فرص الولوج إلى السكن.
ولا يمكن الحسم في هذه العلاقة دون مقارنة دقيقة للأسعار قبل تطبيق البرنامج وبعده. كما ينبغي التمييز بين المدن والأحياء وأنواع المساكن.
ولهذا، فإن مراقبة الأسعار وتوفير بيانات عقارية مفصلة يمثلان شرطين أساسيين لتقييم نتائج الدعم.
المدن الكبرى والفوارق المجالية
لا تواجه الأسر المغربية الظروف نفسها عند البحث عن مسكن. فأسعار العقارات وتوفر الأراضي والخدمات تختلف بين المدن الكبرى والمتوسطة والمناطق القروية.
وقد يجد بعض المشترين مساكن مؤهلة للدعم، لكنها تقع بعيداً عن أماكن العمل أو الدراسة. ويؤدي ذلك إلى زيادة نفقات النقل والوقت المخصص للتنقل اليومي.
وفي المقابل، قد تكون المساكن الأقرب إلى مراكز النشاط الاقتصادي أعلى ثمناً، أو أقل ملاءمة للإمكانات المالية للأسر.
وهذا يعني أن تقييم السياسة السكنية لا ينبغي أن يقتصر على ثمن العقار. فموقع المسكن وجودة بنائه وقربه من الخدمات عناصر أساسية في تحديد قيمته الاجتماعية.
كما أن العدالة المجالية تقتضي معرفة توزيع المستفيدين بين الجهات. فنجاح البرنامج في مدينة معينة لا يعني بالضرورة تحقيق النتائج نفسها في بقية المناطق.
وتبرز هنا مسؤولية السياسات العمومية في ربط برامج السكن بالتعمير والنقل والتجهيزات الأساسية. فالمسكن الملائم لا ينفصل عن البيئة الحضرية التي يوجد داخلها.
من يستفيد فعلياً من الدعم؟
تظهر المعطيات الرسمية أن البرنامج استقطب فئات متنوعة من المواطنين. ففي حصيلة يونيو 2026، شكل الشباب دون الأربعين 52% من المستفيدين، والنساء 40%، والمغاربة المقيمون بالخارج 24%. كما أفادت الحكومة بأن 60% من المستفيدين اقتنوا مساكن تقل قيمتها عن 300 ألف درهم.
ويحتاج التحقيق إلى معرفة توزيع المستفيدين حسب مستويات الدخل. كما ينبغي تحديد نسبة الأسر التي لم تكن قادرة على الشراء قبل إطلاق البرنامج، ثم تمكنت من التملك بفضله.
فهناك فرق بين دعم أسرة لم تكن تستطيع امتلاك مسكن، ومساعدة مشترٍ كان قادراً أصلاً على إتمام العملية.
ولا يعني ذلك أن استفادة الفئات المتوسطة أمر غير مشروع. فالبرنامج يستهدف أيضاً هذه الفئات. لكن تقييم العدالة الاجتماعية يقتضي معرفة مدى وصول الموارد العمومية إلى المواطنين الأكثر احتياجاً.
من قبول الطلب إلى توقيع عقد الشراء
تكشف حصيلة ماي 2026 جانباً آخر يستحق المتابعة. فقد سجل البرنامج 263 ألف طلب تقدم بها 214 ألف مواطن، فيما بلغ عدد المؤهلين للاستفادة 193 ألفاً. وفي الفترة نفسها، تجاوز عدد المستفيدين الفعليين 101 ألف شخص.
لكن الفارق بين الأهلية والاستفادة يطرح أسئلة مشروعة حول المسار الإداري والمالي للبرنامج.
كم يستغرق الانتقال من قبول الطلب إلى توقيع العقد النهائي؟ وما أبرز أسباب عدم إتمام بعض العمليات؟ وهل ترتبط الصعوبات بالتمويل أم بتوفر العقارات المؤهلة؟
تحتاج هذه الأسئلة إلى أجوبة موثقة من الإدارة والمهنيين والمستفيدين. كما تستدعي نشر مؤشرات تسمح بمتابعة الطلبات من تسجيلها إلى إغلاق ملفاتها.
شروط الاستفادة وحماية المال العام
يحدد البرنامج شروطاً قانونية للاستفادة من المساعدة. ومن بينها الجنسية المغربية، وعدم الاستفادة السابقة من امتياز سكني تمنحه الدولة، وعدم امتلاك مسكن عند الاقتناء، مع الاستثناءات القانونية المقررة.
كما يشترط أن يكون العقار موضوع بيع أول، وأن يستوفي شروط الترخيص والثمن. ويلتزم المستفيد بتخصيصه للسكن الرئيسي لمدة خمس سنوات، وفق المقتضيات المنظمة للبرنامج.
غير أن فعالية الضوابط تتوقف على تطبيقها ومراقبتها. كما ينبغي أن تكون الإجراءات مفهومة للمواطنين، وأن تتوفر وسائل واضحة للاستفسار والطعن في القرارات الإدارية.
بين تنشيط السوق وتحقيق الحق في السكن
يساهم دعم الطلب على العقارات في تحريك النشاط الاقتصادي المرتبط بالبناء والبيع والخدمات العقارية. وقد يشجع المنعشين على إنتاج مساكن تستجيب للشروط المحددة.
لكن تنشيط السوق لا يمثل وحده الغاية النهائية للسياسة السكنية. فالأولوية الاجتماعية تتمثل في تحسين قدرة المواطنين على الحصول على مساكن ملائمة.
ولهذا، يحتاج البرنامج إلى تقييم مزدوج. يتعلق الأول بأثره الاقتصادي على السوق العقارية، والثاني بأثره الاجتماعي على الأسر.
وينبغي أن يشمل التقييم جودة البناء وموقع العقار وكلفة التمويل. كما يجب فحص مدى قرب المساكن من النقل العمومي والمدارس والمرافق الصحية.
فالمسكن الذي يبدو مناسباً من حيث الثمن قد يفرض أعباء إضافية على الأسرة إذا كان بعيداً عن الخدمات الأساسية.
ما الذي ينبغي أن توضحه الحكومة؟
تقدم الحصيلة الرسمية مؤشرات إيجابية بشأن عدد المستفيدين واتساع الإقبال. لكنها تترك مجالاً لأسئلة تتعلق بالاستهداف والتمويل والعدالة المجالية.
ومن حق الرأي العام الاطلاع على بيانات أكثر تفصيلاً بشأن مستويات دخل المستفيدين، وتوزيع المساعدات حسب الجهات، ومتوسط أسعار العقارات المقتناة.
كما أن نشر معطيات عن الطلبات التي لم تكتمل سيساعد على تحديد العوائق الفعلية. وقد يسمح ذلك بتطوير شروط البرنامج أو الإجراءات المرتبطة به.
وتبرز أيضاً ضرورة تتبع أسعار العقارات المؤهلة للدعم، حتى يمكن التمييز بين التحولات العامة في السوق وأي آثار محتملة للسياسة العمومية.
السكن ليس مجرد عملية شراء
لا يمكن إنكار أهمية المساعدة المالية التي يقدمها برنامج الدعم المباشر للسكن. فقد ساهمت في إتمام عمليات اقتناء استفاد منها عشرات الآلاف من المواطنين، وفق الأرقام الحكومية.
لكن نجاح البرنامج لا ينبغي اختزاله في عدد الملفات المنجزة أو قيمة الاعتمادات المصروفة.
فالسياسة السكنية الناجحة هي التي توسع فرص التملك دون تعريض الأسر لأعباء مالية غير متناسبة مع دخلها. وهي أيضاً التي توفر مساكن ملائمة في مناطق تتوفر فيها الخدمات وفرص العمل.
ومن هذا المنطلق، تحتاج الحكومة إلى الانتقال من عرض الحصيلة العددية إلى تقييم الأثر الاجتماعي والاقتصادي. كما تحتاج المؤسسات المعنية إلى توفير معطيات تسمح برقابة عمومية مستقلة.
ويبقى السؤال مفتوحاً: هل أصبح الدعم المباشر وسيلة فعالة لتقليص الفجوة بين دخل الأسر وأسعار المساكن، أم أن إصلاح سوق العقار والتمويل والتعمير ما زال شرطاً ضرورياً لتحقيق هذا الهدف؟
إن الإجابة لا توجد في أرقام المستفيدين وحدها. بل تتطلب قياس ما تغير فعلياً في قدرة الأسر المغربية على الحصول على سكن لائق ومستدام.
