لم يعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران مجرد خلاف دبلوماسي حول البرنامج النووي أو النفوذ الإقليمي. فقد تحول إلى مواجهة تتداخل فيها الحسابات العسكرية والسياسية والاقتصادية، وتنعكس تداعياتها على دول المنطقة وأسواق الطاقة العالمية.
وتكتسب التطورات الراهنة أهمية خاصة مع اقتراب الانتخابات النصفية الأمريكية المقررة في الثالث من نوفمبر 2026. ففي مثل هذه الظروف، تصبح قرارات السياسة الخارجية جزءاً من النقاش الداخلي حول الأمن القومي وكلفة التدخلات العسكرية وأولويات الإنفاق.
لكن الحديث عن احتمال تصعيد عسكري جديد لا يعني أن قراراً نهائياً قد اتُّخذ. ومن الضروري التمييز بين التحذيرات السياسية، والتسريبات الصحفية، والإعلانات الرسمية المؤكدة.
واشنطن بين الاستعداد العسكري وحسابات الانتخابات
أعادت تقارير صحفية نُشرت الأربعاء 28 أكتوبر طرح احتمال استئناف العمليات العسكرية الأمريكية ضد إيران بعد الانتخابات النصفية المقررة في الثالث من نوفمبر.
فقد ذكرت صحيفة وول ستريت جورنال أن واشنطن حذرت عدداً من الدول الخليجية من احتمال تنفيذ حملة عسكرية جديدة. لكن التقرير أوضح أن الرئيس دونالد ترامب لم يتخذ قراراً نهائياً، وأن خيار التسوية التفاوضية ما زال مطروحاً.
ولا يعني الاستعداد العسكري أن المواجهة أصبحت حتمية. غير أن استمرار الحشد، وتبادل التهديدات، وتعثر المفاوضات، كلها عوامل ترفع احتمالات التصعيد.
مضيق هرمز.. مركز الأزمة الاقتصادية
يمثل مضيق هرمز أحد أهم عناصر الأزمة. فقد كان يمر عبره، قبل الحرب، نحو خُمس تجارة النفط والغاز الطبيعي المسال عالمياً.
ومنذ بدء الضربات الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران في فبراير 2026، تعرضت حركة الملاحة لاضطرابات متكررة. كما فرضت واشنطن حصاراً بحرياً على الموانئ الإيرانية، بينما استخدمت طهران القيود على المرور البحري ورقة ضغط في المواجهة.
وتوضح هذه التطورات أن استقرار الإمدادات لا يتوقف على حجم الإنتاج وحده. فسلامة طرق النقل وتكلفة الشحن أصبحتا عاملين حاسمين في تحديد الأسعار.
ولا تنحصر الآثار الاقتصادية في الدول المنتجة للنفط. فارتفاع أسعار الطاقة ينعكس على النقل والصناعة والمواد الغذائية، ويزيد الضغوط التضخمية على الاقتصادات المستوردة.
الملف النووي.. خلاف يتجاوز المنشآت العسكرية
أعاد اجتماع مجلس الأمن الدولي، الأربعاء، الملف النووي الإيراني إلى الواجهة.
فقد أعلن المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافائيل غروسي، أن الوكالة لا تملك أدلة على شروع إيران في إعادة بناء المنشآت النووية المتضررة من الضربات السابقة. لكنه أكد أيضاً أن غياب الوصول الكامل للمفتشين يمنع الوكالة من التحقق من وضع مخزون اليورانيوم عالي التخصيب.
وتقدر الوكالة المخزون الإيراني من اليورانيوم المخصب بنسبة 60% بنحو 440.9 كيلوغراماً. وهي نسبة تقل عن مستوى التخصيب المستخدم عادة في الأسلحة النووية، لكنها تثير مخاوف جدية تتعلق بالانتشار النووي.
وهنا تكمن إحدى المعضلات الأساسية. فالتصعيد العسكري قد يضعف قدرات مادية، لكنه لا يضمن الوصول إلى اتفاق دائم وقابل للتحقق.
دول الخليج تبحث عن مخرج دبلوماسي
في مقابل التهديدات العسكرية، تعمل دول خليجية على تطوير مبادرة لتجنب تجدد الحرب.
ووفق تقرير نشرته صحيفة الغارديان في 28 أكتوبر، تشمل الاتصالات المطروحة إعادة فتح مضيق هرمز، وتخفيف التوتر في اليمن، وبحث ضمانات أمنية إقليمية أوسع.
كما تتضمن المقترحات الإيرانية ربط استئناف الملاحة الطبيعية بتخفيف العقوبات. لكن الخلافات مستمرة بشأن التفتيش النووي وشروط رفع القيود الاقتصادية.
وقد حذر وزراء خارجية أوروبيون وشرق أوسطيون، خلال اجتماع بإسطنبول في 23 أكتوبر، من أن الضربات الجديدة قد توسع نطاق النزاع وتزيد أسعار النفط. ودعوا إلى إعطاء الأولوية للحلول الدبلوماسية.
هل تقود الضغوط إلى اتفاق أم إلى مواجهة جديدة؟
تقوم الاستراتيجية الأمريكية على الجمع بين العقوبات والضغط العسكري والمطالب النووية. وفي المقابل، تسعى إيران إلى استخدام موقعها الجغرافي ونفوذها الإقليمي لتعزيز قدرتها التفاوضية.
لكن هذه المعادلة تنطوي على مخاطر متبادلة. فواشنطن لا تستطيع ضمان أن تؤدي الضربات الجديدة إلى قبول الشروط الأمريكية. كما أن طهران لا تستطيع ضمان أن استمرار تعطيل الملاحة سيؤدي إلى رفع العقوبات دون تداعيات إضافية.
وتشير التطورات إلى ثلاثة احتمالات سياسية رئيسية: التوصل إلى تفاهم محدود بشأن الملاحة والعقوبات، أو استمرار المواجهة دون تسوية شاملة، أو تجدد التصعيد العسكري بما يحمله من مخاطر إقليمية واقتصادية.
ولا توجد، حتى 28 أكتوبر، معطيات مؤكدة تسمح بالجزم بأي من هذه النتائج.
وبالنسبة إلى دول المنطقة، فإن المصلحة الأساسية تتمثل في منع اتساع النزاع، وحماية المدنيين، وضمان أمن الملاحة، وإعادة الملف النووي إلى مسار تفاوضي قابل للتحقق.
فالتجربة الحالية تكشف أن استخدام القوة لم ينهِ الخلافات السياسية. كما أن استمرار المواجهة جعل أمن الطاقة والتجارة والاستقرار الإقليمي أكثر هشاشة.
وإذا لم تنجح الوساطات الجارية في تقليص فجوة المواقف، فقد تدخل المنطقة مرحلة جديدة من عدم اليقين، تتجاوز تداعياتها حدود واشنطن وطهران.
