لم تحمل أحدث أرقام سوق الشغل المغربي مؤشرات مطمئنة بشأن قدرة الاقتصاد على توفير فرص العمل. فقد أعلنت المندوبية السامية للتخطيط ارتفاع معدل البطالة إلى 10.5% خلال الفصل الثالث من سنة 2026. كما سجل عدد المشتغلين مقابل دخل انخفاضاً صافياً بلغ 173 ألف شخص مقارنة بالفصل السابق.
وتأتي هذه النتائج في وقت تتصدر فيه قضايا الاستثمار والتشغيل والقدرة الشرائية أولويات النقاش العمومي. غير أن أهميتها لا تقتصر على ارتفاع معدل البطالة. فهي تكشف أيضاً تفاوتاً واضحاً في فرص المشاركة الاقتصادية بين الشباب والنساء والجهات.
ويطرح التقرير الإحصائي الجديد سؤالين مترابطين. أولهما يتعلق بقدرة الاقتصاد على توفير وظائف كافية ومستقرة. أما الثاني، فيخص الطريقة التي نقيس بها البطالة ونقص استخدام اليد العاملة، بعدما اعتمد المغرب منهجية إحصائية جديدة خلال 2026.
سوق الشغل يفقد 173 ألف مشتغل خلال فصل
وفق النتائج المنشورة في 3 نوفمبر، بلغ حجم القوى العاملة بالمغرب نحو 11.7 مليون شخص خلال الفصل الثالث من 2026. ووصل عدد المشتغلين مقابل دخل إلى نحو 10.5 ملايين شخص، بانخفاض صافٍ قدره 173 ألفاً مقارنة بالفصل الثاني.
وفي الفترة نفسها، ارتفع معدل البطالة الصارمة من 9.6% إلى 10.5%. وتعني هذه الزيادة ارتفاعاً قدره 0.9 نقطة مئوية خلال فصل واحد.
غير أن الانخفاض الفصلي في عدد المشتغلين لا يعني بالضرورة فقدان 173 ألف وظيفة دائمة. فالنتائج الفصلية قد تتأثر بالعوامل الموسمية والظرفية، إلى جانب التحولات الاقتصادية الأكثر استمرارية. ولذلك، يحتاج تحديد أسباب التراجع إلى تحليل قطاعي ومقارنة فصول متماثلة.
ومع ذلك، فإن تزامن تراجع التشغيل مع ارتفاع البطالة يثير تساؤلات حول قدرة الأنشطة الاقتصادية على استيعاب اليد العاملة. كما يستدعي فحص العلاقة بين الاستثمارات المعلنة والوظائف التي تُحدث فعلياً.
فالمعيار الاجتماعي للاستثمار لا يتوقف عند قيمته المالية. بل يشمل عدد فرص العمل الناتجة عنه، واستقرارها، ومستوى الأجور والحماية الاجتماعية المرتبطة بها.
الشباب والنساء.. تفاوت يتجاوز معدل البطالة العام

تكشف البيانات الجديدة أن معدل البطالة الصارمة لدى الشباب بين 15 و24 سنة بلغ 30.5%. ويعني ذلك أن نحو ثلاثة من كل عشرة شباب داخل هذه الفئة، ممن يستوفون شروط البطالة الصارمة، لا يجدون عملاً.
لكن هذا المؤشر لا يعني أن ثلاثة من كل عشرة شباب مغاربة عاطلون. فهو يُحسب ضمن القوى العاملة، وليس مجموع السكان في الفئة العمرية نفسها. وتكتسب هذه الملاحظة أهمية خاصة بسبب استمرار عدد كبير من الشباب في الدراسة أو وجودهم خارج سوق العمل.
وتبدو الصورة أكثر تعقيداً عند النظر إلى المؤشر المركب لنقص استخدام اليد العاملة. فقد بلغ 44.5% لدى الشباب، مقابل 19.6% على المستوى الوطني.
ويشمل هذا المؤشر أشخاصاً لا تعكس البطالة الصارمة وحدها وضعيتهم المهنية. ومن بينهم من يعملون ساعات أقل مما يرغبون، أو ينتمون إلى القوى العاملة المحتملة.
أما النساء، فقد بلغ معدل البطالة الصارمة بينهن 16.7%. ووصل المؤشر المركب لنقص استخدام اليد العاملة إلى 28.5%.
وتكشف نسبة المشاركة الاقتصادية تفاوتاً إضافياً. فقد بلغت 18.1% لدى النساء، مقابل 65.6% لدى الرجال. وهذا يعني أن جانباً كبيراً من الفجوة لا يظهر في معدل البطالة وحده، بل في ضعف المشاركة بسوق العمل.
وتستدعي هذه المعطيات دراسة عوائق الولوج إلى العمل، ومنها التكوين والتنقل وتوفر فرص التشغيل. كما ينبغي فحص أثر المسؤوليات الأسرية والخدمات الاجتماعية، دون افتراض أن سبباً واحداً يفسر جميع الفوارق.
لماذا تغيرت طريقة احتساب البطالة؟
اعتمدت المندوبية السامية للتخطيط سنة 2026 بحثاً جديداً حول القوى العاملة، عوض البحث الوطني السابق حول التشغيل. واستند التغيير إلى المعايير الدولية الحديثة لإحصاءات العمل.
ومن أبرز التحولات اعتماد مفهوم التشغيل مقابل دخل. فأصبح العمل المحتسب ضمن التشغيل مرتبطاً بالحصول على أجر أو تحقيق ربح، بما في ذلك الربح العائلي. ولم تعد بعض أنشطة الإنتاج الموجه أساساً للاستهلاك الذاتي تُصنف بالطريقة السابقة نفسها.
كما اعتمدت المندوبية مفهوم البطالة الصارمة. ويشترط هذا التعريف أن يكون الشخص دون عمل مقابل دخل، وأن يبحث عنه بنشاط، وأن يكون متاحاً لممارسته.
ويستبعد التعريف الجديد بعض الفئات التي قد تكون متاحة للعمل لكنها لا تبحث عنه بنشاط. كما يستبعد من يبحثون عن عمل دون أن يكونوا متاحين لممارسته وفق شروط القياس.
ولتعويض محدودية مؤشر البطالة وحده، وسعت المندوبية أدوات القياس. وأدخلت مؤشرات تجمع البطالة الصارمة مع نقص ساعات العمل والقوى العاملة المحتملة.
وهنا تكمن أهمية المؤشر المركب البالغ 19.6%. فهو يقدم صورة أوسع عن احتياجات العمل غير المستوفاة. لكنه لا يعني أن 19.6% من السكان عاطلون، ولا يجوز تقديمه باعتباره معدل البطالة الرسمي.
وشمل التغيير أيضاً توسيع العينة السنوية من 90 ألف أسرة إلى 135 ألفاً. كما جرى تحديث قاعدة المعاينة اعتماداً على الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024.
وتسمح هذه التعديلات بتحسين دقة التقديرات، خصوصاً على المستويات الترابية. لكنها تفرض حذراً عند مقارنة النتائج الجديدة بالأرقام المنشورة وفق المنهجية السابقة.
الفوارق المجالية.. سوق شغل بسرعات مختلفة
لا تتوزع فرص المشاركة الاقتصادية بالتساوي بين الجهات المغربية. فقد تراوحت نسبة المشاركة في القوى العاملة بين 30.2% بجهة درعة تافيلالت و64.7% بجهة الداخلة وادي الذهب.
كما أظهرت البيانات تفاوتاً في المؤشر المركب لنقص استخدام اليد العاملة. فقد بلغ 38.7% بجهة كلميم واد نون، مقابل 9.2% بجهة الداخلة وادي الذهب، مع ضرورة الحذر في قراءة بعض التقديرات الجهوية بسبب دقتها الإحصائية.
ولا تسمح هذه الفوارق وحدها بإصدار أحكام نهائية على السياسات الجهوية. فتركيبة السكان وطبيعة الأنشطة الاقتصادية وحجم العينة عوامل تؤثر في النتائج.
لكنها تطرح سؤالاً حول التوزيع المجالي لفرص الاستثمار والتكوين والتشغيل. كما تستدعي تقييم مدى قدرة السياسات الترابية على خلق فرص عمل خارج المراكز الاقتصادية الكبرى.
فالعدالة المجالية لا تُقاس بتوزيع المشاريع فقط، بل أيضاً بمدى استفادة السكان منها. ويصبح هذا المعيار أكثر أهمية في الجهات التي تسجل ضعفاً في المشاركة الاقتصادية.
بين أهداف التشغيل والنتائج القابلة للقياس
تقدم الحكومات المتعاقبة الاستثمار وتحسين مناخ الأعمال بوصفهما رافعتين لخلق فرص الشغل. غير أن العلاقة بين الاستثمار والتشغيل ليست آلية أو متساوية بين القطاعات.
فبعض الأنشطة تحتاج إلى استثمارات كبيرة لكنها توظف عدداً محدوداً من العمال. بينما تستطيع أنشطة أخرى خلق وظائف أكثر، لكنها تواجه صعوبات في التمويل والإنتاجية والولوج إلى الأسواق.
ولهذا، فإن تقييم السياسات العمومية يحتاج إلى مؤشرات تتجاوز حجم الاستثمارات المعلنة. وينبغي قياس الوظائف الصافية المحدثة، وطبيعتها، واستقرارها، وتوزيعها بين الفئات والجهات.
ولا تكفي نتائج فصل واحد للحكم على نجاح برنامج حكومي أو فشله. كما لا يمكن نسبة جميع التحولات في سوق الشغل إلى قرارات الحكومة وحدها. فالتشغيل يتأثر بالنشاط الاقتصادي والمناخ والطلب الخارجي والاستثمار الخاص.
ومع ذلك، تظل المؤسسات العمومية مسؤولة عن نشر حصيلة واضحة للبرامج التي تمولها. وتشمل هذه الحصيلة عدد المستفيدين، وكلفة الوظائف المحدثة، واستمرارها بعد انتهاء الدعم.
وتكتسب هذه المساءلة أهمية خاصة مع مناقشة مشروع مالية 2027. فالسؤال ليس فقط حجم الموارد المخصصة للتشغيل، بل ما النتائج التي يمكن قياسها بعد صرفها.
أرقام أدق.. ومساءلة أكثر ضرورة
تمثل المنهجية الجديدة خطوة مهمة في تطوير قياس سوق الشغل. فهي تتيح التمييز بين البطالة الصارمة وأشكال أوسع من نقص استخدام اليد العاملة. كما تساعد على إبراز الفئات التي لا تظهر معاناتها كاملة في المؤشر التقليدي.
لكن تحسين القياس لا يحل أزمة التشغيل في حد ذاته. فالإحصاء يحدد حجم الظاهرة وخصائصها، بينما يتوقف تغيير الواقع على السياسات الاقتصادية والاجتماعية ونتائجها.
وتؤكد بيانات الفصل الثالث أن الشباب والنساء يواجهون صعوبات كبيرة في الولوج إلى العمل. كما تكشف تفاوتاً جهوياً يحتاج إلى تحليل أعمق، وتراجعاً فصلياً في التشغيل يستوجب متابعة حذرة.
لذلك، فإن النقاش العمومي لا ينبغي أن ينحصر في ارتفاع معدل البطالة أو انخفاضه. بل يجب أن يمتد إلى جودة الوظائف، والمشاركة الاقتصادية، وفعالية الإنفاق العمومي.
وفي النهاية، لا تكمن قيمة الأرقام الجديدة في تغيير طريقة احتساب البطالة فقط. بل في قدرتها على جعل السياسات العمومية أكثر قابلية للفحص والمساءلة. فالمواطن لا ينتظر تحسناً في المؤشرات الإحصائية وحدها، وإنما فرص عمل فعلية ودخلاً مستقراً وآفاقاً اقتصادية أوسع.
