يدخل مشروع قانون المالية لسنة 2027 مرحلة حاسمة داخل مجلس النواب، بعدما بدأت فرق الأغلبية تنسيق تعديلات مشتركة على النص الحكومي. وفي المقابل، تستعد مكونات المعارضة لتقديم مقترحاتها بشكل منفصل. ويأتي هذا التحرك قبل الموعد الذي حددته لجنة المالية والتنمية الاقتصادية لإيداع التعديلات، يوم الاثنين 9 نوفمبر.
ولا يتعلق النقاش البرلماني هذه المرة بالأرقام وحدها. فالمشروع يواجه اختباراً اجتماعياً يرتبط بقدرة الأسر على تحمل تكاليف المعيشة، وبمدى انعكاس التدابير المالية على الدخل والتشغيل والخدمات العمومية. كما يطرح سؤالاً حول قدرة البرلمان على إدخال تغييرات ملموسة، بدل الاكتفاء بتعديلات محدودة لا تمس الاختيارات الأساسية للميزانية.
وتكتسب المرحلة الحالية أهمية خاصة، لأن الحكومة قدمت مشروعها بالفعل، وأتاحت وثائقه المالية والاقتصادية للبرلمان والرأي العام. وبذلك أصبح النقاش مطالباً بالانتقال من التصريحات العامة إلى فحص المواد القانونية وآثارها الفعلية على المواطنين.
تعديلات الأغلبية.. التنسيق لا يكفي
أفادت مصادر برلمانية نقلت عنها هسبريس، الأحد 8 نوفمبر، بأن فرق الأغلبية تتجه إلى تقديم تعديلات مشتركة على مشروع مالية 2027. وفي المقابل، اختارت مكونات المعارضة إعداد تعديلات منفصلة. وحددت لجنة المالية يوم الاثنين موعداً لإيداع المقترحات، قبل الانتقال إلى مناقشتها والتصويت عليها.
ويمنح التنسيق الأغلبية فرصة لتوحيد مواقفها داخل اللجنة. كما قد يساعدها على تقديم مقترحات تحظى بدعم مكوناتها المختلفة. لكن الاتفاق على صيغة مشتركة لا يحدد، في حد ذاته، القيمة الاجتماعية للتعديلات أو أثرها على الميزانية.
فالمعيار الأساسي يتعلق بمضمون المقترحات. هل ستشمل إجراءات تخفف الأعباء عن الأسر؟ وهل ستعالج اختلالات توزيع الموارد؟ ثم هل ستقدم حلولاً قابلة للتنفيذ، أم ستقتصر على تحسينات تقنية وصياغية؟
وتبرز هنا مسؤولية الأغلبية البرلمانية في ممارسة دورها التشريعي والرقابي. فدعم الحكومة لا يلغي الحاجة إلى مساءلة اختياراتها المالية. كما أن التعديل البرلماني يفقد جزءاً من أهميته عندما يتحول إلى مجرد إجراء شكلي يسبق المصادقة على المشروع.
أما المعارضة، فتواجه اختباراً مختلفاً. إذ يتعين عليها تقديم بدائل واضحة، مع بيان كلفتها ومصادر تمويلها. ولا يكفي الاعتراض على توجهات الحكومة دون اقتراح تدابير قابلة للتطبيق، خصوصاً في الملفات التي تمس القدرة الشرائية والخدمات الأساسية.
القدرة الشرائية.. أين يظهر الأثر الحقيقي؟
تضع الأسر المغربية مسألة الأسعار في صدارة اهتماماتها اليومية. فتكاليف الغذاء والنقل والسكن والخدمات تؤثر مباشرة في ميزانياتها. ولذلك، لا يمكن تقييم مشروع المالية من خلال حجم الاعتمادات وحده، بل يجب قياس أثرها على الدخل الفعلي للأسر.
وتشكل التدابير الضريبية أحد مجالات هذا التقييم. فقد يستفيد بعض الأجراء من تخفيف العبء الضريبي، لكن قيمة الاستفادة تختلف بحسب مستوى الأجر والوضعية الضريبية. كما أن الأسر ذات الدخل المحدود أو غير الخاضعة للضريبة على الدخل قد لا تستفيد من الإجراء بالطريقة نفسها.
ولهذا ينبغي أن توضح الحكومة والأغلبية الفئات المستفيدة من كل تعديل. كما يجب نشر أمثلة حسابية تبين أثر التدابير على الدخل الشهري. فالإعلان عن تخفيض ضريبي لا يكفي لمعرفة مدى مساهمته في مواجهة ارتفاع تكاليف المعيشة.
وتحتاج القدرة الشرائية أيضاً إلى معالجة عوامل لا ترتبط بالضرائب وحدها. وتشمل هذه العوامل كلفة النقل والتوزيع، ومستوى المنافسة داخل الأسواق، وتطور أسعار المواد الأساسية. ومن ثم، فإن أي سياسة مالية تستهدف تحسين المعيشة تحتاج إلى تنسيق مع السياسات الاقتصادية والقطاعية.
ويبرز سؤال آخر يتعلق بالمقاصة والدعم الاجتماعي. فالمهم ليس حجم الأموال المخصصة فقط، بل مدى وصولها إلى الفئات المستهدفة. كما ينبغي قياس قدرتها على تخفيف الأعباء دون خلق اختلالات جديدة في توزيع الموارد العمومية.
الإنفاق الاجتماعي بين الاعتمادات والنتائج
تقدم الحكومة إصلاح التعليم والصحة والحماية الاجتماعية ضمن أولويات السياسات العمومية. وقد خصصت وثائق مشروع مالية 2027 تقارير لتوضيح توزيع الموارد والنفقات. لكن الأرقام المعلنة لا تكشف وحدها مستوى التحسن الذي سيشعر به المواطن.
ففي قطاع الصحة، يرتبط تقييم الإنفاق بتوفر الأطباء والممرضين والتجهيزات، إضافة إلى تقليص آجال المواعيد وتحسين جودة العلاج. أما في التعليم، فيتطلب الأمر متابعة الاكتظاظ والهدر المدرسي وتفاوت الخدمات بين المناطق.
وتزداد أهمية هذه الأسئلة مع استمرار الفوارق المجالية. فقد ترتفع الاعتمادات الوطنية دون أن تنعكس بالقدر نفسه على المناطق القروية أو الأحياء التي تعاني نقص المرافق. ولذلك، يحتاج البرلمان إلى دراسة التوزيع الترابي للاستثمار، وليس الاكتفاء بالمجاميع المالية.
وقد ناقشت لجنة المالية، يوم 4 نوفمبر، الموارد المخصصة للجهات والحسابات الخصوصية للخزينة. وأكدت الحكومة استمرار تخصيص خمسة في المائة من حصيلة الضريبة على الشركات، وخمسة في المائة من حصيلة الضريبة على الدخل لفائدة الجهات. غير أن النواب طالبوا بمزيد من الشفافية بشأن معايير توزيع الموارد.
ويكشف هذا النقاش أن العدالة المجالية تمثل جزءاً أساسياً من تقييم الميزانية. فنجاح الإنفاق العمومي لا يقاس فقط بسرعة صرف الاعتمادات، بل بقدرته على تقليص التفاوت في فرص الحصول على الخدمات والتجهيزات.
البرلمان أمام اختبار الرقابة المالية
لا تقتصر صلاحيات البرلمان على مناقشة الضرائب والنفقات. فهو مطالب أيضاً بمراقبة كيفية تدبير الأموال العمومية، ومدى احترام الحكومة للأهداف التي تعلنها.
وقد أثارت المناقشات التفصيلية لمشروع مالية 2027 قضايا مرتبطة بالحسابات الخصوصية للخزينة وفتح الاعتمادات الإضافية. ودافع وزير الاقتصاد والمالية عن الآليات القانونية التي تتيح للحكومة مواجهة الظروف الطارئة. وفي المقابل، طالب نواب بتعزيز الرقابة البرلمانية على هذه العمليات.
ويعكس هذا النقاش أهمية التوازن بين مرونة التدبير المالي والرقابة الديمقراطية. فالحكومة تحتاج إلى وسائل للاستجابة للأزمات غير المتوقعة. لكن استعمال تلك الوسائل يجب أن يخضع لقواعد واضحة، مع توفير المعلومات الضرورية للمؤسسة التشريعية.
كما يطرح مشروع المالية أسئلة بشأن النفقات الجبائية والإعفاءات. فكل امتياز ضريبي يمثل اختياراً مالياً يحتاج إلى تبرير. ولذلك ينبغي تقييم المستفيدين منه وكلفته وأثره الاقتصادي، ومقارنته بالأولويات الاجتماعية التي تواجه نقص التمويل.
وتزداد أهمية هذه الرقابة عندما تتزامن الالتزامات الاستثمارية الكبرى مع مطالب اجتماعية ملحة. فالمطلوب ليس وضع الاستثمار في مواجهة الإنفاق الاجتماعي، بل توضيح العائد المنتظر من كل اختيار ومدى مساهمته في التنمية والتشغيل.
من الوعود إلى مؤشرات قابلة للقياس
يمثل مشروع مالية 2027 اختباراً لمدى انسجام التوجهات الحكومية مع النتائج الاقتصادية والاجتماعية. فقد تعلن الحكومة رفع الاعتمادات أو توسيع البرامج، لكن تقييم تلك الإجراءات يحتاج إلى مؤشرات واضحة.
وفي ملف التشغيل، ينبغي التمييز بين الأموال المخصصة للبرامج وعدد فرص العمل التي تخلقها فعلياً. كما يجب دراسة طبيعة الوظائف واستقرارها وتوزيعها بين الجهات والفئات العمرية.
أما في مجال الاستثمار، فلا يكفي الإعلان عن مشاريع جديدة. فالمعيار يشمل نسبة الإنجاز وآجال التنفيذ والأثر على النشاط الاقتصادي المحلي. ويحتاج البرلمان إلى تتبع هذه النتائج، مع مقارنة الأهداف الحكومية بما تحقق خلال السنوات السابقة.
وتتحمل الأغلبية والمعارضة مسؤولية مشتركة في رفع جودة النقاش. فالأولى مطالبة بإثبات أن دعمها للحكومة لا يمنعها من تصحيح بعض الاختيارات. أما الثانية، فعليها تقديم مقترحات دقيقة تتجاوز الاعتراض السياسي العام.
وفي المحصلة، تمثل تعديلات مشروع مالية 2027 فرصة لاختبار جدية النقاش البرلماني حول القدرة الشرائية. فالمواطن لا يقيس نجاح الميزانية بعدد المواد التي عدلها النواب، بل بما يلمسه من تحسن في دخله وخدماته وفرص عمله.
ومع اقتراب موعد إيداع التعديلات، يبقى السؤال الأساسي مفتوحاً: هل ستنجح الأغلبية في تقديم تغييرات ذات أثر اجتماعي قابل للقياس، أم ستظل التعديلات محدودة أمام الاختيارات الكبرى التي حددتها الحكومة؟ الإجابة ستتضح من خلال النصوص التي سيودعها النواب، ثم نتائج المناقشة والتصويت.
