عاد التوتر إلى قطاع الصحة المغربي، بعدما أعلنت النقابة الوطنية للصحة خوض إضراب وطني يوم الثلاثاء 10 نوفمبر 2026. كما قررت مقاطعة الاجتماع المقبل مع وزير الصحة والحماية الاجتماعية، يونس بجيجو. وتتهم النقابة الحكومة بالتراجع عن التزامات سابقة، خاصة ما يتعلق بضمان أجور مهنيي الصحة ومكتسباتهم المهنية.
ويأتي هذا التصعيد في مرحلة حساسة من إصلاح المنظومة الصحية. فالحكومة تعمل على تنزيل المجموعات الصحية الترابية وإعادة تنظيم تدبير الموارد البشرية والمالية. لكن النقابة ترى أن بعض مقتضيات مشروع مالية 2027 تهدد الضمانات التي أقرتها الاتفاقات السابقة. وهكذا انتقل الخلاف من مطالب مهنية إلى نقاش أوسع حول مستقبل الإصلاح وحدود الالتزام الحكومي.
اتفاق يوليوز 2024 يعود إلى واجهة الخلاف
تستند النقابة الوطنية للصحة، التابعة للكونفدرالية الديمقراطية للشغل، إلى الاتفاق الذي وقعته النقابات مع الحكومة في 23 يوليوز 2024. وتؤكد أن الاتفاق تضمن ضمانات تخص أجور الموظفين ومناصبهم المالية، إلى جانب مطالب مهنية أخرى.
وتشير النقابة إلى بند ينص على استمرار أداء أجور مهنيي الصحة من الميزانية العامة للدولة. كما يستحضر الاتفاق دور الخزينة العامة للمملكة في صرف مستحقات الموظفين. وترى النقابة أن هذه الضمانات تمثل جزءاً أساسياً من التوافق الذي رافق إصلاح القطاع.
غير أن مشروع ميزانية 2027 أعاد إثارة الخلاف. فقد انتقدت النقابة طريقة إدراج بعض نفقات الموظفين ضمن الاعتمادات المخصصة للمجموعات الصحية الترابية. واعتبرت أن هذا التغيير قد يمس الضمانات السابقة. لكن الحكم على آثاره القانونية والمالية يتطلب مقارنة النصوص المعتمدة بمشروع الميزانية الجديد.
وتثير القضية سؤالاً يتعلق باستمرارية الالتزامات الحكومية. فالاتفاقات التي توقعها الحكومة مع النقابات لا ينبغي أن تصبح موضع نزاع مع كل تغيير وزاري. وفي المقابل، تحتاج الإصلاحات الإدارية إلى قواعد واضحة تحدد مسؤوليات المؤسسات الجديدة، دون المساس بالحقوق التي يضمنها القانون.
أجور الموظفين في قلب الأزمة
يشكل تمويل أجور العاملين أحد أبرز أسباب التصعيد. فقد انتقدت النقابة إدراج اعتمادات مرتبطة بالأجور ضمن خانة النفقات المختلفة والمعدات. كما اعترضت على تقديم ارتفاع بعض الاعتمادات بنسبة 104 في المائة باعتباره زيادة في ميزانية القطاع.
وبحسب قراءة النقابة، يرتبط جزء من هذا الارتفاع بنقل اعتمادات الأجور إلى إعانات المجموعات الصحية الترابية. ولذلك تطالب الحكومة بتوضيح طبيعة التحويلات المالية وأثرها على الوضع الإداري للموظفين. كما تريد ضمان استمرار صرف الأجور وفق الالتزامات السابقة.
ولا يكفي ارتفاع بند مالي للحكم بزيادة الموارد المتاحة فعلياً. فقد يعكس الرقم إعادة تصنيف نفقات قائمة، بدلاً من تخصيص تمويل إضافي للخدمات الصحية. ولهذا يحتاج النقاش إلى مقارنة مفصلة بين ميزانيتي 2026 و2027، مع فصل نفقات الأجور عن الاستثمار والتجهيز والتسيير.
وتستحضر النقابة أيضاً المادة 23 من قانون مالية 2025، التي تقول إنها كرست استمرار تحمل الميزانية العامة للدولة أجور فئات من مهنيي الصحة. ويستدعي هذا الاعتراض توضيح العلاقة بين المقتضيات القانونية السابقة والترتيبات الجديدة، ومدى تأثيرها على حقوق الموظفين.
إصلاح المجموعات الصحية الترابية أمام اختبار الثقة
تراهن الحكومة على المجموعات الصحية الترابية لتطوير تدبير المستشفيات والخدمات الصحية. ويقوم هذا التوجه على تنظيم المؤسسات والموارد داخل إطار ترابي أكثر تكاملاً. كما يهدف إلى تحسين التنسيق بين مستويات العلاج وتدبير الموارد البشرية.
لكن نجاح الإصلاح لا يرتبط بالهياكل الإدارية وحدها. فالعاملون في القطاع يمثلون عنصراً أساسياً في تقديم الخدمات للمواطنين. ولذلك فإن أي تغيير في تدبير أجورهم أو أوضاعهم المهنية يحتاج إلى توضيحات قانونية وضمانات عملية.
وتعتبر النقابة أن الإصلاح يجب أن يحافظ على المكتسبات السابقة، وأن يوفر تحفيزات إضافية للمهنيين. كما تحذر من تأثير الخلاف الحالي على الثقة بين الإدارة والعاملين. وفي المقابل، تظل الحكومة مطالبة بتوضيح كيفية تمويل المؤسسات الجديدة، وضمان استمرارية الخدمات والحقوق المهنية.
وتكشف الأزمة عن تحدٍ يتكرر في إصلاح المرافق العمومية. فقد تتقدم النصوص التنظيمية بسرعة، بينما تتأخر التسويات الاجتماعية والتفاصيل التنفيذية. وعندما يغيب التوضيح، تتحول التغييرات المحاسبية والإدارية إلى مصدر قلق لدى الموظفين، حتى قبل ظهور آثارها الفعلية.
الإضراب ومقاطعة الحوار.. من يتحمل كلفة التصعيد؟
اختارت النقابة الجمع بين الإضراب الوطني ومقاطعة الاجتماع المقبل مع الوزير. ويعكس القرار تراجع الثقة في جدوى الحوار بصيغته الحالية، وفق موقفها المعلن. لكنه يثير أيضاً تساؤلات بشأن فرص استئناف التفاوض قبل موعد الاحتجاج.
ولا تتعلق تداعيات الخلاف بالموظفين والحكومة فقط. فقد يؤثر أي توقف واسع عن العمل في مواعيد الفحوص والخدمات غير المستعجلة، بحسب حجم المشاركة والترتيبات المعتمدة. ولم تتضح بعد نسبة المشاركة المتوقعة أو التفاصيل العملية لضمان استمرارية الخدمات الأساسية.
وتتحمل الحكومة مسؤولية توضيح التزاماتها وتقديم تفسير دقيق للمقتضيات المالية التي أثارت الخلاف. كما تتحمل الأطراف النقابية مسؤولية توضيح مطالبها وتدابير حماية المرضى أثناء الاحتجاج. ولا ينبغي أن يتحول النزاع حول حقوق الموظفين إلى عبء إضافي على المواطنين الذين ينتظرون العلاج.
ويحتاج الرأي العام أيضاً إلى معرفة ما نفذته الحكومة من اتفاق يوليوز 2024، وما بقي معلقاً. فالمقارنة بين الالتزامات والنتائج توفر أساساً أدق لتقييم المسؤوليات من تبادل الاتهامات وحده.
هل تستطيع الحكومة احتواء الأزمة؟
تضع هذه التطورات وزارة الصحة أمام اختبار مبكر في علاقتها بالشركاء الاجتماعيين. فالإضراب المقرر يوم 10 نوفمبر يأتي وسط نقاش برلماني حول مشروع مالية 2027، وفي مرحلة تحتاج فيها المنظومة الصحية إلى استقرار مهني ومؤسساتي.
وتملك الحكومة فرصة لتوضيح موقفها من تمويل الأجور والمناصب المالية. كما يمكنها تقديم جدول لتنفيذ الاتفاقات السابقة، مع بيان الإجراءات التي تتطلب تعديلات قانونية أو تنظيمية. وفي المقابل، قد يساعد استئناف الحوار على تحديد نقاط الخلاف الفعلية وتجنب مزيد من التصعيد.
ولا تكفي الزيادة الإجمالية في ميزانية الصحة لقياس نجاح الإصلاح. فالمعيار الأهم يشمل توزيع الموارد وتحسين ظروف العمل وجودة الخدمات. كما يشمل قدرة المؤسسات الصحية على الاستجابة لحاجات المواطنين، خصوصاً في المناطق التي تعاني نقص الأطر والتجهيزات.
وفي المحصلة، يكشف الإضراب المرتقب عن خلاف يتجاوز المطالب المالية المباشرة. إنه اختبار لمدى انسجام إصلاح المنظومة الصحية مع الالتزامات الاجتماعية السابقة. وبين مطالب النقابة ومسؤوليات الحكومة، يبقى التحدي الأساسي هو حماية حقوق العاملين وضمان حق المواطنين في العلاج، دون تحويل الإصلاح إلى مصدر جديد للاحتقان.
