يضع مشروع قانون المالية لسنة 2027 الضريبة على الدخل في صدارة النقاش الاقتصادي والاجتماعي بالمغرب. فالحكومة تقترح تخفيف العبء الضريبي عن الأجراء عبر توسيع الشريحة المعفاة وإعادة ترتيب نسب الضريبة. وتهدف هذه الإجراءات إلى رفع الأجر الصافي وتحسين القدرة الشرائية. غير أن أثرها لن يكون متساوياً بين جميع العاملين، كما أنها لا تشمل بصورة مباشرة كل الأسر المغربية.
وتشير المعطيات التي عرضتها تغطية اقتصادية يوم 8 نوفمبر إلى رفع عتبة الإعفاء إلى 60 ألف درهم سنوياً. كما تتحدث عن تخفيضات تدريجية تمتد إلى سنة 2031. لكن المشروع ما زال يخضع للمناقشة البرلمانية، ولم تتحول مقتضياته إلى قانون نهائي. ولذلك يبقى تحديد المستفيدين مرتبطاً بالنص الذي سيعتمده البرلمان وبكيفية تطبيقه.
ويثير الإصلاح سؤالاً يتجاوز قيمة التخفيض الضريبي. فهل تستطيع هذه الإجراءات تحسين مستوى المعيشة في ظل ارتفاع تكاليف الغذاء والسكن والنقل؟ ثم هل توزع المكاسب بصورة عادلة بين أصحاب الأجور المحدودة والمتوسطة والمرتفعة؟
عتبة إعفاء جديدة وتغيير في الشرائح
بدأ المغرب إصلاح الضريبة على الدخل سنة 2025، عندما رفع الشطر السنوي المعفى من 30 ألفاً إلى 40 ألف درهم. كما خفض بعض النسب الضريبية وعدل التخفيضات المرتبطة بالأعباء العائلية. وجاءت تلك الإجراءات ضمن تنفيذ التزامات الحوار الاجتماعي والإصلاح الجبائي.
ويقترح مشروع مالية 2027 توسيع الإعفاء إلى 60 ألف درهم من الدخل السنوي الصافي الخاضع للضريبة. كما تتحدث المعطيات المنشورة عن اعتماد نسب جديدة تبدأ بعشرة في المائة للشريحة التالية، وتصل إلى 37 في المائة بالنسبة إلى أعلى شريحة خلال المرحلة الأولى.
ويعتمد النظام الضريبي على مبدأ التصاعد. فلا تخضع جميع مداخيل الشخص لنسبة واحدة بمجرد انتقاله إلى شريحة أعلى. بل تطبق كل نسبة على الجزء المقابل لها من الدخل الخاضع للضريبة. ولذلك يجب التمييز بين النسبة الهامشية والعبء الضريبي الإجمالي.
كما ينبغي التمييز بين الأجر الإجمالي والأجر الصافي الخاضع للضريبة. فالمشغل يقتطع الاشتراكات الاجتماعية والمبالغ التي يسمح القانون بخصمها قبل احتساب الضريبة. ولهذا لا تعني عتبة إعفاء سنوية تبلغ 60 ألف درهم أن كل أجير يتقاضى خمسة آلاف درهم إجمالاً شهرياً سيخضع للوضعية نفسها.
من يحصل على الزيادة الأكبر؟
تختلف الاستفادة بحسب مستوى الأجر والاقتطاعات والوضعية العائلية. فالأجير الذي لا يدفع الضريبة أصلاً لن يحصل على زيادة جديدة بسبب تخفيضها. أما من يؤدي ضريبة محدودة، فستبقى استفادته مرتبطة بالمبلغ الذي كان يدفعه قبل الإصلاح.
وتزداد قيمة التخفيض لدى بعض الأجراء الذين تقع دخولهم ضمن الشرائح المتوسطة. وقد عرضت تغطية اقتصادية محاكاة تشير إلى ارتفاع الأجر الصافي بنحو 443 درهماً شهرياً عند أجر إجمالي يبلغ عشرة آلاف درهم. كما قدرت المكسب بنحو 500 درهم لبعض الأجور الأعلى.
لكن هذه النتائج تبقى محاكاة وليست مبالغ مضمونة لجميع الموظفين. فهي تفترض وضعية مهنية وعائلية محددة، وتعتمد على شرائح ضريبية مقترحة. وقد تختلف النتيجة عند احتساب الاقتطاعات الفعلية والتخفيضات القانونية لكل أجير.
ويعني ذلك أن الإعلان عن استفادة واسعة لا يكفي وحده لتقييم الإصلاح. فالمهم هو توزيع المكاسب بين فئات الدخل، وليس عدد الأشخاص الذين يشملهم التخفيض فقط. كما ينبغي معرفة متوسط الزيادة التي سيحصل عليها كل مستوى من مستويات الأجور.
ماذا عن أصحاب الدخل المحدود وغير الأجراء؟
تظهر حدود التخفيض الضريبي عند النظر إلى الأسر التي لا تؤدي الضريبة على الدخل. فالعامل ذو الأجر المنخفض قد يكون معفى أصلاً، وبالتالي لن يستفيد من توسيع الإعفاء. وينطبق الأمر أيضاً على أشخاص لا يتوفرون على دخل مهني منتظم.
أما العاملون في القطاع غير المهيكل، فتختلف أوضاعهم الضريبية والاجتماعية. وقد لا تنعكس تعديلات الضريبة على الأجور على دخولهم بصورة مباشرة. ولذلك يحتاج تقييم العدالة الاجتماعية للإصلاح إلى النظر في سياسات الدعم والتشغيل والحماية الاجتماعية، إلى جانب التخفيضات الجبائية.
وتطرح هذه الفوارق سؤالاً مهماً بشأن توزيع الدعم العمومي. فكل تخفيض ضريبي يقلص، من حيث المبدأ، الإيرادات التي كانت الدولة ستحصل عليها وفق النظام السابق. وفي المقابل، يرفع الدخل المتاح لدى المستفيدين. ويجب تقييم هذا الاختيار بالمقارنة مع بدائل أخرى، مثل توسيع الخدمات أو دعم الفئات محدودة الدخل.
ولا يعني ذلك أن تخفيض الضريبة إجراء غير مفيد. لكنه يوضح أن أثره الاجتماعي يتوقف على تصميمه وعلى السياسات التي ترافقه. فالإصلاح الجبائي لا يستطيع وحده معالجة جميع أسباب ضعف القدرة الشرائية.
هل تعوض الزيادة ارتفاع الأسعار؟
تمثل القدرة الشرائية المعيار الأقرب إلى الحياة اليومية للمواطنين. فقد ترتفع الأجور الصافية، لكن الأسر قد لا تشعر بتحسن كبير إذا زادت تكاليف السلع والخدمات بوتيرة مماثلة أو أعلى.
ولهذا ينبغي مقارنة المكسب الضريبي بتطور نفقات الغذاء والسكن والنقل والطاقة. كما يجب مراعاة اختلاف أنماط الاستهلاك بين الأسر. فالأثر الذي تتركه زيادة شهرية محدودة على أسرة صغيرة يختلف عن أثرها على أسرة تتحمل مصاريف أكبر.
وتبرز هنا أهمية البيانات الرسمية حول الأسعار والدخول. فالتقييم الدقيق يحتاج إلى احتساب التغير في الدخل الحقيقي بعد التضخم، وليس الاكتفاء بالزيادة الاسمية في الأجر الصافي.
كما أن استمرار الضغوط على أسعار بعض المواد الأساسية قد يحد من أثر التخفيض. ولذلك ينبغي أن تتكامل السياسة الضريبية مع إجراءات تحسين المنافسة والإنتاج والتوزيع، حتى لا تتآكل المكاسب التي يحصل عليها الأجراء.
كلفة الإصلاح وأسئلة العدالة الجبائية
تقدر تغطية اقتصادية منشورة اليوم الكلفة المالية للإجراءات المقترحة بنحو 5.5 مليارات درهم خلال سنة 2027. ويحتاج هذا التقدير إلى مطابقته مع الجداول الرسمية النهائية، خصوصاً إذا أدخل البرلمان تعديلات على الشرائح أو نسب الضريبة.
وتكتسب الكلفة أهمية لأنها ترتبط بتوازنات الميزانية العامة. فالحكومة مطالبة بتخفيف الضغط الضريبي، لكنها تحتاج أيضاً إلى تمويل الصحة والتعليم والاستثمار والحماية الاجتماعية. ولذلك ينبغي أن توضح أثر الإصلاح على الموارد العمومية ومصادر تعويض أي انخفاض في الإيرادات.
ويثير توزيع المكاسب سؤالاً آخر. فالتخفيض الذي يمنح أجيراً متوسط الدخل بضع مئات من الدراهم قد لا يصل إلى الأسر الأشد هشاشة. وفي المقابل، قد تستفيد شرائح أعلى دخلاً من تخفيضات أكبر في مراحل لاحقة. ويحتاج الحكم على عدالة الإصلاح إلى مقارنة المكاسب كنسبة من الدخل، وليس بالقيمة النقدية وحدها.
وتسمح هذه المقارنة بفحص مدى انسجام الإصلاح مع مبدأ التصاعد الضريبي. كما تساعد على معرفة ما إذا كانت الحكومة تعطي الأولوية لتخفيف العبء عن الطبقة المتوسطة، أو لتوسيع الإعفاءات، أو لإعادة توزيع العبء بين الشرائح المختلفة.
البرلمان أمام اختبار الأرقام لا الوعود
تتيح مناقشة مشروع مالية 2027 فرصة لتوضيح الأثر الحقيقي للتخفيضات المقترحة. ويمكن للبرلمان أن يطلب من الحكومة محاكاة رسمية تشمل مستويات متعددة من الأجور والوضعيات العائلية. كما يستطيع مناقشة كلفة كل إجراء وعدد المستفيدين منه.
وتحتاج هذه المحاكاة إلى بيان الأجر الإجمالي والاقتطاعات والدخل الخاضع للضريبة، ثم الضريبة المستحقة قبل الإصلاح وبعده. ومن شأن ذلك أن يمنع الخلط بين عتبة الإعفاء والراتب الشهري، وأن يقدم للمواطن صورة أقرب إلى وضعه الفعلي.
وفي المحصلة، قد يشكل تخفيض الضريبة على الدخل خطوة لتحسين أجور فئات من العاملين. لكنه لا يمثل زيادة موحدة لجميع الأجراء، ولا حلاً شاملاً لمشكلة غلاء المعيشة. فالاستفادة تختلف بحسب الدخل والاقتطاعات والأعباء العائلية، بينما تظل بعض الفئات خارج الأثر المباشر للإجراء.
ويبقى الاختبار الأساسي هو مقدار التحسن الذي سيظهر في الدخل الحقيقي للأسر بعد تطبيق الإصلاح. أما قبل المصادقة النهائية، فإن الأرقام المعلنة تظل تقديرات مرتبطة بمشروع قابل للتعديل. ولذلك تحتاج الحكومة إلى تقديم حسابات شفافة، ويحتاج البرلمان إلى تقييم أثرها الاجتماعي والمالي قبل اعتمادها.
