f x ig yt
الأحد، 8 نوفمبر 2026
جديد الإختيار

االشيخوخة بالمغرب.. أسباب تراجع الخصوبة وتحديات المستقبل

انخفاض الخصوبة إلى أقل من طفلين لكل امرأة وارتفاع نسبة المسنين إلى 13.8% يعيدان رسم الهرم السكاني المغربي. وبين بطالة الشباب وتحولات الأسرة وتحديات التقاعد والرعاية الصحية، تبرز الحاجة إلى سياسة ديموغرافية تتجاوز تشجيع الإنجاب نحو إعادة تنظيم التضامن بين الأجيال.

قضايا اجتماعية 📅 7 نوفمبر 2026 ⏱ 12 دقيقة
زوجان مسنان في إحدى حدائق الدار البيضاء، في صورة أرشيفية تعكس جانباً من الحياة اليومية لكبار السن بالمغرب. ويطرح تزايد نسبتهم من السكان تحديات تتعلق بالتقاعد والرعاية الصحية والتضامن بين الأجيال. **تصوير:** Adam Jones / Wikimedia Commons، 8 يونيو 2010. **الترخيص:** Creative Commons CC BY-SA 3.0.

لم يعد السؤال الديموغرافي في المغرب يتعلق فقط بعدد السكان الذين سيعيشون فوق ترابه خلال العقود المقبلة. فقد انتقل المجتمع المغربي تدريجياً من مرحلة كان فيها النمو السكاني السريع يمثل أحد أبرز التحديات الاقتصادية والاجتماعية، إلى مرحلة جديدة تتراجع فيها الخصوبة وتتزايد فيها أعداد كبار السن، بينما تستمر صعوبات إدماج الشباب والنساء في سوق العمل.

وتكشف نتائج الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024 عن تحول عميق في البنية السكانية. فقد بلغ عدد سكان المغرب نحو 36.8 مليون نسمة، مقابل 33.8 مليون سنة 2014. غير أن معدل النمو السنوي انخفض إلى 0.85%، بينما تراجع متوسط عدد الأطفال لكل امرأة إلى 1.97 طفل، أي دون المستوى التقريبي اللازم لتعويض الأجيال على المدى الطويل.

وفي الاتجاه المقابل، ارتفعت نسبة السكان الذين تبلغ أعمارهم 60 سنة فأكثر إلى 13.8%، أي نحو خمسة ملايين شخص. وهذه الزيادة لا تعني أن المغرب دخل مرحلة الانكماش السكاني، لكنها تشير إلى تغير متسارع في توزيع السكان حسب العمر.

وتكمن المفارقة في أن هذا التحول يحدث بينما لا يزال الاقتصاد يواجه تحديات مرتبطة بالتشغيل والإنتاجية والتفاوتات الاجتماعية والمجالية. وهكذا يجد المغرب نفسه أمام سؤال مركب: كيف يستثمر قدراته البشرية الحالية، ويستعد في الوقت نفسه لمجتمع ستكون فيه الشيخوخة أكثر حضوراً؟

من الانفجار السكاني إلى تباطؤ النمو.. كيف تغير المغرب؟

لفهم التحول الديموغرافي الحالي، ينبغي العودة إلى التحولات التي عرفها المغرب منذ منتصف القرن العشرين.

فقد تميزت العقود الأولى بعد الاستقلال بارتفاع الخصوبة وتراجع الوفيات، نتيجة تحسن تدريجي في الخدمات الصحية والتلقيح وظروف العيش. وأدى ذلك إلى توسع قاعدة الهرم السكاني، وارتفاع أعداد الأطفال والشباب.

وكانت الدولة آنذاك مطالبة بتوسيع المدارس والمستشفيات والبنيات الأساسية، واستيعاب الأعداد المتزايدة من الداخلين إلى سوق العمل. وأصبحت العلاقة بين النمو السكاني والتنمية إحدى القضايا المركزية في التخطيط الاقتصادي والاجتماعي.

غير أن هذه الصورة تغيرت تدريجياً مع توسع التمدن، وارتفاع مستويات التعليم، وتحسن الصحة الإنجابية، وتراجع حجم الأسرة.

وتوضح نتائج الإحصاء الأخير أن نسبة التمدن بلغت 62.8% سنة 2024. كما انخفضت الخصوبة إلى 1.77 طفل لكل امرأة في المدن، مقابل 2.37 في الوسط القروي.

ويعكس هذا التفاوت اختلاف الظروف الاقتصادية والاجتماعية وأنماط العيش بين المجالين. لكنه يكشف أيضاً أن الانتقال الديموغرافي لا يجري بالسرعة نفسها في جميع أنحاء المغرب.

فالمجتمع الذي كان يتميز بقاعدة سكانية عريضة من الأطفال يتجه نحو بنية عمرية تتراجع فيها حصة الأجيال الأصغر، وتتزايد فيها حصة كبار السن.

وهذا التحول لا ينبغي تفسيره باعتباره اختلالاً طارئاً أو نتيجة قرار سياسي منفرد. إنه حصيلة تراكمات اجتماعية وصحية واقتصادية وثقافية امتدت على مدى عقود.

لماذا يتراجع الإنجاب؟ الاقتصاد والأسرة والتحولات الثقافية

من السهل تفسير انخفاض الخصوبة بارتفاع تكاليف المعيشة أو تأخر الزواج. لكن مثل هذا التفسير، رغم أهميته المحتملة، يبقى ناقصاً إذا لم يوضع داخل التحول العام الذي أصاب الأسرة المغربية.

فقد انتقلت الأسرة تدريجياً من نموذج كان يقوم في كثير من البيئات على تعدد الأبناء وتقاسم العمل والرعاية داخل العائلة الممتدة، إلى نماذج أسرية أصغر وأكثر ارتباطاً بالسكن الحضري والدخل النقدي.

وفي المدن، أصبح تكوين الأسرة يرتبط بمتطلبات السكن والعمل والتعليم والنقل والخدمات. كما تغيرت التوقعات المرتبطة بتربية الأطفال، وأصبحت بعض الأسر تفضل إنجاب عدد أقل مع تخصيص موارد أكبر لتعليمهم ورعايتهم.

وتؤثر أوضاع التشغيل في هذه الاختيارات. فالشاب الذي يواجه صعوبة في الحصول على عمل مستقر قد يؤجل الزواج أو تأسيس أسرة. وقد تؤدي كلفة السكن والخدمات إلى تأخير الإنجاب أو تقليص العدد المرغوب من الأطفال.

غير أن هذه العلاقات تحتاج إلى قياس ميداني دقيق. فلا يجوز افتراض أن البطالة تفسر وحدها انخفاض الخصوبة، أو أن كل تأخر في الزواج يعود إلى أسباب اقتصادية.

كما ينبغي النظر إلى ارتفاع تعليم النساء وتوسع مشاركتهن في الحياة العامة بوصفهما جزءاً من التحول الاجتماعي. فقد تغيرت المسارات التعليمية والمهنية، وأصبحت قرارات الإنجاب ترتبط أيضاً بالتطلعات الشخصية وتوزيع المسؤوليات داخل الأسرة.

وهنا تبرز مسألة أساسية: هل توفر المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية الظروف التي تسمح للأفراد بالتوفيق بين العمل والحياة الأسرية؟

فغياب خدمات رعاية الأطفال، وصعوبة التنقل، وعدم استقرار الدخل، قد تجعل التوفيق بين العمل والإنجاب أكثر تعقيداً.

لكن معالجة هذه الصعوبات لا ينبغي أن تتحول إلى ضغط اجتماعي لزيادة الولادات. فالأصل هو تمكين الأسر من اتخاذ قراراتها بحرية، مع توفير الظروف الاقتصادية والاجتماعية المناسبة.

الشيخوخة.. نتيجة لتحسن الحياة وليست أزمة في ذاتها

إذا كان انخفاض الخصوبة أحد أسباب تغير الهرم السكاني، فإن ارتفاع متوسط العمر المتوقع يمثل العامل الآخر.

فقد عرف المغرب تحسناً كبيراً في أمد الحياة خلال العقود الماضية، نتيجة التطورات الصحية والاجتماعية وتراجع الوفيات في مراحل عمرية مختلفة.

ومن ثم، فإن ارتفاع عدد الأشخاص الذين يبلغون الستين والسبعين والثمانين لا ينبغي التعامل معه بوصفه مؤشراً سلبياً في حد ذاته.

فإطالة العمر تمثل أحد مكاسب التنمية البشرية. والمشكلة الحقيقية تظهر عندما لا تتطور المؤسسات الاجتماعية والاقتصادية بالسرعة الكافية لمواكبة هذا التحول.

وتشير الإسقاطات الديموغرافية إلى احتمال ارتفاع عدد السكان البالغين 60 سنة فأكثر إلى نحو 7.9 ملايين شخص بحلول 2040، أي ما يقارب خمس السكان.

ولا تمثل هذه الأرقام مستقبلاً محسوماً، بل تقديرات مبنية على فرضيات تتعلق بالخصوبة والوفيات والهجرة.

ومع ذلك، فإن الاتجاه العام يطرح تحديات واضحة أمام أنظمة التقاعد والخدمات الصحية والرعاية طويلة الأمد والسكن والنقل.

فارتفاع عدد المسنين يعني تزايد الحاجة إلى متابعة الأمراض المزمنة، وإعادة التأهيل، والرعاية المنزلية، والخدمات التي تساعد الأشخاص على المحافظة على استقلاليتهم.

كما يطرح سؤالاً حول قدرة الأسر على الاستمرار في أداء وظائف الرعاية التقليدية، في ظل التحولات التي أصابت حجمها وتوزيع أفرادها ومواقع إقامتهم.

الأسرة المغربية.. من التضامن التقليدي إلى الحاجة إلى مؤسسات للرعاية

لا يمكن فهم الشيخوخة في المغرب دون تحليل التغيرات التي أصابت الأسرة.

فقد شكلت الأسرة الممتدة، خصوصاً في البيئات القروية، إطاراً أساسياً للتضامن بين الأجيال. وكان كبار السن يستفيدون بدرجات متفاوتة من الرعاية التي يقدمها الأبناء والأقارب، مقابل أدوار اجتماعية واقتصادية ومعنوية يضطلعون بها داخل العائلة.

لكن التحضر والهجرة الداخلية والخارجية وتقلص حجم الأسرة غيرت شروط هذا التضامن.

فالأبناء قد يعيشون في مدن بعيدة عن آبائهم، وقد يعمل أفراد الأسرة لساعات طويلة، بينما تتزايد الحاجة إلى رعاية صحية واجتماعية متخصصة.

ولا يعني ذلك اختفاء التضامن العائلي. لكنه يشير إلى أن الاعتماد عليه وحده قد يصبح غير كافٍ، خصوصاً بالنسبة إلى كبار السن الذين يعيشون بمفردهم أو يعانون أمراضاً مزمنة أو محدودية الدخل.

كما أن الرعاية الأسرية غير المؤدى عنها لا تتوزع بالضرورة بالتساوي بين الرجال والنساء. ففي كثير من المجتمعات تتحمل النساء جزءاً مهماً من أعبائها، وهو ما قد يؤثر في فرصهن المهنية واستقلاليتهن الاقتصادية.

ومن هنا، لا ينبغي أن يقوم تصور السياسة الاجتماعية على افتراض أن الأسرة ستتكفل تلقائياً بجميع احتياجات المسنين.

فالدولة والجماعات الترابية والمؤسسات الصحية والمجتمع المدني مدعوون إلى تطوير خدمات مساندة، تشمل الرعاية المنزلية والمراكز النهارية والدعم النفسي والاجتماعي وتيسير الولوج إلى العلاج.

والهدف ليس تعويض الأسرة بالمؤسسات، بل بناء علاقة تكامل تضمن حق كبار السن في الرعاية وتحمي أفراد الأسرة من تحمل أعباء تفوق قدراتهم.

معضلة التشغيل.. هل يفقد المغرب فرصته الديموغرافية؟

تكشف التحولات الديموغرافية عن مفارقة اقتصادية مهمة.

فالمغرب لا يزال يتوفر على أعداد كبيرة من السكان في سن العمل، لكنه يواجه صعوبات في تحويل هذه القدرة البشرية إلى تشغيل منتج ومستقر.

وتظهر بيانات سوق الشغل استمرار التحديات التي تواجه الشباب والنساء، سواء من حيث البطالة أو ضعف المشاركة الاقتصادية.

وتكتسب هذه الوضعية أهمية خاصة في سياق الشيخوخة. فكلما ارتفعت نسبة كبار السن مستقبلاً، ازدادت الحاجة إلى اقتصاد قادر على إنتاج الثروة وتمويل الحماية الاجتماعية والخدمات العامة.

لكن العلاقة بين الشيخوخة والاقتصاد ليست علاقة حسابية بسيطة. فلا يمكن اعتبار جميع كبار السن أشخاصاً غير منتجين، كما لا يعني وجود أعداد كبيرة من الشباب ارتفاع الإنتاجية تلقائياً.

فبعض كبار السن يواصلون العمل ويساهمون في الاقتصاد والأسرة. وفي المقابل، قد يبقى أشخاص في سن العمل خارج النشاط الاقتصادي بسبب البطالة أو ضعف فرص المشاركة.

لذلك، فإن التحدي لا يتعلق فقط بعدد السكان في كل فئة عمرية، بل بمعدلات التشغيل والإنتاجية وجودة الوظائف ومدى شمول أنظمة الحماية الاجتماعية.

ومن هذا المنظور، يصبح إصلاح سوق العمل جزءاً من الاستعداد للشيخوخة.

فزيادة مشاركة النساء والشباب، وتحسين التكوين، ودعم المقاولات المنتجة، وتوسيع الحماية الاجتماعية، كلها سياسات يمكن أن تعزز قدرة الاقتصاد على مواجهة التحولات المقبلة.

كما ينبغي تقييم الاستثمارات العمومية والخاصة من خلال الوظائف التي تحدثها فعلياً، وليس فقط من خلال حجم الأموال المعبأة.

التقاعد والحماية الاجتماعية.. من سيمول شيخوخة المستقبل؟

فالأنظمة القائمة على مساهمات العاملين تحتاج إلى توازن بين الموارد المالية والالتزامات تجاه المتقاعدين. وقد يؤدي ارتفاع أعداد المستفيدين وطول مدة صرف المعاشات إلى ضغوط إضافية، تختلف حدتها بحسب تصميم كل نظام ومصادر تمويله.

لكن الشيخوخة ليست العامل الوحيد المؤثر في استدامة التقاعد. فمستويات الأجور والتشغيل والتغطية الاجتماعية والعائد على الاستثمارات والقواعد القانونية تحدد بدورها التوازن المالي.

ولهذا، فإن إصلاح التقاعد لا ينبغي اختزاله في رفع سن الإحالة على التقاعد.

فمثل هذا الإجراء، إذا طُرح، يحتاج إلى دراسة أثره على الفئات المهنية المختلفة، وعلى صحة العاملين، وعلى فرص الشباب، وعلى الفوارق في متوسط العمر المتوقع.

كما أن توسيع التغطية الاجتماعية للعاملين في الاقتصاد غير المنظم يظل مسألة مركزية. فالأشخاص الذين يقضون حياتهم المهنية خارج أنظمة المساهمات قد يصلون إلى الشيخوخة دون معاش كافٍ.

وهنا يصبح السؤال أوسع من الاستدامة المالية للصناديق: كيف يمكن ضمان حد أدنى من الأمن الاقتصادي لجميع كبار السن، بصرف النظر عن مساراتهم المهنية السابقة؟

وتحتاج الإجابة إلى بيانات دقيقة عن التغطية الفعلية وقيمة المعاشات والفئات غير المستفيدة، قبل تحديد كلفة الإصلاحات الممكنة.

المغرب القروي.. حين تتقاطع الشيخوخة مع الهجرة

لا تتوزع الشيخوخة بالضرورة بصورة متجانسة بين الجهات والأقاليم.

فالهجرة الداخلية قد تؤدي إلى مغادرة أعداد من الشباب بعض المناطق القروية بحثاً عن الدراسة والعمل، بينما يبقى فيها جزء من السكان الأكبر سناً.

وقد تترتب على ذلك صعوبات تتعلق بالوصول إلى المستشفيات والخدمات الإدارية والنقل والأسواق.

كما يمكن أن تتغير العلاقات الاقتصادية داخل الأسر، خاصة عندما يعتمد بعض كبار السن على تحويلات الأبناء المقيمين في المدن أو الخارج.

غير أن تحديد حجم هذه الظاهرة وتوزيعها الترابي يتطلب بيانات مفصلة حسب العمر والهجرة والوسط الجغرافي.

ومن ثم، ينبغي ألا تقتصر السياسة الديموغرافية على المستوى الوطني. بل يجب أن ترتبط بالتخطيط الترابي وتوزيع الخدمات والاستثمارات.

فاحتياجات منطقة تعرف هجرة الشباب وتراجع النشاط الاقتصادي تختلف عن احتياجات مدينة تستقطب السكان في سن العمل.

كما أن ارتفاع نسبة كبار السن في جهة معينة لا يكفي وحده للحكم على هشاشتها، ما لم يُربط بمستويات الدخل والصحة والبنيات الأساسية وشبكات التضامن.

هل يكون تشجيع الإنجاب حلاً؟

مع انخفاض الخصوبة إلى أقل من مستوى تعويض الأجيال، قد تتجه بعض النقاشات إلى الدعوة لسياسات تشجع الولادات.

لكن التجارب الدولية تظهر أن الإجراءات المالية وحدها لا تضمن ارتفاعاً مستداماً في الخصوبة. كما أن نتائجها تختلف باختلاف ظروف السكن والعمل والخدمات والثقافة الأسرية.

وقد تساعد سياسات السكن الميسر، وإجازات الوالدية، ورعاية الأطفال، واستقرار الدخل، على تخفيف العوائق التي تواجه الأسر الراغبة في الإنجاب.

غير أن أثر هذه السياسات يحتاج إلى تقييم مستمر، ولا ينبغي تقديمه بوصفه مضمون النتائج.

كذلك لا يجوز تحويل انخفاض الخصوبة إلى مبرر للتراجع عن تعليم النساء أو استقلاليتهن أو حقوقهن في اتخاذ القرارات المتعلقة بحياتهن الأسرية.

فالتحدي ليس فرض نموذج أسري معين، بل توفير شروط تسمح للأفراد بتحقيق اختياراتهم دون ضغوط اقتصادية واجتماعية غير ضرورية.

والأهم أن أي ارتفاع محتمل في الولادات لن يعالج بصورة فورية احتياجات سوق العمل أو التقاعد. فالأطفال الذين يولدون اليوم يحتاجون إلى سنوات طويلة قبل بلوغ سن النشاط الاقتصادي.

لذلك، لا يمكن أن تكون السياسة الإنجابية بديلاً عن إصلاح التشغيل والحماية الاجتماعية والرعاية الصحية.

نحو سياسة ديموغرافية جديدة.. ستة مسارات متكاملة

تحتاج مواجهة التحول الديموغرافي إلى رؤية طويلة المدى، تتجاوز التدابير القطاعية المنفصلة.

أول هذه المسارات يتمثل في تحسين فرص العمل، خصوصاً لدى الشباب والنساء، وربط الاستثمار بالتشغيل المنتج والحماية الاجتماعية.

أما المسار الثاني، فيتعلق بتخفيف العوائق الاقتصادية التي تواجه تكوين الأسر، من خلال السكن الميسر واستقرار الدخل وخدمات رعاية الأطفال.

ويتمثل المسار الثالث في تطوير منظومة وطنية للرعاية طويلة الأمد، تجمع بين الخدمات الصحية والاجتماعية والرعاية المنزلية.

ويرتبط المسار الرابع بإصلاح أنظمة التقاعد والحماية الاجتماعية، على أساس دراسات اكتوارية ومالية دقيقة، مع مراعاة العدالة بين الفئات والأجيال.

أما المسار الخامس، فيخص تكييف المدن والقرى مع الشيخوخة، عبر النقل الميسر والسكن الملائم والخدمات الصحية القريبة والفضاءات العامة الآمنة.

ويتمثل المسار السادس في إدماج الإسقاطات الديموغرافية في التخطيط العمومي، حتى لا تُبنى المدارس والمستشفيات والبنيات الأساسية وفق تصورات سكانية تجاوزها الواقع.

ولا تكفي صياغة هذه التوجهات في البرامج الحكومية. ففعاليتها تتوقف على التمويل والتنفيذ والتنسيق بين المؤسسات، وعلى وجود مؤشرات تسمح بقياس النتائج.

من المسؤول عن الاستعداد للمستقبل؟

لا يمكن تحميل حكومة واحدة مسؤولية تحول ديموغرافي امتد لعقود، كما لا يجوز إعفاء السياسات العمومية الحالية من مسؤولية الاستعداد لنتائجه.

فالخصوبة والوفيات والهجرة والتحضر ظواهر تتأثر بعوامل اجتماعية واقتصادية متعددة. لكن الدولة تملك أدوات مهمة للتدخل في مجالات التشغيل والصحة والسكن والتقاعد والتخطيط الترابي.

ولهذا، ينبغي أن تنتقل مساءلة السياسات من الاكتفاء بالإعلان عن البرامج إلى تقييم أثرها الفعلي.

فكم عدد كبار السن الذين يحصلون على رعاية صحية مناسبة؟ وما نسبة المستفيدين من معاشات كافية؟ وهل تتوفر المناطق القروية على خدمات قريبة؟ وما أثر برامج التشغيل على المشاركة الاقتصادية للنساء والشباب؟

هذه الأسئلة لا تجيب عنها الأرقام الديموغرافية وحدها. لكنها تحدد المجالات التي ينبغي أن تتجه إليها الدراسات والتقارير الرقابية والتحقيقات الصحفية.

كما تفرض الحاجة إلى تنسيق أوسع بين المندوبية السامية للتخطيط والوزارات المعنية والجماعات الترابية ومؤسسات الحماية الاجتماعية.

 المغرب لا يحتاج إلى شباب أكثر فقط، بل إلى فرص أفضل لجميع الأجيال

يكشف التحول الديموغرافي المغربي عن انتقال تاريخي في بنية المجتمع. فعدد الأطفال يتراجع نسبياً، وأعداد كبار السن تتزايد، بينما تتغير الأسرة وتتوسع المدن وتتعقد حاجات الرعاية والحماية.

لكن اختزال هذه التحولات في صورة مجتمع يتجه إلى الشيخوخة قد يحجب جانباً مهماً من القضية.

فالمشكلة ليست أن المغاربة أصبحوا يعيشون سنوات أطول، بل أن المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية مطالبة بالتكيف مع هذا الإنجاز الإنساني.

كما أن انخفاض الخصوبة لا يمثل وحده دليلاً على تراجع اجتماعي، بقدر ما يعكس تحولات في التعليم والصحة وأنماط العيش والاختيارات الأسرية.

ويظل السؤال الحاسم متعلقاً بقدرة المغرب على تحويل موارده البشرية إلى تنمية عادلة ومستدامة، مع ضمان شروط العيش الكريم لجميع الفئات العمرية.

فإذا كان الهرم السكاني يتغير، فإن السياسات العمومية مطالبة بالتغير معه. أما تأجيل الاستعداد، فقد يجعل تكاليف التحول أكثر صعوبة في المستقبل.

وبذلك لا تصبح الشيخوخة أزمة حتمية، بل اختباراً لقدرة المجتمع ومؤسساته على إعادة تنظيم التضامن بين الأجيال، وتوزيع فرص العمل والرعاية والحماية الاجتماعية بصورة أكثر إنصافاً.

شارك المقال فيسبوك إكس تيليغرام

اقرأ أيضاً

اترك تعليقاً