عادت قنوات الحوار بين الولايات المتحدة وإيران إلى العمل. وجرى ذلك على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك. وتدور المحادثات حول ملف واحد يشغل العالم: إعادة فتح مضيق هرمز.
لكن السؤال الذي يطرحه المتابعون ليس هل يتحاور الطرفان، بل هل يملكان فعلاً إرادة الوصول إلى اتفاق؟
من يتحاور مع من؟
شارك في المحادثات وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي. ومن الجانب الأمريكي، شارك المبعوثان ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر. ولم يجلس الطرفان وجهاً لوجه، بل تواصلا عبر وسطاء تنقلوا بين الوفدين. وقالت الخارجية الإيرانية إن الاجتماع جرى بوساطة قطرية.
وهذا أول اتصال من نوعه منذ انهيار تفاهم وقف إطلاق النار المؤقت في يوليوز الماضي.
الشروط الإيرانية: سقف مرتفع
أكد المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي أن طهران أبلغت واشنطن بشروطها. وتشمل إنهاء الحرب على جميع الجبهات، ورفع الحصار البحري، ووقف العقوبات الاقتصادية، والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة.
وقال مسؤول إيراني كبير لوكالة رويترز إن بلاده قد تعيد فتح المضيق خلال أيام، إذا رفعت الولايات المتحدة حصارها.
وتكشف هذه الشروط منطقاً واضحاً. فطهران تستعمل هرمز ورقة ضغط، وتريد مقابلاً شاملاً وليس جزئياً. لكن هذه الورقة لها ثمن. فإغلاق المضيق لا يضر الولايات المتحدة وحدها، بل يضر دولاً لا علاقة لها بالحرب، من آسيا إلى إفريقيا.
واشنطن: رسائل في اتجاهين
في الجانب الأمريكي، تبدو الرسائل متناقضة. فقد وصف الرئيس دونالد ترامب المحادثات بالإيجابية، بعد لقائه قادة دول الخليج في نيويورك. لكن وزير الخارجية ماركو روبيو أكد في الوقت نفسه أن الخيار العسكري لا يزال مطروحاً.
قد يكون هذا التناقض مقصوداً، في إطار سياسة الجزرة والعصا. لكنه يطرح سؤالاً حول وضوح الاستراتيجية الأمريكية. فبعد أكثر من ستة أشهر على اندلاع الحرب في أواخر فبراير، لم تنجح واشنطن في فرض نهاية للنزاع، لا بالقوة ولا بالدبلوماسية.
جولات سابقة بلا نتيجة
لا يمكن قراءة محادثات نيويورك بمعزل عما سبقها. ففي أبريل الماضي، احتضنت إسلام آباد جولة مفاوضات انتهت دون اتفاق. وفي يونيو، تحدثت تقارير عن مذكرة تفاهم بين الطرفين. ثم جاء تفاهم وقف إطلاق النار المؤقت، الذي انهار بدوره في يوليوز.
هذا السجل يدعو إلى الحذر. فكل جولة سابقة بدأت بتصريحات متفائلة وانتهت بعودة التصعيد. وتفيد مصادر قريبة من المحادثات الحالية بأن الطرفين يدرسان مساراً تدريجياً: فتح هرمز مقابل رفع الحصار. غير أن الجولة الأولى لم تسفر عن تنازلات رئيسية من أي طرف.
الخليج بين الوساطة والخوف
تجد دول الخليج نفسها في موقع دقيق. فهي الأكثر تضرراً من إغلاق المضيق، لأن أغلب صادراتها ووارداتها تمر عبره. وفي الوقت نفسه، تحاول لعب دور الوسيط، كما تفعل قطر.
ويعكس لقاء ترامب مع قادة الخليج، بمشاركة العراق والأردن ولبنان وتركيا، حجم القلق الإقليمي. فالمنطقة لم تعد تحتمل حرباً مفتوحة تهدد أمنها واقتصادها.
ماذا يعني ذلك للمغرب والعالم العربي؟
قد يبدو هرمز بعيداً عن الرباط أو تونس أو القاهرة، لكن آثاره قريبة جداً. فتعطل الملاحة رفع أسعار الطاقة عالمياً، ودفع بنوكاً مركزية كبرى إلى رفع أسعار الفائدة. والدول المستوردة للطاقة هي أول من يدفع الثمن.
وفي المغرب، بقي الأثر محدوداً حتى الآن، بفضل دعم مهنيي النقل والإبقاء على أسعار غاز البوتان والكهرباء. لكن هذه الإجراءات لها كلفة على الميزانية، ولا يمكن أن تستمر إلى ما لا نهاية إذا طال أمد الأزمة.
تفاؤل حذر
تمثل محادثات نيويورك فرصة حقيقية، لكنها ليست ضماناً. فالطرفان لا يزالان متمسكين بشروطهما، والثقة بينهما شبه منعدمة. والتجارب السابقة تؤكد أن الطريق من التصريحات الإيجابية إلى اتفاق فعلي طويل ومحفوف بالمخاطر.
وإلى أن يتحقق ذلك، ستظل شعوب المنطقة والعالم تدفع ثمن حرب لم تخترها.
