على امتداد وادي درعة، تحكي النخلات الميتة قصة سنوات طويلة من الجفاف. جذوع يابسة، وسواقٍ جفت، وحقول هجرها أصحابها نحو المدن. وفي هذا المشهد، يحاول إقليم زاكورة اليوم كتابة فصل جديد عبر برنامج لتأهيل الواحات، يدخل مرحلة التنفيذ الفعلي هذا الخريف.
ماذا يتضمن البرنامج؟
أبرمت السلطات الإقليمية وشركاؤها 45 صفقة بين ماي وشتنبر 2026، بغلاف مالي يناهز 130 مليون درهم، أي 13 مليار سنتيم. ويمتد البرنامج على الفترة بين 2026 و2029، ويستهدف في مرحلته الأولى نحو 1040 هكتاراً موزعة على ثلاث واحات بجماعات تنسيفت وترناتة وتاكونيت.
ولا يقتصر البرنامج على غرس النخيل. فهو يشمل إزالة النخيل الميت، وحفر آبار جماعية وتجهيزها للري، واقتناء جرارات وخزانات مائية، وتهيئة المسالك. كما يتضمن شقاً اجتماعياً واقتصادياً: مراكز لتجميع الحليب، ودعم التعاونيات، وتوزيع رؤوس من الماعز والأغنام وخلايا النحل، وإحداث وحدات لتثمين مخلفات النخيل.
ويشارك في التنفيذ عدد من المتدخلين، بينهم عمالة الإقليم، والوكالة الوطنية لتنمية مناطق الواحات وشجر الأركان، ومجلس جهة درعة–تافيلالت، والوكالة الوطنية للمياه والغابات، ووكالة الحوض المائي.
الرقم الذي يقلق
غير أن رقماً صغيراً يطرح سؤالاً كبيراً. فحفر المواقع المخصصة لغرس الفسائل، وهي مهمة تقع على عاتق الفلاحين المستفيدين، لم تتجاوز نسبة إنجازه ما بين 2 و4 في المائة، بحسب ما أوردته منابر محلية.
قد يبدو التأخر تقنياً، لكنه يكشف جوهر المشكلة. فالدولة تستطيع تمويل الفسائل والآبار والجرارات. لكنها لا تستطيع أن تحل محل فلاح فقد ثقته في الأرض بعد سنوات من الخسارة. وحين يهاجر الشباب، يبقى في الواحة كبار السن، ولا يملك كثير منهم القدرة البدنية أو الحافز لإعادة بناء حقل من الصفر.
وقد أدرك القائمون على البرنامج هذا الخطر. إذ أكد عامل الإقليم، محمد العلمي ودان، أن انخراط الفلاحين شرط أساسي للنجاح. وأعلنت السلطات أن اختيار المناطق المستفيدة في توسعة 2027 سيخضع لمعيارين: توفر الموارد المائية، واستعداد الفلاحين فعلياً للعمل.
الماء أولاً
يعيدنا المعيار الأول إلى المشكلة الأم. فالواحة نظام بيئي يقوم على توازن دقيق بين الماء والنخلة والإنسان. وحين يختل الماء، ينهار الباقي تدريجياً.
ولهذا يراهن البرنامج على حفر آبار جماعية بدل الآبار الفردية. فالآبار الفردية المنتشرة في السنوات الأخيرة استنزفت الفرشة المائية، وساهمت في تعميق الأزمة بدل حلها. والري الجماعي، إذا أحسنت الجمعيات تدبيره، قد يعيد شيئاً من منطق التوزيع العادل الذي عرفته الواحات تاريخياً عبر الخطارات والسواقي.
لكن الآبار مهما كثرت لا تخلق الماء، بل تستخرج ما هو موجود. وفي إقليم يعيش منذ سنوات على إيقاع تساقطات ضعيفة، يبقى السؤال قائماً: هل تكفي الموارد الجوفية لإعادة الحياة إلى مئات الهكتارات دون أن تتكرر أخطاء الماضي؟
بين الإنقاذ والاستدامة
يحمل البرنامج نقاط قوة واضحة. فهو لا يتعامل مع الواحة كمساحة زراعية فقط، بل كمجال عيش متكامل يحتاج إلى دخل وتعاونيات ودور للنساء في تربية الماشية وتثمين المنتجات. وهذا تحول مهم مقارنة بمقاربات سابقة اكتفت بغرس الفسائل وتركها لمصيرها.
غير أن نجاحه لن يقاس بعدد الصفقات المبرمة ولا بحجم الغلاف المالي. بل سيقاس بعد سنوات بعدد النخلات التي بقيت حية، وبعدد الأسر التي قررت البقاء في الواحة بدل الرحيل عنها. وإلى ذلك الحين، يبقى المال الخطوة الأسهل في معادلة صعبة طرفاها الماء والإنسان.
