بدأت فاطمة الزهراء المنصوري مشاورات تشكيل الحكومة المغربية، الأربعاء 30 شتنبر 2026، بلقاءات مع قيادات حزبية في الرباط. وجاءت هذه الجولة غداة تعيين الملك محمد السادس لها رئيسة للحكومة وتكليفها بتشكيلها. وشملت اللقاءات أحزاباً من الأغلبية السابقة والمعارضة، بينما أبقت مواقف منشورة قرارات المشاركة مفتوحة أمام النقاش الداخلي.
واحتضن مقر حزب الأصالة والمعاصرة هذه الاتصالات، التي نقلت المشهد السياسي من نتائج الانتخابات إلى التفاوض حول التحالفات. غير أن استقبال الوفود لا يساوي اتفاقاً على حكومة مشتركة. وحتى إعداد هذه المادة، لم تتضمن المصادر المعتمدة إعلاناً نهائياً عن تركيبة الأغلبية أو توزيع المسؤوليات الوزارية. ويظل الخبر في تطور مع استمرار الاتصالات ومداولات الأحزاب.
مشاورات تشكيل الحكومة تبدأ بدائرة واسعة
استهلت المنصوري لقاءاتها بوفد التجمع الوطني للأحرار، برئاسة محمد شوكي، ثم التقت قيادة حزب الاستقلال برئاسة نزار بركة. وفي وقت لاحق، شملت المشاورات الحركة الشعبية والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية. ويعكس هذا الاتساع فتح قنوات تفاوض متعددة، لكنه لا يكشف وحده عن الصيغة التي قد تستقر عليها الأغلبية.
وكان بلاغ وزارة القصور الملكية والتشريفات والأوسمة قد أكد تعيين المنصوري يوم 29 شتنبر بالقصر الملكي بالرباط. وربط البلاغ التكليف بمقتضيات الفصل 47 من الدستور. وجاء ذلك بعد تصدر حزب الأصالة والمعاصرة الانتخابات التشريعية التي جرت يوم 23 شتنبر، وفق التغطيات المنشورة للنتائج.
كما يحمل التعيين بعداً غير مسبوق، إذ أصبحت المنصوري أول امرأة تتولى رئاسة الحكومة في المغرب، بحسب وكالة رويترز. إلا أن هذه الدلالة لا تحسم طبيعة التحالف المقبل. فالتفاوض يتعلق أيضاً بموقع كل حزب، ومضمون البرنامج، ومدى استعداد الشركاء لتحمل مسؤولية سياسية مشتركة.
الأحرار والاستقلال أمام القرار الحزبي
عقب اللقاء الأول، وصف محمد شوكي المشاورات بأنها جرت في أجواء اتسمت بالوضوح والصراحة، وفق ما نقلته تيل كيل عربي. وربط موقف حزبه باستحضار المصلحة العليا للبلاد. غير أن هذه العبارات لم تتضمن إعلاناً نهائياً بالمشاركة، وظل النقاش مرتبطاً بمداولات الهيئات الحزبية ومسار التفاوض.
وبحسب المصدر نفسه، يستعد التجمع الوطني للأحرار لاجتماع مجلسه الوطني، وسط نقاش بشأن تفويض رئيسه لمواصلة المسار التفاوضي. لذلك، ينبغي التمييز بين استقبال الوفد، والتفويض بالتفاوض، والقرار النهائي بالانضمام إلى الحكومة. فكل خطوة تحمل دلالة مختلفة، ولا يمكن اختزالها في إعلان تحالف مكتمل.
من جهته، أكد نزار بركة أن المجلس الوطني لحزب الاستقلال سيناقش نتائج الانتخابات وإمكانية المشاركة الحكومية، وفق SNRTnews. كما ربط المرحلة الجديدة باستعادة الثقة في العمل السياسي والوفاء بالالتزامات. وبذلك، وضع موقف الحزب ضمن نقاش مؤسساتي، مع إبداء دعم للتجربة السياسية الجديدة بصرف النظر عن موقعه المقبل.
مواقف المعارضة تجمع بين المطالب والتحفظ
في المقابل، دعا محمد أوزين، الأمين العام للحركة الشعبية، إلى إحداث «قطيعة إيجابية» مع المرحلة السابقة. ونقلت SNRTnews عنه أن اللقاء تناول قضايا ذات أولوية ورهانات المرحلة الجديدة. ويقدم هذا الموقف تصوراً سياسياً للتغيير، دون أن يجعل المشاركة الحكومية نتيجة محسومة بمجرد حضور المشاورات.
أما إدريس لشكر، الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي، فاختار التحفظ بشأن مضمون التفاوض. وأوضح، وفق المصدر نفسه، أن تفاصيل الاجتماع ستظل غير معلنة إلى حين استكمال لقاءات رئيسة الحكومة مع الأحزاب. وفي الوقت ذاته، اعتبر وصول امرأة إلى رئاسة الحكومة تقدماً في مسار المساواة وتطور المجتمع.
وبدوره، أعلن نبيل بنعبد الله، الأمين العام للتقدم والاشتراكية، أن حزبه لم يحسم موقعه بين الأغلبية والمعارضة. وأفاد، وفق تيل كيل عربي، بأن النقاش الداخلي مستمر، وأن القرار ينتظر أيضاً انتهاء الجولة الأولى من المشاورات. كما عرض مطالب تتعلق بالحريات والحقوق وتخليق الحياة العامة.
وتظهر هذه التصريحات اختلافاً في طريقة تعاطي الأحزاب مع الجولة الأولى. فبعضها أحال القرار إلى مؤسساته، وبعضها ركز على مضمون المرحلة أو تحفظ عن التفاصيل. لذلك، لا تكفي أجواء اللقاءات أو عبارات التهنئة لتحديد خريطة التحالف المقبل، خصوصاً مع استمرار التفاوض.
من التكليف إلى الثقة البرلمانية
دستورياً، يختلف تعيين رئيسة الحكومة عن اكتمال تشكيل الفريق الحكومي وتنصيبه. فالفصل 47 ينظم تعيين رئيس الحكومة من الحزب المتصدر لانتخابات مجلس النواب. كما ينص على تعيين الملك لأعضاء الحكومة باقتراح من رئيسها. وهذه مرحلة لاحقة لا تعوضها الاجتماعات الحزبية أو تصريحات التقارب.
بعد ذلك، يحدد الفصل 88 مسار عرض البرنامج الحكومي أمام مجلسي البرلمان ومناقشته. ويربط تنصيب الحكومة بحصولها على ثقة مجلس النواب، عبر تصويت الأغلبية المطلقة للأعضاء لصالح البرنامج. وبالتالي، يتطلب تشكيل الحكومة توافقاً سياسياً يعقبه استكمال الإجراءات الدستورية، ولا ينتهي عند إعلان أسماء الأحزاب المشاركة.
قراءة تحليلية: البرنامج اختبار تماسك التحالف
من زاوية تحليلية، يتيح اتساع المشاورات للمنصوري مقارنة تصورات متعددة قبل تثبيت خياراتها. لكنه يضع الأحزاب أيضاً أمام مسؤولية تفسير انتقالها من المنافسة الانتخابية إلى التعاون المحتمل. فالمشاركة تصبح أكثر قابلية للتقييم عندما تقترن بالتزامات واضحة، بدلاً من الاكتفاء بتبريرها بعبارات عامة عن التوافق.
كما أن مطالب استعادة الثقة والحريات وتحسين أوضاع المواطنين تحتاج إلى ترجمة عملية داخل البرنامج المرتقب. ويمكن قياس جدية هذا التقارب من خلال الأولويات التي يتفق عليها الشركاء وآليات تنفيذها ومتابعتها. أما الحديث عن انسجام حكومي قبل إعلان هذه العناصر، فيبقى استنتاجاً يتجاوز الوقائع المتاحة.
وتطرح الدلالة التاريخية لتولي امرأة رئاسة الحكومة معياراً إضافياً للنقاش حول تمثيل النساء داخل مواقع القرار. غير أن تقييم التجربة سيشمل، إلى جانب التمثيل، أداء المؤسسات والسياسات التي تعتمدها. ولذلك، لا تكفي رمزية التعيين وحدها للحكم المسبق على نجاح الحكومة المقبلة أو تعثرها.
في هذه المرحلة، تثبت مشاورات تشكيل الحكومة انطلاق التفاوض، بينما تظل نتيجته النهائية غير معلنة في المصادر المعتمدة. وستوفر القرارات الحزبية المقبلة والبيانات الرسمية أساساً أوضح لتحديد الأغلبية وبرنامجها. وإلى ذلك الحين، تبقى مسؤولية التغطية الصحفية متابعة المواقف المتغيرة، وفصل الاتفاقات المعلنة عن التوقعات المتداولة.
