انتهت الجولة الأولى من مشاورات تشكيل الحكومة المغربية الجديدة، لكن صورة الأغلبية التي ستقود المرحلة المقبلة لم تكتمل بعد. وبعد يومين من اللقاءات السياسية التي أجرتها فاطمة الزهراء المنصوري، رئيسة الحكومة المعينة والمكلفة بتشكيلها، انتقل مركز الثقل من مقر المشاورات إلى المؤسسات الداخلية للأحزاب، حيث يفترض أن تتخذ القرارات المتعلقة بالمشاركة في الحكومة أو البقاء في المعارضة.
وبذلك تدخل عملية تشكيل الحكومة مرحلة أكثر دقة من اللقاءات الأولى. فالجلوس إلى طاولة المشاورات لا يعني تلقائياً دخول الحكومة، كما أن تصريحات الاستعداد للمشاركة لا تكشف وحدها عن الشكل النهائي للأغلبية أو توزيع المسؤوليات داخلها.
سبعة لقاءات في يومين
بدأت المنصوري مشاوراتها الأربعاء 30 شتنبر، والتقت في اليوم الأول قيادات التجمع الوطني للأحرار، والاستقلال، والحركة الشعبية، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، والتقدم والاشتراكية. واستمرت اللقاءات في اليوم التالي مع الاتحاد الدستوري والحركة الديمقراطية الاجتماعية.
ووفق المعطيات المنشورة، استغرقت اللقاءات السبعة مجتمعة نحو أربع ساعات وخمس دقائق، لكنها ظلت في جوهرها مرحلة أولية للاستماع إلى مواقف الأحزاب وتصوراتها للمرحلة المقبلة، قبل الانتقال إلى التفاوض السياسي الذي يفترض أن يحدد مكونات الأغلبية وبرنامجها.
الأحرار يعلن استعداده للمشاركة
أوضح موقف معلن حتى الآن جاء من التجمع الوطني للأحرار، إذ أعلن مكتبه السياسي استعداده للمشاركة في الحكومة المقبلة، وربط ذلك بمواصلة الأوراش والإصلاحات المفتوحة والمساهمة في تدبير تحديات المرحلة الجديدة.
هذا الموقف يجعل مشاركة الحزب مطروحة رسمياً على طاولة المفاوضات، لكنه لا يعني أن شكل التحالف أو الحقائب الحكومية حُسما بالفعل.
فالمرحلة الحالية تسبق التفاوض النهائي حول البرنامج الحكومي وهيكلة الأغلبية والمسؤوليات داخل الجهاز التنفيذي.
الحركة الشعبية تؤجل كلمتها إلى السبت
الحركة الشعبية، من جهتها، تتجه إلى حسم موقعها عبر مؤسساتها الحزبية. فقد تقرر عقد دورة استثنائية للمجلس الوطني غداً السبت 3 أكتوبر لمناقشة نتائج الانتخابات وتحديد موقع الحزب في المرحلة السياسية المقبلة.
وهذا المسار يعكس قاعدة أساسية في المشاورات الحالية: ما يقوله الأمين العام أو الوفد المفاوض لا يعوض القرار الذي تتخذه المؤسسات المختصة داخل الحزب عندما يكون نظامه الداخلي يفرض ذلك.
لذلك فإن الأيام المقبلة، وليس الجولة الأولى وحدها، هي التي ستحدد فعلياً حجم الأغلبية الجديدة.
العدالة والتنمية خارج الجولة الأولى
في المقابل، لم يشارك حزب العدالة والتنمية في الجولة الأولى من اللقاءات.
المنصوري أكدت أن اتصالات جرت مع مختلف الأحزاب الممثلة في البرلمان، وأن لكل حزب حرية قبول التشاور أو عدم الحضور، مشددة في الوقت نفسه على أهمية الحوار بين المكونات السياسية.
عبد الإله بنكيران كان قد أعلن أن اللقاء، حتى لو تم، لن يغير قرار الحزب بالاصطفاف في المعارضة، فيما ارتبط عدم انعقاد الاجتماع أيضاً بخلاف حول مكانه.
وهكذا يبدو موقف العدالة والتنمية، وفق التصريحات المعلنة حتى الآن، مختلفاً عن الأحزاب التي دخلت المشاورات وهي تترك احتمال المشاركة مفتوحاً.
تحالف اليسار يختار المعارضة
تحالف اليسار، الذي يضم الحزب الاشتراكي الموحد وفدرالية اليسار الديمقراطي، أعلن بدوره تمسكه بموقع المعارضة.
وكان التحالف قد وافق مبدئياً على لقاء المنصوري، لكنه طالب بعقد الاجتماع في فضاء مستقل عن مقرات الأحزاب، معتبراً أن المشاورات ينبغي أن تحمل طابعاً مؤسساتياً. وتعذر في النهاية عقد اللقاء بسبب عدم التوافق حول مكانه، مع تأكيد التحالف اختياره العمل من المعارضة داخل البرلمان.
وهكذا بدأت الخريطة تتضح جزئياً: أحزاب تعلن استعدادها للمشاركة، وأخرى تختار المعارضة، وفئة ثالثة تنتظر قرارات مؤسساتها.
لا أسماء للوزراء حتى الآن
وسط المشاورات بدأت أسماء مرشحة لحقائب وزارية تتداول في الصحافة والكواليس السياسية، لكن لا يوجد حتى الآن إعلان رسمي عن توزيع الوزارات.
بل إن مصدراً قيادياً داخل الأصالة والمعاصرة نفى أن تكون الجولة الأولى قد تناولت أسماء بعينها لتولي المسؤوليات، في وقت ظهرت تصريحات حزبية تتحدث عن مؤهلات شخصيات محددة لمناصب حكومية.
والفارق هنا ضروري: التصريح بأن شخصاً مؤهل لمنصب ليس قراراً بتعيينه فيه.
لذلك فإن الحديث في هذه المرحلة عن حكومة مكتملة الأسماء سيكون سابقاً لأوانه.
من جس النبض إلى الحسابات الصعبة
الجولة الأولى أجابت عن سؤال واحد تقريباً: من يريد أن يتحدث مع من؟
أما الأسئلة الأصعب فلم تبدأ إجاباتها النهائية بعد: من سيدخل الأغلبية؟ وما البرنامج الذي سيجمع مكوناتها؟ وكيف ستوزع المسؤوليات السياسية داخلها؟
والأهم أن اتساع الأغلبية عددياً لا يحسم وحده قدرتها على العمل. فالحكومة المقبلة ستحتاج إلى تحويل التفاهم الانتخابي إلى برنامج مشترك بين أحزاب قد تختلف في أولوياتها الاقتصادية والاجتماعية وفي حساباتها السياسية.
لهذا فإن الجولة الثانية، عندما تبدأ المفاوضات التفصيلية، ستكون أكثر أهمية من صور اللقاءات الأولى.
السبت قد يكشف جزءاً جديداً من الخريطة
الأنظار تتجه الآن إلى اجتماعات المؤسسات الحزبية، وبينها المجلس الوطني للحركة الشعبية، إضافة إلى اجتماعات مرتقبة داخل أحزاب أخرى لتقييم نتائج انتخابات 23 شتنبر وتحديد مواقعها في المرحلة الجديدة.
وإلى أن تصدر تلك القرارات وتعلن المنصوري رسمياً مكونات التحالف الذي ستعتمد عليه، تظل كل تركيبة متداولة في الصحافة احتمالاً سياسياً وليست حكومة قائمة.
الجولة الأولى انتهت، لكن مفاوضات تشكيل الحكومة بالمعنى الحقيقي بدأت الآن.
