تسير مشاورات تشكيل الحكومة على وقع موعد لا يقبل التأجيل. فالدستور يحدد افتتاح البرلمان في الجمعة الثانية من أكتوبر، أي يوم 9 أكتوبر الجاري. وبين اليوم وذلك الموعد، تجد فاطمة الزهراء المنصوري نفسها أمام ملف ربما لم تتوقع أن يسبق توزيع الحقائب: رئاسة مجلس النواب.
قد يبدو المنصب تفصيلاً بروتوكولياً. لكن رئيس المجلس يدير جدول أعمال الغرفة الأولى، ويؤثر في إيقاع التشريع والرقابة. ولهذا تتعامل الأحزاب معه باعتباره جزءاً من الصفقة الحكومية، لا ملفاً منفصلاً عنها.
اسمان على الطاولة
تتحدث منابر مغربية عن اسمين يتداولهما الطرفان الأقوى في المشاورات. فحزب الأصالة والمعاصرة، صاحب المرتبة الأولى بـ97 مقعداً، يميل إلى عبد اللطيف وهبي. أما حزب الاستقلال، الثالث بـ65 مقعداً، فيطرح اسم أمينه العام نزار بركة.
لا يملك أي من الحزبين قرار الحسم وحده. فالأغلبية المطلقة داخل المجلس تحتاج إلى 198 صوتاً من أصل 395. ومجموع مقاعد الحزبين معاً يبلغ 162 مقعداً، أي أقل من هذه العتبة بستة وثلاثين صوتاً. لذلك سيمر انتخاب الرئيس حتماً عبر حلفاء آخرين.
وهنا تكمن الأهمية السياسية للتصويت. فالمجلس سينتخب رئيسه في بداية الولاية، وقد يحدث ذلك قبل الإعلان عن الحكومة. وبذلك يصبح هذا الاقتراع أول اختبار علني لتماسك الأغلبية التي تسعى المنصوري إلى بنائها.
دروس الولاية السابقة
في الولاية المنتهية، شغل رشيد الطالبي العلمي، عن التجمع الوطني للأحرار، رئاسة المجلس. وكان حزبه حينها يقود الحكومة. أما اليوم، فقد تغيرت الخريطة: تراجع الأحرار إلى المرتبة الثانية بـ66 مقعداً، ولم يعد قائد الأغلبية.
ويزيد موقع الأحرار المعادلة تعقيداً. فقد فوّض المجلس الوطني للحزب رئيسه محمد شوكي تدبير شروط المشاركة في الحكومة. في المقابل، تتحدث مصادر صحفية عن تحفظ أحزاب أخرى على دخوله الأغلبية. وإذا بقي الأحرار خارجها، فسيحتاج أي مرشح لرئاسة المجلس إلى تجميع أصوات أحزاب متوسطة وصغيرة.
تفويضات السبت وما بعدها
حسمت عدة أحزاب موقفها يوم السبت 3 أكتوبر. فقد صادق المجلس الوطني لحزب الاستقلال بالإجماع على المشاركة، وفوض قيادته مواصلة المشاورات. كما منح الاتحاد الدستوري والاتحاد الاشتراكي قيادتيهما تفويضاً مماثلاً. أما الحركة الشعبية فاختارت الحذر، وفوضت أمينها العام محمد أوزين مواصلة المشاورات دون قرار نهائي بشأن المشاركة.
تمنح هذه التفويضات المنصوري هامشاً أوسع للتفاوض. لكنها ترفع أيضاً سقف المطالب. فكل حزب يدخل الجولة الحاسمة وهو يعرف أن صوته قد يرجح كفة رئيس المجلس، وأن لهذا الصوت ثمناً في توزيع الحقائب.
ما الذي يكشفه هذا السباق؟
يكشف السباق أولاً أن الحكومة المقبلة لن تُبنى على حزبين كبيرين فقط. فالأرقام تفرض ائتلافاً أوسع، وكل توسيع يعني تنازلات إضافية.
ويكشف ثانياً أن حزب الاستقلال يحاول تحويل نتيجته الانتخابية إلى موقع مؤسساتي، رغم تراجعه بستة عشر مقعداً مقارنة بالولاية السابقة. أما الأصالة والمعاصرة، فيريد ترجمة صدارته إلى حضور يتجاوز رئاسة الحكومة.
لا أحد يستطيع اليوم الجزم باسم الرئيس المقبل لمجلس النواب. فالمشاورات لم تنته، والأسماء المتداولة لم تُعلن رسمياً. لكن المؤكد أن الطريقة التي ستحسم بها الأحزاب هذا المنصب ستقول الكثير عن طبيعة الأغلبية المقبلة: هل هي تحالف منسجم حول برنامج، أم توازن هش بين حسابات المقاعد؟
