وعدنا في الأجزاء السابقة بأن نضع الأرقام جنباً إلى جنب. وهذا ما نفعله هنا، بلغة الحساب لا بلغة الاتهام. فالسؤال الذي يطرحه المواطن أمام لوحة الأسعار بسيط: لماذا يدفع أكثر من 16 درهماً في لتر الغازوال؟ والجواب، كما سنرى، أقل بساطة مما يبدو.
البرميل وحده لا يفسر السعر
يوم الاثنين 5 أكتوبر، تراجع سعر برميل برنت إلى نحو 100.8 دولار. ويتسع البرميل لـ159 لتراً. وبسعر صرف يقارب 9.7 دراهم للدولار، تكون كلفة لتر النفط الخام في حدود 6.15 دراهم.
لكن المغربي لا يشتري نفطاً خاماً. فمنذ توقف مصفاة «سامير» بالمحمدية سنة 2015، يستورد المغرب الغازوال والبنزين جاهزين من الأسواق الدولية. وثمن المنتوج المكرر يختلف كثيراً عن ثمن الخام، خاصة في الظرف الحالي.
فأسواق الغازوال تعيش توتراً حاداً بسبب الحرب في الخليج واضطراب طرق الشحن. وتشير متابعات الأسواق إلى أن سعر برميل الغازوال تجاوز 200 دولار في أوروبا وأمريكا وآسيا. ويعني ذلك، بالحساب نفسه، أن لتر الغازوال قبل وصوله إلى المغرب يكلف أكثر من 12 درهماً، أي ضعف كلفة الخام تقريباً.
تفكيك اللتر الواحد
نشرت يومية «ليكونوميست» تفكيكاً لسعر لتر غازوال عند 16.76 درهماً، نقلته جريدة «المساء 24». ويتوزع هذا السعر على أربعة مكونات:
- كلفة النفط الخام: 5.81 دراهم
- هامش التكرير في الأسواق الدولية: 5.97 دراهم
- الضرائب والمساهمات لفائدة الدولة: 3.78 دراهم
- تكاليف الموزعين وهوامشهم: 1.20 درهم
تكشف هذه الأرقام ثلاث حقائق. أولاً، يمثل المنتوج المستورد نحو 70 في المائة من السعر. ثانياً، يذهب نحو 22 في المائة إلى خزينة الدولة. ثالثاً، لا يتجاوز نصيب الموزعين 7 في المائة.
وتنسجم هذه الأرقام إلى حد كبير مع ما رصده مجلس المنافسة. ففي تقريره عن الربع الأخير من 2025، قدّر المجلس الهامش الإجمالي للشركات التسع الكبرى بنحو 1.23 درهم في لتر الغازوال، و1.85 درهم في لتر البنزين.
لغز الغازوال الأغلى من البنزين
تكشف أسعار فاتح أكتوبر مفارقة لافتة. فقد بلغ لتر الغازوال 16.10 درهماً، بينما توقف البنزين عند 15.60 درهماً. أي أن الغازوال صار أغلى من البنزين بنصف درهم.
والمفارقة أعمق مما تبدو. فالدولة تفرض على الغازوال ضريبة داخلية على الاستهلاك في حدود 2.4 درهم للتر، مقابل نحو 3.7 دراهم على البنزين. وإذا حذفنا هذه الضريبة والضريبة على القيمة المضافة من السعرين، يصبح الغازوال أغلى من البنزين بنحو 1.8 درهم قبل الضرائب.
ولا يفسر هذا الفارق جشعُ الموزعين وحده. فهو يعكس أساساً الارتفاع الاستثنائي لهامش تكرير الغازوال عالمياً. لكنه يذكّر أيضاً بثمن غياب مصفاة وطنية: فالمغرب يشتري المنتوج الأغلى في السوق، ولا يملك أداة تخفف عنه صدمات التكرير.
الصعود السريع والنزول البطيء
في منتصف يوليوز، كان لتر الغازوال يباع بنحو 12.61 درهماً. وفي فاتح أكتوبر بلغ 16.10 درهماً. إنها زيادة بنحو 3.49 دراهم، أي قرابة 28 في المائة في أقل من ثلاثة أشهر، عبر سلسلة من الزيادات المتتالية.
يتقبل المواطن أن ترتفع الأسعار حين تشتعل الأسواق. لكن ما يغذي الشك هو الإحساس المتكرر بأن الأسعار تصعد بسرعة وتنزل ببطء. وقد سبق لمجلس المنافسة نفسه أن سجل، في تقارير سابقة، أن انخفاض أسعار الغازوال في المغرب كان أقل من الانخفاضات الدولية في بعض الفترات.
وتبرر الشركات ذلك عادة بالمخزون. فالوقود الذي يباع اليوم اشتُري قبل أسابيع بسعر مختلف. وهذه حجة تقنية مفهومة، لكنها تفقد قوتها إذا لم تعمل في الاتجاهين بالسرعة نفسها.
وزن الغرامة في ميزان الأرباح
في نونبر 2023، أنهى مجلس المنافسة مسطرة طويلة باتفاق تصالحي. وأدت بموجبه تسع شركات توزيع والهيئة المهنية للقطاع غرامة إجمالية بلغت نحو 1.84 مليار درهم. ووصف رئيس المجلس، أحمد رحو، الغرامة بأنها من بين الأكبر عالمياً. في المقابل، اعتبر منتقدون، بينهم الحسين اليماني، أن المجلس كان متساهلاً مع الشركات.
لكن كيف نقرأ هذا الرقم بلغة الحساب؟ وفق معطيات المجلس، باعت الشركات التسع نحو 1.9 مليار لتر خلال ربع واحد من سنة 2024. أي ما يقارب 7.6 مليارات لتر في السنة. وبهامش إجمالي يتراوح بين 1.2 و1.9 درهم للتر، يتجاوز الهامش السنوي للشركات التسع، حسب تقديرنا، عشرة مليارات درهم.
وبهذا الحساب، تعادل الغرامة التصالحية تقريباً شهرين من الهامش الإجمالي للقطاع. وهنا وجب التدقيق: فالهامش الإجمالي ليس ربحاً صافياً، بل يغطي أيضاً كلفة النقل والتخزين والأجور وشبكة المحطات. لذلك لا تكفي هذه المقارنة للحكم على الغرامة بأنها قاسية أو متساهلة. لكنها تعطي القارئ مقياساً لم يكن متاحاً له من قبل.
ما الذي تقوله الأرقام في النهاية؟
تقول الأرقام أولاً إن الجزء الأكبر من الزيادة الأخيرة جاء من الخارج، من أسواق التكرير المشتعلة. وهذه حقيقة ينبغي الاعتراف بها، حتى لا يتحول النقاش إلى مجرد بحث عن متهم.
وتقول ثانياً إن الدولة شريك كبير في كل لتر. فنحو 3.8 دراهم تذهب إلى الخزينة، وأي تخفيف حقيقي للعبء على المواطن يمر حتماً عبر مراجعة الضريبة الداخلية على الاستهلاك.
وتقول ثالثاً إن غياب المصفاة الوطنية جعل المغرب أكثر هشاشة أمام صدمات التكرير، وهي الأشد اليوم.
أما ما لا تقوله الأرقام، فهو بالضبط ما يحتاج إلى جواب. كيف تتحدد الأسعار أسبوعياً؟ وبأي سرعة تنعكس الانخفاضات الدولية على المحطة؟ ولماذا تتحرك الشركات في الاتجاه نفسه وفي التوقيت نفسه تقريباً؟ هذه الأسئلة لا يجيب عنها الحساب وحده، بل الشفافية الكاملة في تركيب الأسعار، وهي ما يزال ينقص هذا القطاع.
في الجزء الخامس من هذا الملف، نستعرض مواقف الأطراف المختلفة كما عبرت عنها علناً: الحكومة، والشركات، ومجلس المنافسة، والنقابات، والخبراء.
تنويه: صفحات «الاختيار24» مفتوحة لحق الرد لكل الشركات والمؤسسات الواردة أسماؤها في هذا الملف. وتعتمد الحسابات الواردة في هذا الجزء على أرقام منشورة، وتبقى تقديرات تقريبية لا تحل محل المعطيات الرسمية.
ملف المحروقات: اقرأ الأجزاء كاملة
- الجزء الأول: افتتاحية | الوقود الذي يحرك السياسة
- الجزء الثاني: تسع شركات وسوق واحدة: تشريح قطاع توزيع المحروقات في المغرب
- الجزء الثالث: بين الفيول والغاز: 3,8 مليار درهم وسؤال لم يجب عنه أحد بعد
