لا تختزل عملية تشكيل الحكومة المغربية في توزيع الحقائب الوزارية بين الأحزاب المشاركة في الأغلبية، وإن كانت هذه المهمة تشكل أحد أكثر جوانبها حساسية. فاختيار الوزراء يحدد، إلى حد بعيد، طبيعة الفريق الذي سيتولى تدبير القطاعات العمومية، كما يكشف عن التوازن الذي تسعى الأحزاب إلى إقامته بين التزاماتها السياسية ومتطلبات الإدارة الحكومية. وفي ظل النقاش الدائر حول التشكيلة المرتقبة لحكومة فاطمة الزهراء المنصوري، يعود سؤال الكفاءة إلى الواجهة، مقروناً بمسألة أوسع تتعلق بموقع الأحزاب في إنتاج النخب القادرة على ممارسة المسؤولية.
ويكتسب هذا النقاش أهمية خاصة في مرحلة تتداخل فيها انتظارات اجتماعية واقتصادية متعددة، من القدرة الشرائية والتشغيل إلى إصلاح الخدمات العمومية. فالمواطن الذي ينتظر تحسناً في أوضاعه اليومية لا يعنيه فقط الانتماء الحزبي للوزير، بقدر ما تعنيه قدرته على فهم مشكلات القطاع الذي يشرف عليه، واتخاذ القرارات المناسبة، وتحمل المسؤولية السياسية عن نتائجها.
غير أن المقابلة بين الكفاءة والانتماء الحزبي قد تكون مضللة إذا قُدمت باعتبارهما خيارين متعارضين بالضرورة. فالوزير يمكن أن يجمع بين الخبرة المهنية والتجربة السياسية، مثلما يمكن لشخصية مستقلة عن الأحزاب أن تفتقر إلى القدرة على إدارة مؤسسة عمومية معقدة. ولذلك فإن القضية لا تتعلق بإقصاء السياسيين لفائدة التقنيين، بل بوضع معايير واضحة لاختيار المسؤولين، وتحديد طبيعة المسؤولية التي يتحملونها أمام الحكومة والبرلمان والرأي العام.
المحاصصة الحزبية بين ضرورات التحالف وحدود الفعالية
تقوم الحكومات الائتلافية، بطبيعتها، على تفاوض بين أحزاب تختلف في أوزانها الانتخابية وأولوياتها السياسية. ويشمل هذا التفاوض البرنامج الحكومي وتوزيع المسؤوليات، بما يسمح لكل طرف بالمشاركة في السلطة وتحمل جزء من مسؤولية تنفيذ السياسات العمومية.
ولا تمثل هذه الآلية في حد ذاتها خللاً ديمقراطياً، لأن المشاركة الحكومية يفترض أن تعكس نتائج الانتخابات والتفاهمات التي تسمح بتشكيل أغلبية برلمانية. لكن الإشكال يبدأ عندما تتحول الحقائب الوزارية إلى حصص حزبية منفصلة عن طبيعة القطاعات وحاجاتها، أو عندما يصبح الحفاظ على التوازن بين الشركاء أكثر أهمية من انسجام الفريق الحكومي.
وقد يؤدي هذا المنطق إلى إضعاف التنسيق بين الوزارات، خصوصاً في الملفات التي تتطلب عملاً مشتركاً. فإصلاح التعليم، على سبيل المثال، يرتبط بالتشغيل والمالية والتنمية الترابية، كما أن معالجة أزمة السكن لا تنفصل عن التخطيط الحضري والنقل والسياسات الاجتماعية. ولذلك لا تكفي كفاءة كل وزير على حدة إذا غابت رؤية حكومية مشتركة وآليات فعالة لتنسيق القرارات.
وتبرز هنا مسؤولية رئيسة الحكومة في بناء فريق قادر على العمل الجماعي، لا مجرد جمع ممثلين عن الأحزاب المشاركة في الائتلاف. فالانسجام الحكومي لا يتحقق فقط بتوقيع اتفاق سياسي، وإنما بوضوح الأولويات وتحديد المسؤوليات والقدرة على معالجة الخلافات دون تعطيل القرارات.
هل الوزير التقني أكثر كفاءة من الوزير السياسي؟
تتكرر في النقاش العمومي المغربي الدعوات إلى إسناد القطاعات الحساسة إلى شخصيات تتمتع بخبرة تقنية أو مهنية واسعة. وغالباً ما تستند هذه الدعوات إلى الاعتقاد بأن التدبير الإداري والاقتصادي يحتاج إلى معرفة متخصصة، وأن الانتماء الحزبي لا ينبغي أن يكون معياراً حاسماً في التعيين.
غير أن التجربة الحكومية، في المغرب وغيره، تبرز أن الخبرة التقنية ليست بديلاً كاملاً عن القدرة السياسية. فالوزير لا يكتفي بإدارة الملفات، بل يشارك في تحديد الأولويات وتوزيع الموارد والدفاع عن القرارات أمام البرلمان. كما يتعين عليه التفاوض مع الفاعلين الاجتماعيين والمؤسساتيين، والتعامل مع آثار السياسات التي يشرف على تنفيذها.
وفي المقابل، لا يمنح الانتماء إلى حزب سياسي صاحبه كفاءة تلقائية في تدبير قطاع حكومي. فقد يمتلك المسؤول تجربة انتخابية وتنظيمية مهمة، لكنه يفتقر إلى المعرفة الضرورية بملفات الوزارة أو القدرة على إدارة جهازها الإداري.
ومن ثم، فإن الاختيار بين السياسي والتقني ليس هو السؤال الأكثر دقة. الأهم هو معرفة ما إذا كان المرشح يمتلك المؤهلات المناسبة للقطاع، والقدرة على القيادة والتنسيق، والاستعداد لتحمل المسؤولية أمام المؤسسات المنتخبة. كما ينبغي أن تكون هذه المؤهلات قابلة للتقييم، بدل الاكتفاء بالسمعة الشخصية أو الموقع داخل الحزب.
من اختيار الوزراء إلى محاسبة النتائج
أثار حكيم بن شماش، الأمين العام الأسبق لحزب الأصالة والمعاصرة والرئيس الأسبق لمجلس المستشارين، هذا الإشكال في مقال نشره اليوم الخميس 15 أكتوبر. واعتبر أن تشكيل حكومة المنصوري يمثل اختباراً مبكراً لقدرة الأحزاب على استيعاب متطلبات المرحلة، محذراً من اختزال اختيار الوزراء في مكانتهم الحزبية أو خبرتهم التقنية وحدها.
وربط بن شماش بين جودة الاختيارات الحكومية والقدرة على تنفيذ الإصلاحات، مستحضراً التأخر الذي عرفه ورش اللاتمركز الإداري. كما شدد على أهمية قيادة حكومية تستطيع التنسيق بين القطاعات واتخاذ القرارات وتحمل المسؤولية عن نتائجها.
وتكمن أهمية هذا الموقف في انتقاله بالنقاش من أسماء المرشحين للاستوزار إلى شروط ممارسة السلطة التنفيذية. غير أن اعتماد الكفاءة معياراً للاختيار يظل ناقصاً إذا لم يقترن بآليات واضحة للمساءلة. فقد يتمتع الوزير بمؤهلات مهنية معتبرة، دون أن يتمكن من تحقيق أهدافه بسبب ضعف التنسيق أو محدودية الموارد أو غياب القرارات السياسية الضرورية.
حكومة بأربعة أحزاب أمام امتحان الانسجام
تزداد أهمية هذه الإشكالية مع توجه الأغلبية الجديدة إلى الجمع بين الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية. فهذه الأحزاب تحمل تجارب سياسية وبرامج مختلفة، ما يجعل صياغة برنامج حكومي مشترك شرطاً أساسياً لاستقرار عملها.
وقد أظهرت التصريحات المرتبطة بالمشاورات أن توزيع الحقائب ليس مسألة محسومة بالكامل. إذ تحدث إدريس لشكر عن مطالب حزبه بشأن القطاعات الوزارية الكبرى، فيما أشار عبد اللطيف وهبي إلى أن عدد الوزراء قد يتغير تبعاً لنتائج المفاوضات. ولا تعني هذه التصريحات التوصل إلى اتفاق نهائي بشأن الهندسة الحكومية.
ويكشف هذا النقاش عن تحدٍ سياسي لا يمكن تجاهله. فالأحزاب مطالبة بالدفاع عن وزنها الانتخابي وموقعها داخل الأغلبية، لكنها مطالبة أيضاً بإقناع المواطنين بأن توزيع المسؤوليات يستجيب لحاجات التدبير العمومي، لا لمجرد تحقيق التوازن بين الشركاء.
الاختبار الحقيقي يبدأ بعد التعيين
لن يكون الحكم على حكومة المنصوري مرتبطاً فقط بمدى نجاحها في استقطاب شخصيات ذات كفاءة أو تقليص عدد الحقائب الوزارية. فالحكومة الصغيرة ليست بالضرورة أكثر فعالية، مثلما أن الحكومة التي تضم خبراء لا تضمن تلقائياً جودة القرارات.
ويظل المعيار الأهم هو قدرة الفريق الحكومي على تنفيذ برنامج واضح، وتحديد آجال الإصلاحات، ونشر نتائج قابلة للتقييم. كما أن دور البرلمان في مراقبة الأداء ومساءلة الوزراء سيشكل عنصراً أساسياً في تحويل المسؤولية السياسية من مبدأ دستوري إلى ممارسة مؤسساتية.
ومن هذه الزاوية، تبدو مشاورات تشكيل الحكومة أكثر من مجرد تفاوض على الأسماء والمناصب. إنها لحظة لتحديد طبيعة القيادة التي ستتحمل مسؤولية الملفات الاقتصادية والاجتماعية والمؤسساتية خلال المرحلة المقبلة.
أما السؤال الذي سيبقى مفتوحاً بعد إعلان التشكيلة الحكومية، فهو ما إذا كانت الاختيارات قد أنتجت فريقاً قادراً على العمل المشترك، أم أنها اكتفت بتوزيع المسؤوليات وفق التوازنات الحزبية. والإجابة لن تقدمها لائحة الوزراء وحدها، بل ستكشفها القرارات والنتائج خلال ممارسة السلطة.
