f x ig yt
الأحد، 25 أكتوبر 2026
جديد الإختيار

المعارضة والحكومة في أول مواجهة.. هل يتجه البرلمان إلى رقابة فعلية؟

كشفت مناقشة البرنامج الحكومي عن خلافات حادة بشأن الاستمرارية السياسية والوعود الاجتماعية، لكن الاختبار الحقيقي للأغلبية والمعارضة يبدأ مع مشروع قانون المالية 2027 ومراقبة تنفيذ الالتزامات الحكومية.

المشهد السياسي 📅 24 أكتوبر 2026 ⏱ 7 دقائق
مجلس النواب المغربي، حيث كشفت مناقشة البرنامج الحكومي عن تباين مواقف الأغلبية والمعارضة بشأن أولويات المرحلة المقبلة.

لم تكن جلسة منح الثقة لحكومة فاطمة الزهراء المنصوري، الخميس 22 أكتوبر 2026، مجرد محطة دستورية لاستكمال تنصيب السلطة التنفيذية الجديدة، فقد تحولت إلى مواجهة سياسية كشفت عن طبيعة العلاقات التي ستجمع الحكومة بمعارضيها خلال المرحلة المقبلة. وبين دفاع الأغلبية عن برنامج تقول إنه يؤسس لتغيير المسار، وانتقادات المعارضة التي تشكك في جدية هذا التحول، عاد النقاش بشأن وظيفة البرلمان إلى الواجهة، خصوصاً في ما يتعلق بقدرته على الانتقال من التنافس الحزبي إلى الرقابة الفعلية على السياسات العمومية.

انتهت الجلسة بالمصادقة على البرنامج الحكومي بأغلبية 204 أصوات مقابل 127 صوتاً معارضاً، وهي نتيجة مكنت الحكومة من استكمال تنصيبها وفق الفصل 88 من الدستور. غير أن أهمية التصويت لا تكمن فقط في الأرقام، وإنما أيضاً في طبيعة الاصطفافات السياسية التي أفرزها، وفي الأسئلة التي طرحتها الفرق البرلمانية بشأن العلاقة بين البرنامج الجديد وحصيلة الحكومات السابقة.

أغلبية جديدة ومعارضة تعيد ترتيب مواقعها

أظهرت جلسة التصويت أن المشهد البرلماني دخل مرحلة جديدة من إعادة توزيع الأدوار. فقد صوتت فرق التقدم والاشتراكية والاستقلال والفريق الاشتراكي لصالح البرنامج الحكومي، بينما عارضه التجمع الوطني للأحرار والحركة الشعبية وتحالف اليسار، إلى جانب مكونات معارضة أخرى.

ولا يمكن اختزال هذه الاصطفافات في انتقال بعض الأحزاب من الحكومة إلى المعارضة أو العكس، لأن التحول الأهم يتعلق بكيفية تعامل كل طرف مع السياسات التي سبق له الدفاع عنها أو المشاركة في تنفيذها. فالحزب الذي ينتقل إلى المعارضة لا يصبح تلقائياً غير مسؤول سياسياً عن اختيارات المرحلة السابقة، كما أن الحزب الذي يدخل الحكومة لا يستطيع الاكتفاء بانتقاد تلك المرحلة إذا كانت عناصر أساسية من توجهاتها ستستمر.

ويضع هذا الوضع الأحزاب أمام امتحان الاتساق السياسي. فالمطلوب من المعارضة تحديد ما ترفضه في البرنامج الجديد، وما تعتبره استمراراً لاختيارات سابقة، مع تقديم بدائل واضحة. وفي المقابل، يتعين على الأغلبية توضيح المجالات التي ستشهد تغييراً حقيقياً، بدلاً من الاكتفاء باستعمال مفردات التجديد والإصلاح.

مناقشة البرنامج تكشف خلافاً حول معنى التغيير

احتلت مسألة الاستمرارية موقعاً بارزاً في النقاش البرلماني. فقد اعتبر ممثلون عن المعارضة أن البرنامج الحكومي لا يقدم قطيعة واضحة مع اختيارات سابقة، فيما دافعت الأغلبية عن توجهاته باعتبارها استجابة للانتظارات الاجتماعية والاقتصادية.

وفي هذا السياق، برر ياسين عوكاشة، رئيس فريق التجمع الوطني للأحرار، موقع حزبه المعارض بالتأكيد على أن جانباً مهماً من البرامج والاختيارات السابقة حاضر في البرنامج الجديد. أما عمر محمود بنجلون، عن تحالف اليسار، فانتقد استمرار بعض التوجهات، خصوصاً في قطاع العدل، وربط موقفه من الحكومة بسجل الإصلاحات والتشريعات السابقة.

وتكشف هذه المواقف عن مفارقة سياسية تستحق التوقف عندها. فإذا كانت الحكومة الجديدة تتبنى جزءاً من سياسات سابقتها، فإن مجرد تغير مواقع الأحزاب لا يكفي لتفسير الخلافات القائمة. وفي المقابل، فإن استمرار بعض الأوراش لا يمنع الحكومة من تعديل طرق تنفيذها أو تصحيح اختلالاتها، شريطة أن تقدم أدلة واضحة على ذلك.

وعليه، فإن السؤال الذي ينبغي أن يوجه العمل البرلماني ليس ما إذا كان البرنامج جديداً بالكامل أو استمراراً كاملاً لما سبقه، وإنما تحديد ما تغير فعلياً في الأهداف والوسائل والاعتمادات وآليات المحاسبة.

تبادل الاتهامات يهدد بإضعاف النقاش العمومي

عرفت جلسة مناقشة البرنامج الحكومي توتراً بين بعض مكونات الأغلبية والمعارضة، خصوصاً حول طبيعة الانتقادات الموجهة إلى رئيسة الحكومة ومدى ارتباطها بمضمون البرنامج. واتهم إدريس الأزمي الإدريسي، عن العدالة والتنمية، رئيسة الحكومة بعدم الإجابة الكافية عن الملاحظات التي أثارها فريقه، معتبراً أن ردها حمل طابعاً حزبياً أكثر من كونه جواباً حكومياً على أسئلة النواب.

وامتد هذا التوتر إلى جلسة تقديم مشروع قانون المالية لسنة 2027، يوم الجمعة 23 أكتوبر، عندما وجه وزير الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية، فوزي لقجع، انتقادات حادة إلى بعض المواقف البرلمانية، متهماً أصحابها بالتضليل وخداع المواطنين.

ولا ينبغي التعامل مع هذه الاتهامات بوصفها وقائع ثابتة لمجرد صدورها عن مسؤول حكومي، كما لا يمكن اعتبار كل انتقاد معارض دليلاً على وجود إخفاق حكومي. فالفصل بين الادعاء والدليل يمثل شرطاً أساسياً لنقاش برلماني منتج.

ومن حق الحكومة أن تدافع عن اختياراتها وأن تفند ما تعتبره معطيات غير دقيقة، لكن قوة الرد الحكومي تقاس بحجم الأدلة والوثائق التي يقدمها. وبالمثل، فإن المعارضة مطالبة بإسناد انتقاداتها إلى أرقام ونصوص ومؤشرات قابلة للتحقق، حتى لا تتحول الجلسات إلى منافسة في حدة الخطاب على حساب مضمون السياسات العمومية.

مشروع مالية 2027 أول اختبار للرقابة البرلمانية

لم تمض سوى ساعات على منح الحكومة الثقة حتى انتقل البرلمان إلى مناقشة أول مشروع قانون مالية في ولايتها، وهو ما يمنح المؤسسة التشريعية فرصة مبكرة لاختبار قدرتها على إخضاع التعهدات السياسية للتقييم المالي.

فالمشروع لا يتعلق فقط بتوزيع الاعتمادات بين الوزارات والمؤسسات، بل يكشف عن أولويات الحكومة الفعلية ومدى انسجامها مع البرنامج الذي نالت على أساسه ثقة النواب. ويمكن للبرلمان، من خلال دراسة النص والتقارير المرفقة به، أن يفحص كلفة الإجراءات الاجتماعية ومصادر تمويلها والفئات المستفيدة منها، وأن يقارن بين الأهداف المعلنة والموارد المرصودة لتنفيذها.

وتبرز هنا أهمية الانتقال من المناقشة العامة إلى مساءلة التفاصيل. فعندما تعلن الحكومة عن تحسين القدرة الشرائية أو تعزيز الخدمات الصحية والتعليمية، يصبح من الضروري تحديد الاعتمادات المخصصة لكل إجراء، والجدول الزمني للتنفيذ، والمؤشرات التي ستسمح بقياس نتائجه.

ولا تقتصر هذه المسؤولية على المعارضة، إذ يفترض في فرق الأغلبية أيضاً أن تمارس الرقابة على التنفيذ، حتى لا يتحول دعم الحكومة إلى قبول غير مشروط بجميع قراراتها.

الأغلبية بين التضامن الحكومي وواجب المساءلة

تطرح المرحلة الجديدة إشكالية العلاقة بين الانضباط السياسي داخل الأغلبية واستقلالية العمل البرلماني. فالتصويت لصالح البرنامج الحكومي يعبر عن دعم توجهاته العامة، لكنه لا يلغي واجب النواب في مراقبة تطبيقه أو مساءلة الوزراء بشأن التعثرات المحتملة.

ويفترض أن يتجسد هذا الدور في مناقشة الميزانيات القطاعية، وتتبع تنفيذ المشاريع، واستعمال الأسئلة البرلمانية والمهام الاستطلاعية وآليات التقييم، بعيداً عن تحويل الرقابة إلى امتياز حصري للمعارضة.

كما أن استقلالية البرلمان لا تقاس فقط بعدد الجلسات أو حجم التدخلات، وإنما بقدرته على الحصول على المعلومات الدقيقة ومتابعة الملاحظات التي يصدرها، ثم قياس مدى استجابة الحكومة لها.

ومن دون هذا البعد المؤسساتي، قد تتحول العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية إلى مجرد تبادل للأدوار الشكلية، حيث تدافع الأغلبية عن جميع القرارات وتعارضها المعارضة بصورة تلقائية، بينما تبقى النتائج الفعلية للسياسات خارج دائرة التقييم الجاد.

المعارضة مطالبة بتقديم بدائل لا الاكتفاء بالرفض

يمنح الموقع المعارض للأحزاب مساحة أوسع لانتقاد السياسات الحكومية، لكنه يضعها أيضاً أمام مسؤولية تقديم بدائل واقعية. فالتشكيك في قدرة الحكومة على تحقيق وعودها لا يكفي إذا لم يصاحبه تصور واضح لكيفية معالجة المشكلات المطروحة.

وفي الملفات الاجتماعية، على سبيل المثال، يمكن للمعارضة أن تقدم مقترحات تتعلق بآليات استهداف الدعم، أو توزيع الموارد بين الجهات، أو إصلاح المنظومة الجبائية، أو تحسين فعالية الإنفاق العمومي. كما يمكنها استعمال مناقشة قانون المالية لتقديم تعديلات معللة، تسمح بمقارنة الخيارات الحكومية ببدائل قابلة للنقاش.

وتزداد هذه المسؤولية بالنسبة إلى الأحزاب التي سبق لها المشاركة في السلطة التنفيذية، إذ يصبح من المشروع مطالبتها بتفسير الفارق بين مواقفها الحالية والقرارات التي اتخذتها عندما كانت في موقع المسؤولية.

ولا يتعلق الأمر بحرمان أي حزب من حقه في مراجعة اختياراته، وإنما بضرورة أن تكون هذه المراجعة معلنة ومبررة، حتى يتمكن المواطن من التمييز بين التحول السياسي الحقيقي وتبدل الخطاب الناتج عن الانتقال من الحكومة إلى المعارضة.

المواطن خارج الصراع الحزبي أم في صلبه؟

قد تجذب المواجهات البرلمانية الحادة اهتمام الرأي العام، لكنها لا تضمن بالضرورة تحسين جودة القرار العمومي. فالمواطن الذي يتابع النقاش بشأن الأسعار والتشغيل والصحة والتعليم يحتاج إلى معرفة ما ستفعله الحكومة، وكيف ستراقب المعارضة تنفيذ ذلك، وما النتائج التي يمكن انتظارها خلال آجال محددة.

ومن هنا، تصبح الشفافية في نشر المعطيات والتقارير الدورية شرطاً ضرورياً لربط العمل البرلماني بالمصلحة العامة. فكلما توفرت معلومات دقيقة بشأن تنفيذ البرامج والميزانيات، أصبح من الممكن تقييم الأداء الحكومي بصورة أكثر موضوعية، وتراجعت أهمية السجالات التي لا تستند إلى وقائع قابلة للتحقق.

كما أن فتح المجال أمام النقاش العمومي المبني على البيانات يساعد على مساءلة جميع الأطراف، سواء تلك التي تتولى التدبير أو التي تقدم نفسها بديلاً عنه.

هل تتحول المواجهة إلى رقابة مؤسساتية؟

كشفت الجلسات الأولى من الولاية الحكومية الجديدة عن برلمان يشهد تنافساً سياسياً واضحاً، لكن قوة هذا التنافس لا تكفي للحكم على فعالية المؤسسة التشريعية. فالانتقال إلى رقابة فعلية يقتضي الاستمرارية في متابعة الملفات، والقدرة على مساءلة المسؤولين استناداً إلى الوثائق، وربط الالتزامات الحكومية بنتائج قابلة للقياس.

وسيكون مشروع قانون المالية لسنة 2027 أول اختبار عملي لهذا التحول. فإذا انحصرت المناقشات في تبادل الاتهامات والدفاع الحزبي عن المواقف، فلن يختلف الأداء البرلماني كثيراً عن الممارسات التي طالما تعرضت للانتقاد. أما إذا نجح النواب في فحص الاختيارات المالية والاجتماعية وتقديم تعديلات وملاحظات مدعومة بالحجج، فقد تشكل هذه المرحلة بداية لتطوير وظيفة الرقابة والمحاسبة.

لقد حُسمت مسألة تنصيب الحكومة بالتصويت، لكن النقاش حول حصيلتها لم يبدأ بعد بالمعنى الفعلي. وبين حكومة مطالبة بإثبات قدرتها على الإنجاز، ومعارضة مطالبة بإظهار جدية بدائلها، يبقى البرلمان أمام مسؤولية أساسية: أن يجعل من التنافس السياسي وسيلة لتحسين السياسات العمومية، لا غاية قائمة بذاتها.

شارك المقال فيسبوك إكس تيليغرام

اقرأ أيضاً

اترك تعليقاً